الأسبوع العظيم المقدّس بكامل أحداثه ومعانيه يُشكّل وحدة مترابطة ترابطا محكما؛ الأيام الثلاثة الأولى تذكّرنا بهدف الرحلة الصومية التي قطعنا شوطا كبيرا منها، ألا وهو انتظار العريس الآتي: "ها هوذا الختن (العريس) يأتي في نصف الليل فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظا...".


هذه الدعوة إلى انتظار العريس، المستوحاة من مثلَيْ العذارى (متى 25: 1-13) والوكيل الأمين (لوقا 12: 35-40)، تردّنا إلى ما أوصى به السيد، في ما كان يحدّث تلاميذه عن مجيئه الرهيب في اليوم الأخير، لمّا قال لهم "اسهروا" (مرقس 13: 33-37)0 وصيّة السهر -الذي نعيش مدلوله بقوّة في هذا الأسبوع- تدلّ على طبيعة جماعة يسوع وعملها (الإعلان عن اليوم الاخير) في هذا الزمن الرديء، وهذا، لا شكّ، تستطيعه إذا سمّرَتْ عينيها على "خدر المسيح" (الخدر هو الغرفة الزوجية)، وأدركت أنها بقدرتها "لا تملك رداء للدخول إليه"، وانه وحده يعطيها الحلّة الجديدة إذا ما اتّخذها لنفسه عروسا على الصليب .
يُشير إنجيل صلاة سَحَر يوم الاثنين العظيم (صلاة السَحَر هي الصلاة المعروفة شعبيا بصلاة الخَتَن) التي تقام، وفق الممارسة الحالية، مساء أحد الشعانين، إلى أن التينة التي لعنها الرب يبست (متى 21: 18-23). والتينة رمز إلى كهنة الهيكل والفريسيين الذين لم يثمروا، والى العالم الذي خُلق ليحمل ثمرا روحيا وأَخفقَ، وهي تنقل تحذيراً إلى كل نفس عقيمة لا تعمل، في العالم، عمل الرب. ينتهي المقطع الإنجيلي بمثلين، الأول هو مثل الابنَيْن اللذين أرسلهما والدهما إلى العمل في كرمه فرفض الأول ثم تاب وذهب، وقَبِلَ الآخر لكنه لم يذهب . والثاني هو مثل العَمَلة القتلة الذين قتلوا مُرْسَلي صاحب الكرم وابنََه. فنتعلّم من المثل الأول أن الرب الذي يرغب في قبول التائبين يكره التواني، ومن الثاني أن العريس الذي غرّبه بنو جنسه وقتلوه هو "حَجَر الزواية" في البناء .
نقيم في هذا اليوم ذكرى يوسف العفيف الذي أبغضه إخوته وباعوه ، أودية قانون السَحَر تشير مراراً إليه ، يوسف هو مثال للأمانة التي هي شرط للدخول إلى خدر المسيح .
يتابع يوم الثلاثاء العظيم (الذي يؤدّى الاثنين مساء) التأمل في موضوع عودة المسيح ديّان البشر . نصوص هذا اليوم تحضّنا على ضرورة اليقظة (أكدت نصوص يوم أمس أن يوم الربّ رهيب ولا يأتي بمراقبة)، واقتناء الاستعدادات الداخلية التي يستلزمها هذا الحدث. فتُذكّرنا صلاة السَحَر بوجوب محبّة العريس وتهيئة المصابيح لامعة بالفضائل والإيمان، حتى متى جاء السيد يصطحبنا معه في عرسه .
الأُنشودة الثانية في الخدمة مستوحاة من التلاوة الإنجيلية (متى 22: 15-23: 39)، وهي تشير إلى مجمع المشورة الحائد عن الشريعة الذي ألّفه الحسّاد الذين هم رؤساء اليهود (الكهنة والكتبة والصدّوقيون والفريسيّون...) على يسوع، فاستحقّوا -وكل من يتبع تآمرهم- التوبيخ الطويل الوارد في التلاوة، لكونهم لا يكتفون بعدم الدخول إلى الملكوت ولكنهم "لا يتركون الداخلين يدخلون" .
الأمثال الثلاثة التي يطالعنا بها إنجيل خدمة القدسات السابق تقديسها (متى 24: 36-26 :2) تتحدث عن النهاية واليوم الأخير الذي يختبئ السيد وراء بشريته، كما قال المطران جورج (خضر)، عندما يعلن أن تلك الساعة لا يعرفها أحد إلا "الآب وحده" . المثل الأول في التلاوة هو مثل العبد الرديء الذي يفاجئه سيده في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها ويجعل نصيبه مع المرائين، لانه لم يكن حكيما ولا أمينا على العمل الذي أقيم عليه . والمثل الثاني هو مثل " العذارى العاقلات والعذارى الجاهلات"، وهو قصة فتيات عشر، خمس منهن حكيمات في استعدادهن لانتظار الرب الذي يفسره زيت آنيتهن، وخمس جاهلات من حيث إن مصابيحهن، التي هي رمز الى نفوسهن، لم تكن مهيأة لاستقبال العريس عندما أتى ودخلت معه المستعدّات الى العرس . لا شكّ أن الزيت هو رمز الى الإيمان والأعمال كما فسّر آباؤنا القديسون ما يُظهره هذا المثل هو أن الزيت شخصيٌّ ولا يمكن استعارتُهُ، وأن النفس التوّاقة الى الرب تُكَوِّنُ طاعتُها لكلمته المحيية شوقها إليه . ويُعلّم هذا المثل مع "مثل الوزنات" الذي يتبعه أن الرب سَيَدِينُ الناس على أساس حكمته الأزلية التي كُشِفت في ابنه يسوع، وليس على أساس ظنونهم وتبريراتهم، ويذكّرنا بأن لا نبرّر نحن أنفسنا، فالحكيم هو مَن صدّق خبر الرب وبنى حياته عليه وانتظر، بتيقّظٍ، ما سوف يُكشَف في اليوم الاخير .
تضع الكنيسة أمامنا في يوم الأربعاء المقدّس (تقام الثلاثاء مساءً) صورة المرأة التي دفقت الطيب على رأس يسوع في بيت عنيا (متى 26: 6-16).الترنيمة الشهيرة التي نرنّمها في صلاة الخَتَن، والتي مطلعُها: "يا ربّ إن المرأة التي سقطت في خطايا كثيرة..."، كتبَتْها، على ما يُعتقد، القديسة كَسْياني، وهي الفتاة التي قبلت أن تُرصف بين زميلات لها تَجَمَّعْنَ لكي يختار الإمبراطور عروسا له منهن ، وعندما وقع اختيارهُ عليها لحسنها الفتّان، تذكّرت عفَّتَها ورغْبتها بأن تبقى عروسا للرب ، فهربت واختبأت في أحد الأديرة، وأعلنت نفسها نظير تلك الزانية لمرورها بهذه التجربة، وتابت بدموع كثيرة، كما تقول الصلاة، وهكذا تيسّر لها، كما قال أبونا البار يوحنا السلّمي في الزانية: "أن تدفع عشقاً بعشق" (المقالة 5: 26) .
تضع الكنيسة أيضا أمامنا في هذا اليوم صورة يهوذا الذي خان معلّمه وباعه "بثلاثين من الفضة" ، لعلّ الربط بينه وبين المرأة الخاطئة أساسه ما أورده يوحنا في إنجيله، لمّا كشف لنا أن هذا "التلميذ العاقّ والمحب الفضة" أطلق احتجاجا عنيفا على ما أظهرته المرأة من كَرَمٍ على يسوع (12: 1-8).
يرتبط هذا اليوم ارتباطا ظاهرا باليومين الفائتين، صورة يهوذا الذي باع "الذي لا ثَمَنَ له"، تَرِدُ أيضا في صلاة يوم أمس، فنتعلّم أن نصلّي الى الرب: "أن ينقذنا مِن حزبه، ويمنح الغفران للذين يعيّدون لآلامه الطاهرة" . حزب يهوذا رأينا أعضاءه في وجوه الفريسيين والكتبة...، وأمثالُهم لن يتمكّنوا من التعييد لآلام الرب الطاهرة وقيامته، لأن مَن تحكّمت فيه الخطيئة "يَصلب المسيحَ مجدداً"، ولا يعيّد إلا الذي تاب عن زلاّته بصدق كبير.
تُذكّرنا المرأة الخاطئة بيوسف العفيف والعذارى الحكيمات...، وتجعلنا، بتركيز أشد، نفضّل يسوع على كل ما في الوجود: "الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلستُ معكم في كل حين" . واما توبتها العظيمة (أو حبّها الكثير، كما يحلو ليسوع أن يقول) فتردّنا الى موضوعَيْ الأمانة والسهر، وذلك أن يسوع الذي أنت أمين له ومتيقظ لمجيئه، وإن بدا مغلوبا ومُسلَّما للموت، فهو الذي سيأتي في اليوم الاخير ليدين العالم . التوبة التي هي أساسية في هذه الأيام الثلاثة، وفي كل وقت، تعطينا وحدها أن نشترك في فصح الرب وتفتح لنا أبواب الوليمة السرية .
في نهاية الخدمة الصباحية، بعد أن يتلو الكاهن لآخر مرة صلاة القديس أفرام السرياني، تنتهي فترة التهيئة إذ إن الرب يدعونا الى عشائه الاخير .
في مساء اليوم ذاته نقيم صلاة الزيت المقدّس، التي تشاء الكنيسة أن نتمّمها للمرضى في بيوتهم ، هي عزاء يتقبله المؤمنون ليدخلوا بنقاء اكبر في صلوات النصف الثاني من أسبوع الآلام .
يُدخلنا يوم الخميس العظيم في السر الفصحي ؛ تتميّز صلوات هذا اليوم بثلاثة أحداث، هي: عشاء الرب الأخير مع تلاميذه وغسله أرجلهم، وخيانة يهوذا. الحدثان الأولان يكشفان ذروة محبة الرب المخلّصة العالم، بينما خيانة يهوذا تُظهر سرّ الإثم الذي هو انحراف المحبة وتشويهها نحو شيء لا يستحق المحبة. سرُّ الإثم هذا هو الذي دفع المسيح الى الصليب .

إحدى ترانيم صلاة السَحَر -التي تحجبها صلاة تقديس الزيت- توجز معنى طقوس هذا اليوم، تقول الترنيمة: "لنتقدّم جميعنا بخوف الى المائدة السرية ونتقبل الخبز المقدّس بنفوس طاهرة ونمكث مع السيد، لكي نعاين كيف يغسل أقدام التلاميذ وينشّفها بالمنديل فنقتدي به...، لأن المسيح نفسه هكذا أمر تلاميذه وصار قدوة لهم، إلا أن يهوذا ذاك العبدَ الغاشّ، أبى أن يسمع وأمسى عادم التقويم" . تدعونا هذه الترنيمة الى أن نتقدم الى المائدة السرية حيث يكمن سر العلّيّة التي اختار الرب أن يصنع الفصح فيها، ليؤسّس مذاق الحياة الأبدية، غير أن العشاء السري هو عربون الآلام أيضا، وذلك أن الفصح في العلية كان يستدعي ذَبْح الحَمَل الذي هو المسيح على الصليب . في هذا اليوم قدّم يسوع جسده ودمه كذبيحة كان قد التزم أمام أبيه أن يتمّمها فدخل معنويا في آلامه .
تكشف ترانيم هذا اليوم كيف يختلط النور والظلام، والفرح والحزن...، هذا الاختلاط يُظهر أن ساعة اكتمال المحبة هي أيضا ساعة اكتمال الخيانة . يقول الإنجيلي يوحنا انه عندما كان التلاميذ مجتمعين في العلّيّة ترك يهوذا النورَ وذهب "وكان ليلا" (13: 30)، ذلك انه أراد أن يُظهر كيف أن الظلمة تحكّمت فيه واحتلت كيانه فانحرف عن محبة خالقه وغرق في محبة العالم التي "الثلاثون من الفضة" صورة عنه .
كان يوحنا قبل هذا قد أظهر خيانة التلميذ واستسلامَهُ للشيطان قبل أن يخرج من العليّة، إذ أورد قول السيد: "إن واحدا منكم سيُسلمني... هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأُعطيه . فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الإسخريوطي، فبعد اللقمة دخله الشيطان" (13: 18-27). غير أن محبة الله، كما يقول الأب ليف جيلِه، لا تختفي من الحدث، وذلك أن الإنجيلي يوحي أن الرسل ظنّوا أن يسوع كان قد كلّف يهوذا بشراء بعض الأشياء أو بإعطاء بعض النقود للفقراء ليقيموا العيد . لكن الحقيقة التي لم يتوقّعها أحد هي أن السيد أرسل يهوذا لشراء حَمَلِ الله الفصحيّ بثلاثين من الفضة. هذا الكَرَمُ، الذي أظهره يسوع في قبوله أن يكون "الضحية السرية" التي ترفع خطايا العالم، يفوق، بما لا يقاس، حجم مغريات العالم وخياناته كلها .
طقس غسل أرجل التلاميذ يقيمه عادةً في بعض الكنائس الأسقف أثناء تلاوة الإنجيل الذي يروي الحدث (يغسل أرجل اثني عشر كاهنا)، فيذكّر بمحبة السيد التي هي أساس الحياة الكنسية والتي تطبع كل العلاقات فيها . يوحنا هو الإنجيلي الوحيد الذي تكلّم عن هذا الغسل، ولا يقول شيئا في هذا اليوم عن تأسيس سر الشكر (كان قد تكلّم عنه في الإصحاح السادس من إنجيله). لقد أراد بصورة واعية أن يستبدل ظاهرة الغسل -التي لم تكن طقوس الفصح اليهودي تُفرِد وقتا له- بكسر الخبز، ليعبّر، بطريقة أخرى، عن محبة المسيح المتواضعة وعن موته المزمع أن يتمّه من اجلنا؛ يصوّر يوحنا الطقس بدقة وتفصيل: "خَلَعَ" يسوع ثوبه، ثم "استعاده". الفعلان اليونانيان اللذان نقرأهما هنا يُستعملان ليدلا على موتٍ قَبِلَهُ يسوع طوعا وعلى قيامةٍ عاشها.