الــــــزواج والعـــــائلــــة
لقدس الأرشمندريت أفرام كرياكوس
رئيس دير مار ميخائيل – بقعاتا
ألقيت في كاتدرائية القديس جاورجيوس باللاذقية الخميس 4/3/2004
سيدي ، آبائي ، إخوتي
في هذا الموسم المبارك ، موسم الصوم الأربعيني المقدس يُطْرحُ علينا هذا الموضوع ، موضوع الزواج وهو موضوع قديم جديد والإنسان المؤمن المسيحي يتجدد دائماً بنعمة الروح القدس الإلهي فهو لايحيا فقط في القديم ولا يحيا فقط في الجديد ولكن كما يقول الإنجيل الإنسان الذي يسعى نحو ملكوت السموات يخرج دائماً من جيبه قديماً وجديداً ، موضوع الزواج المطروح كثيراً ، نسميه في الكنيسة سرّاً ، سرّ الزواج المقدس ، نطفي هذه الصفة الاسرارية وصفة التقديس ولا نعتبره نحن المسيحيون مجرد مؤسسة أو إذا شئتم يمكن أن نراعي الآخرين في هذا العالم ونعتبره مؤسسة إلهيه إنسانيه وهذه النقطة مركزية في الحياة الزوجية .
الصفة الاسرارية تأتي كما يشرحها آباؤنا القدسيون فمثلاً القديس كاباسيلاس فهو يقول أن كل سر قناة من خلالها تأتي لعندنا نعمة الله ، فهي تنسكب في قلبنا ولذلك الزواج ليس فقط قراناً بشرياً بل إن يد الله عليه وهذا ما يكشفه لنا الكتاب المقدس منذ البدء فهو يقول في سفر التكوين عندما يتكلم فيقول " لا يحسن أن يكون الانسان وحده فلأصنعنَّ لَهُ عوناً على شبهه " ثم يتابع " وأوقع الرب الإله سباتاً عميقاً على الانسان فنام فأخذ إحدى أضلاعه وأبرأ امرأته فأتى بها الإنسان فقال الإنسان الإنسان هذه عظم من عظامي ولحمٌ من لحمي هذه تسمى امرأة لأنها من امرءٍ أُخذت ولذلك يترك الرجل أباهُ وأمه ويلزم امرأته فيصران جسداً واحداً " هذا ما يقوله سفر التكوين منذ البدء وتعرفون أن هذا الكلام يرد على فم بولس الرسول في رسالة الاكليل المعروفة ولكن ماذا يضيف الرسول بولس في العهد الجديد في رسالته إلى أهل أفسس ، يقول : " إننا أعضاء وجسده ودمه وعظم من عظامه لأجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق امرأته ويكونان الاثنان جسداً واحداً هذا ما يقوله سفر التكوين – ويضيف : " هذا السر العظيم لكن أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة " . إذاً يقارن الرسول هذه العلاقة البشرية التي بدأت منذ القديم ويقارنها بعلاقة المسيح والكنيسة – في هذا الوحي الإلهي إن كان في القديم ( سفر التكوين ) أو في العهد الجديد هناك ميزات هامة ونقاط يمكن لنا استخراجها .
أولاً – في القديم يقول عندما خلق الله الإنسان وهذه مشيئة الله أنه رأى أن لا يحسن أن يظل الإنسان وحده لذلك أبرأ له كائناً معيناً له وهذه هي الصفة الأولى التي تطبع حياة البشر هي صفة الشركة أن لايكون الإنسان وحده – وصفة الشركة أساسية وهي من إيماننا المسيحي الكنسي ومن طبيعة البشر .
الصفة الأخرى الجديدة التي انكشفت في العهد الجديد هي أن هذه العلاقة تكتمل وتجد أوجها في علاقة المسيح والكنيسة .
ما هي هذه العلاقة ؟
المسيح هو الذي بذل نفسه وأعطى دمه لأجل كنيسته العروس هذا الطابع طابع التضحية هو طابع مميز وضروري في الزواج المسيحي .
الرجل كما يأتي في الكتاب يلتصق بامرأته وقد قال الرجل عندما نظر إلى امرأته قال إنها عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي وتعرفون أن الله كما ورد في التكوين وذكرناه سابقاً أخذ ضلعاً من جنب الرجل وأبرأ منه امرأه وهذه العبارة هي جيدة جداً والرسول بولس في رسالة الاكليل يعود ويذكرها وإنما بطريقة مختلفة قليلاً عندما يقول لأننا – ولا يقول لأن المرأة – نحن أعضاء جسده ولحمة ومن عظامه فبهذه المقارنة يريد دائماً أن يصور القرآن الزوجي بقران المسيح بالكنيسة والكنيسة هي من عظام المسيح ولحمه ونحن أضاء في جسده ومن لحمه وهنا الضمير يعود إلى المسيح – نحن من عظم المسيح ودمه وهذا لا يتفسر إلا في سر الافخارستيا عندما يتناول المؤمن جسد الرب ودمه ويصبح عضواً من جسد المسيح الحي فالالتصاق بين الرجل والمرأة هو من رمز – إذا أردتم – بالالتصاق بين الانسان المسيحي والمسيح وهذا ما يميز الزواج المسيحي فلا يمكن للانسان المسيحي أن يقتصر – إن كان رجلاً أو امرأة – على القران الجسدي ولو أن الانسجام الجسدي له أهميته لا بد أن يكون في هذه العلاقة بين الرجل والمرأة ، طابع روحي فإذا أخرجنا هذا الطابع الروحي يصبح الزواج مجرد عقد بشري ويتعرض عند ذلك للأخطار وتعرفون اليوم وخصوصاً في الأجيال الجديدة كم أن هذا القران الجسدي يأخذ أهمية ويكون هو سلعة يستخدمها الإعلام ويؤدي إلى أخطار وفساد كثيرين ونحن نتمسك بهذا المصدر الإلهي للزواج .
لايمكن أن تعالج أية صعوبة في العلاقة بين الرجل والمرأة فقط بحلولٍ بشرية وحتى بنصائح أخلاقية أو بتوجيهات نفسية ولو أن العلم الحديث يستطيع أن يساعدنا إلى حد بعيد ولكن يبقى الطابع الروحي ، الإلهي فلا بد أن يتوفر بين الطرفين حتى يستطيع أن يستمر هذا الحب ، هذا السر ، إلى الأبد ومن هنا استنتاج مهم جداً في عصرنا الزواج هو زواج ناجح إذا كانت عند الطرفين تربية مسيحية ناجحة لايمكن حتى ولو تعرض الشاب أو الفتاة قبل الزواج أو بعده لكل الأخطار الحالية إذا كان عندهم أساس روحي وهذا الأساس الروحي هو العنصر المهم الذي يمكن أن ينقذهم وقت التجارب حتى ولو خطأوا .
بسبب ضعف الانسان الحالي سوف يعودون إلى هذه العلاقة الأصلية المستندة – كما قلنا – على إيماننا وماذا يقول بالنسبة للزواج ؟
الرسالة تساعدنا للفهم وخدمة الإكليل تساعدنا لكي نعرف جوهر هذا السر أتعرفون من أين تأتي كلمة اكليل ولماذا يطوف العروسان بعد التكريس ثلاث مرات ويرتلون طروبارية الشهداء فيتسائل من يسمع هذه الطروبارية لماذا يذكرون الشهداء القديسين لأن العروسين في الزواج يصيرون شهداء المسيح وهذا هو المعنى الأساسي للزواج .
اليوم الإنسان المؤمن الذي يتزوج يطلب من الكاهن أن يعطيه نصائح وإرشادات أخلاقية بشرية ، وعليه أن يقول له أولاً أن هذه الخطوة في الارتباط مع شخص آخر تطلب منك أن تكون شهيداً للمسيح في زواجك .
لذلك قال أحد الآباء المعاصرين ، إن الإنسان في الزواج هو إنسان افخارستي – شكري – وهو إنسان مضح ويملك الشكر والفرح .
الفرح الكامل هو في المسيح وفيه طابع التضحية الذي هو عند الشهداء القديسين هذا ما أستطيع أن أقوله لكن في هذه الأمسية وأرجو ونرجو أن لا تكون في الكنيسة علاقة شكلية فلا نريد أن يكون الزواج شكلياً لأنه يتعرض لمخاطر هذا العصر ولذلك لابد من توعية .
نحن نتمسك بما يعلمنا إياه الآباء لأن الآباء تكلموا بالروح القدس وهو الذي يوحي لكل إنسان مصلّ صوّام بما عليه أن يعمل في كل عصر وفي كل مكان ونحن لسنا عبيداً لتيارات العصر ونحن نستخدم كل وسائل العصر وحتى طابع العصر اليوم ولو كان هو حرية الفلتان نستطيع إن كنا مؤمنين أن نسخرها لإيماننا – الموسم موسم صوم أي موسم إمساك وعفة وفي العائلة يجد الإنسان أهمية الزواج كما أنه في الصوم عن الأطعمة يجد لذة الطعام .
ومن هنا نعود إلى ما قاله القديس يوحنا السلمي – الذي نعيد له في الأحد الرابع من الصوم الذي نحن فيه الآن . في كتابه الشهير السلَّم إلى الله يقول جملةً تقصر كلمة جميلة عن إيفاءها حقَّها وهي احل لكل مشاكل الزواج ، يقول : إن عشق الله غلب عشق الجسد فإن لم يكن هناك جب الله لا يستطيع الإنسان أن يتغلب على شهواته .
الإنسان المؤمن الذين تربى على محبة الله لا يمكن أن يسقط في أسر شهواته كما يقول بولس الرسول – وهذه الجملة نسمعها كثيراً في الصوم – كل شيء يحق لنا ولكن ليس كل شيء يوافق ويضيف : كل شيء يحق لنا ولكن لا يتسلط علينا أي شيء ، لذلك نحن لنا رجاء لكل من تربى في الكنيسة وذاق حلاوة الرب وحلاوة محبة الإخوة أنه إن تزوج يحافظ على هذه العلاقة المقدسة – على نعمة الله فيه ولا يضيع مهما فعل وأينما ذهب ، نحن نؤمن أن الزواج يبقى مع الله وهو كما يقولون مدرسة ، طريق للحب حتى يذوق الإنسان محبة الله وكما أسماه أحد الكتاب المعاصرين هو سر الحب ، سر الزواج مع الرب يسوع المسيح هو هذا السر سر محبة الله التي لا تنتهي ولا تزول أبداً ، آمين .
المناقشة :
السؤال الأول : المتقدم للكهنوت هل ينصح بالزواج أم لا ولماذا ؟
إن تقليد الكنيسة يقول إن الإنسان الذي يريد أن يخدم الكنيسة في العالم ينصح بأن يكون متزوجاً وخصوصاً في هذا العصر ويكون متزوجاً بامرأة مؤمنة ملتزمة معه ، طبعاً هناك استثناءات وهذه الاستثناءات يستطيع الأسقف يتميزه أن يباركها والقاعدة هي أن على المتقدم للكهنوت إن كان متزوجاً أو غير متزوج أن يكون هذا اللهب ، يهيب محبة الله في قلبه وهو ما يستطيع أن يساعده في رعايته .
2- إن الصلاة والصوم كثيران في اللاذقية ولكننا لا نتغير من الداخل أبداً فما هو السبب ؟
الصلاة والصوم في الكنيسة هي وسائل وليست هدفاً وفي الكنيسة المسيحية تعلمون أن الصلوات والأصوام لا تفرض فرضاً ، فالغاية هي أن نتقرب من الله كما يقول القديس باسيليوس أن الصوم هو الذي يساعدنا لكي نتقرب من الله فإذا كان المؤمن واعياً لهذا الأمر في صلاته أو في صومه فعند ذلك يقطف ثمار أتعابه فالأتعاب ليست الهدف تجد ذاته بل هي وسيلة حتى يتنقى الفكر والقلب ولأجل ذلك وخلال الصوم نعترف فلا بد أن يعترف الإنسان بخطاياه ولو مرّه خلال الصوم ولا بد أيضاً أن يتطلع نحو الآخرين ويفكر بأعمال الرحمة فلا يبقى الصوم والصلاة مجرد عمل شكلي .
- هناك موضوع مهم ، حتى لا نطيل الحديث عن الزواج وعن رسالة الإكليل بالذات ، فيما يخص خضوع النساء لرجالهن وبمحبة الرجال للنساء ولكن يبدو حسب المفسرين الكثيرين أن الله منذ البدء وحتى من التكوين لم يتوجه لآدم أو للإنسان الأول رجل بل كإنسان وهذا ما وضحه 4ولس الرسول رغم قوله بأنه على المرأة أن تخضع وأن على الرجل أن يجب ولكن كلاهما واحد في المسيح ) ولكن بعض الآباء يفسرون رسالة بولس على أنها تكشف هذا القانون أي هذه المبادلة بين الطاعة والمحبة ، الرجل والمرأة ، المسيح والكنيسة ، الذي يطيع الآخر إن كان رجلاً أو امرأة فهو يحصد محبة الآخر ، بدل الآخر وهذا ما يختبره الإنسان بنفسه .
3- التدريب قبل الزواج هل هو مهم ؟
لقد حاولت أن أجيب على هذه المرحلة فلا بد الآن أن نعمل كما في الغرب وحتى إذا دخلت ولكن بخجول إلى بلادنا ، أن ينظموا دروساً للخطّاب قبل الزواج ، ما حاولت أن أقوله هو أن في هذه المرحلة التي لا تقتصر على مرحلة التهيئة قبل الزواج ولكن من التربية الأساسية أن يكون روح الله في هذه العلاقة .
فإذا لم يوجد روح الله لا توجد أمانة خاصة كما يورد السؤال هنا أمام المخاطر الموجودة اليوم في كل العالم ولكن إذا كان هناك روح الله وإذا عرف الكاهن أن يغذي هذا الروح بين الفريقين ، عندئذٍ يستطيع أن يكون هناك ضمانة ( قاعدة ، مقياس ) للاستمرار .
4- ما رأي الكنيسة في الزواج من طائفة أخرى أو من دين آخر .
طبعاً الكنيسة – وخصوصاً في بلادنا – لا تحبذ مثل هذا الزواج لأسباب عدّة و أهمها لأن هذا الزواج غالباً حسب الإحصاءات لا يستمر كثيراً ولن يكون ناجحاً تماماً ونعرف في عالمنا اليوم استثناءات ولكن هذه الاستثناءات تتعرض للمخاطر ، هذا من جهة الأديان الأخرى أما من الطوائف الأخرى فهناك صعوبات عملية إذا استطاع الإثنان أن يتخطيا هذه الصعوبات العملية وخصوصاً إذا كان أحد الفرقاء ( الرجل أو المرأة ) ملتزمين في كنيسته وعند ذلك هذه الصعوبات لابد أن يحاولا أن يتخطياها ولذلك هنا أيضاً يحبذ أن يقترن الرجل مع امرأة من كنيسته طبعاً وفي النهاية هناك احترام كبير لمشيئة الله فالكاهن يمكن له إذ يميز إن كان في تلك الحالة الاستثنائية مشيئة لله .
س4- ماذا تقول للفتاة التي تترك دينها وتتزوج من غير طائفة ( تقريباً نفس السؤال السابق )
نحن من واجباتنا أن ننبهها للمخاطر الكبيرة ، واجب الكنيسة أن توضح لها كذلك نفس الشيء للشاب .
وهنا التركيز لا يكون فقط على الصعوبات البشرية والاجتماعية ولكن أيضاً على الصعوبات الروحية فهي تتعرض في هذا الزواج إن كانت الفتاة أو الشاب إلى فقدان إيمانها.
ونحن ندرك ونؤمن أية إذا فقد الإنسان إيمانه فقد حياته ، ماذا نفع أن نؤمن معيشتنا إذا كان القلب لا يملك تغزيه في النهاية .
هذا العشق الجسدي الذي يرافق الشاب والفتاة في البداية لايدوم كثيراً فهو عابر وليس باقٍ .
فإذا لم يوجد وصال داخلي بينهما لايوجد الكثير .
س5- لا يحسن أن يكون الإنسان وحده فإذا لم يجد الإنسان شخصاً يستطيع الارتباط به ولم يجد نفسه في طريق الرهبنة ماذا يعمل . ؟
أنا أعتقد أن الإنسان المؤمن الصادق والنشيط غير الكسول الله لايدعه إن تزوج أو لم يتزوج صار راهباً أو لم يصر راهباً ولو بقي وحده سيجد تعزية من الله ، فالتعزية الإلهية تعوض ، فهي ليست فقط تعوض بل تفوق التعزية البشرية طبعاً الكنيسة تنصح أن يتزوج أو يترهب ولكن الله هو الباقي هو التعزية كذلك لا يجب على الإنسان أن يخاف مهما كان مصيره ونحن نعرف الوضع الذي يتعرض فيه المتزوجون للخلاف أو الطلاق أو ربما يسمح الله أن يفقد الرجل امرأته أو المرأة رجلها .
س6- دقيق وهام
في حال زواج الفتاة أو الشاب بشخص من دين آخر مع الاحتفاظ بمسيحيته هل يحق له المناولة وهل هناك شروط لذلك ؟
هناك في الكنيسة ، ويعملون سيدنا والآباء في شيء يسمونه الحكم بحسب الدقة ، أي بتدقيق الأمور وهناك الحكم بحسب التدبير ، بحسب الدقة مجرد وأن يقترن الإنسان مع شخص آخر من غير دينه يفقد عضويته في الكنيسة ، فلا يحق له أن يشترك في الأسرار.
اليوم بسبب الاختلاط الكبير الحاصل يستخدم الآباء التدبير ونرجع للحالات الاستثنائية والمرأة خصوصاً بقيت على إيمانها ونتمسك به وبخصوصيتها . عند ذلك يستخدمون التدبير ويسمحون لها بالاشتراك في الأسرار الطاهرة غير الدموية.
آميـــن
الأرشمندريت أفرام كرياكوس
المفضلات