الكونفوشية
وسيم نعمة


مقدمة:
لقد تميزت الصين عن غيرها من بلاد الشرق الأقصى من الناحية الدينية، حتى عن البلاد المجاورة لها مثل الهند اليابان، فطالما بقي الشعب الصيني في عزلة عن العالم.هذه العزلة تركت أثراً في تكوين شعورٍ وحس قوميّ بارز عند هذا الشعب الذي كان ذا طبع عملي قليل المبالاة، فخوراً بتاريخه الاجتماعي والقومي.
وفي نظرة دينية إلى تلك البلاد نجد انتشار عدة أديان منها الكونفوشيّة والبوذيّة والطاويّة، وهي أديان متداخلة ومتلازمة فيما بينها حتى أنه من الممكن للإنسان الصيني أن يكون كنفوشياً وبوذياً وطاوياً في وقت واحد.
وقد أحببت أن أكتشف جزءاً من الستار الملقى على هذه الديانات الغربية بالنسبة للكثيرين منّا، وأبتدأ الآن بتسليط الضوء على الكونفوشية على أمل أن أتناول في مرات أخرى سواها. وسأتكلم أيضاً عن كونفوشيوس مؤسس هذه الديانة والذي ما يزال يحظى باحترام وتقدير الغالبية العظمى من الشعب الصيني حتى اليوم.
من هو كونفوشيوس؟
يُعتبر كونفوشيوس مثالاً لكل الشعب الصيني في الحكمة والعلم والأخلاق، فهو المعلم الأول لهم. ولد كونفوشيوس سنة 551 ق.م ، توفي أبوه في سن مبكّرة مما جعل ظروف العائلة صعبة، فقد بقيت الأم وحيدة تدّبر أمورها وأمور ابنها وكان همها الوحيد هو أن تؤمن مستوى علمياً لائقاً له. وهكذا انصرف كونفوشيوس منذ صغره إلى الدرس والبحث، واهتم بدراسة آداب القدماء والتاريخ الصيني القديم، وأيضاً درس الموسيقى والشعر.
عندما بلغ أشدّه تعين في وظيفة حكومية كجابي ضرائب عند حاكم إحدى المقاطعات الصينية، وفي تلك الفترة بدأ بتأسيس وتكوين أفكاره وفلسفته، وهكذا إلى أن ترك كونفوشيوس وظيفته الحكومية وتفرّغ للتدريس والتعليم وكان له عدد من التلاميذ البارزين، وانتشر صيته في البلاد كلها حتى أن أهمّ عائلات المقاطعة كانت ترسل أولادها إليه.
وكان حادث وفاة أمه نقطة أساسية في حياته حيث بقي لفترة ثلاث سنوات يندبها ويقضي أوقاتاً طويلة بجانب قبرها يتأمل في الحياة والموت.
استمرت شهرته بالاتساع حتى وصلت إلى الحاكم الذي دعاه ليعمل عنده وتولى عدة مناصب وتدّرج فيها من رئيس قضاة إلى أن أصبح مستشاراً للحاكم أي بمثابة رئيس للوزراء، ويقال أنه كان ناجحاً جداً في المناصب التي شغلها وأنه ترك أثراً في البلاد، لكن حساده ومنافسيه أوقعوا بينه وبين الحاكم فترك كونفوشيوس الحكومة وانصرف ثانية إلى التعليم، وجمع محاضراته إضافة إلى غيرها من الكتب في التاريخ والشعر قبل أن يتوفى سنة 479 ق.م.
مبادئ الكونفوشية وأفكارها:
لا تقوم الكونفوشية على الروحانية أو القوى الخارقة للطبيعة وإنما تتوجه إلى عقل الإنسان، لذلك هي نفَتْ الميتافيزياء كلّها، أما المبدأ الكبير للمنطق الكونفوشي فهو: "أن ما نعرفه يحب أن نعرف أننا نعرفه، وما لا نعرفه يجب أن نعرف أننا لا نعرفه، إن المعرفة هي هذا تماماً"، وبما أننا لا نعرف شيئاً حول ما وراء الطبيعة لأننا "إذ كنا لا نعرف شيئاً عن الحياة، فكيف لنا أن نعرف شيئاً عن الموت؟" لذلك من الأفضل لنا ألا نحلّ مشكلات معقدة مثل أن نعرف ما إذا كان الموتى سيستمرون أحياء بعد موتهم أم لا.
وقد اهتم كونفوشيوس بجوهر الأمور أكثر من اهتمامه بالخارجيات، كما أنه رفض عبادة القوى الغيبية والغير منظورة ومن أقواله: "لم نقدر حتى الآن أن نؤدي واجباتنا نحو الإنسان على التفكير والتعبير، وعلى إيجاد أخلاق تقود الإنسان إلى السعادة.
ومع أن الكونفوشية لم تكن ديناّ إلا أنها استطاعت أن تؤدي جميع الوظائف التي يمكن أن يؤديها الدين. والبعض يعتبر كونفوشيوس وأتباعه هم رجال دين مع أن تعاليمهم لم تذكر السماء والطقوس والآلهة وذلك لأنهم كانوا يرون أنها ليست من جوهر الدين، فقد كان كونفوشيوس أول معلم لا يعتمد تعليمه على كائن علوي أو على أية قوى غير منظورة، بل الإنسان يصل إلى السعادة عن طريق ذاته.
عبادة الأسلاف:
ينطلق كونفوشيوس في تعاليمه الأخلاقية من فكرتين أساسيتين هما أن المجتمع الصيني في تلك الفترة كان مجتمعاً فاسداً، والثانية أنه من الممكن إصلاح الفساد.
فالإنسان بطبيعته قادر على الاختيار بين الخير والشر، ويقول كونفوشيوس أن الإنسان يختار طريق الشر عندما يحيد عن طريق الأجداد والأسلاف القدماء، لذلك كانت القاعدة الأولى في الأخلاق هي احترام الأجداد وحفظ ذكراهم. وهذا شيء معروف عند الشعب الصيني بما يسمى "عبادة الأسلاف" التي مازالت شائعة حتى العصر الحاضر، حيث لا يمكن للإنسان الصيني أن يمس عبادة الأسلاف بسوء، وإنما على الأبناء أن يقدموا الطاعة الكاملة لآبائهم وأجدادهم وأن يقدموا نفسهم ضحية لذلك إن اقتضى الأمر. وفي هذه الحالة يحق للأب أن يفعل ما يريد بابنه "حتى القتل" ولا يعتبر متطرفاً في ذلك، أما قتل الابن لأبيه فهذه جريمة فظيعة تُعاقب بأشد العقوبات
وقد بالغ الصينيون في علاقة الحنان الواجبة على الأبناء تجاه أهلهم، وقد شجعت الكونفوشية بعض نماذج هذا الحنان، ونذكر مثالاً قصة الفتى ذي البشرة الحساسة والذي ينام بلا "ناموسيّة" لكي يشدّ إليه كل الناموس، ويضمن بهذا نوماً هادئاً لأهله.
هذا هو المبدأ الذي يجب أن يكون مقياساً لجميع العلاقات في المجتمع، ويحدد الصينيون هذه العلاقات بخمس أساسيات هي: علاقة الحاكم والمحكوم، علاقة الأب والابن، علاقة الزوج والزوجة، علاقة الأخ الأكبر وأخيه الأصغر، علاقة الصديق وصديقه. هذا هو مبدأ المبادلة أو التبادل الذي يقال أنه يلخص تعاليم كونفوشيوس كلها، وقد عبر كونفوشيوس نفسه عن هذا المبدأ بجملته المعروفة: "ما لا تريد أن يفعله الناس بك، لا تفعله أنت بالآخرين". وهكذا وصل كونفوشيوس إلى أهم المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها المسيحية، لكنه لم يتوسع في شرح هذا المبدأ، كما أنه لم يؤمن بما قالت به الطاوية من مقابلة الشر بالخير، وإنما قال بمقابلة الشر بالعدل، لأنه إن قابلنا الشر بالخير فبماذا نقابل الخير؟ وهنا يعجز كونفوشيوس عن الوصول إلى سمو المسيحية.
الفلسفة السياسية:
ينطلق كونفوشيوس من علاقة الفرد بأهله وأسرته ليضعها أساساً لفلسفته السياسية، ويقول أن تنظيم الدولة هو من تنظيم العائلة، ولئن كان كل فرد في المجتمع اتجاه ملكه وحاكمه هو كالابن بالنسبة للأب، فعلى الملك إذاً أن يتصرف تجاهه كالأب، حيث عليه أن يضمن السلام السعادة والتعليم لشعبه. فإذا انتظمت العائلة يستطيع الملك أن يحكم حكماً صالحاً، هكذا يعم السلام والسعادة.
فهو إذاً لا يشدد على القانون كشرط للحياة الفاضلة، وإنما على المحبة إن أمكن القول. فالحاكم يجب أن يبني نفسه كي يبني مواطنيه، وهذا يتم عبر الأخلاق، فالشعور الخلقي موجود عند كل إنسان بالفطرة، وهذا ما يدفعه إلى معرفة القانون. وهكذا عندما يعرف كل فرد عمله ووظيفته ويؤديها بشكل صحيح، فيكون الحاكم حاكماً، والأب أباً والابن ابناً… عندها يتحقق المجتمع الفاضل.
الكونفوشية تاريخياً:
لم يقبل كل الحكام والأباطرة الصينيين تعاليم كونفوشيوس وتلاميذه عن ضرورة صلاح الحكام وعن واجب عبادة وتكريم الأجداد والأسلاف. فقد حكم الصين حوالي العام 230 ق.م إمبراطور اسمه "تشين هونج تي" وهذا كان رجلاً قوياً استطاع أن يوسّع البلاد ويضم الدويلات المجاورة ويوحّد الصين تحت حكمه، وسمى نفسه "الإمبراطور الأول" محاولة منه أن يُنسي الشعب الصيني الحكام الذي سبقوه. وعندما عارض تلاميذ كونفوشيوس هذه الأفكار أمر الإامبراطور بحرق كل الكتب الحكمية، وهكذا أُحرقت الكتب ماعدا شيئاً يسيراً منها استطاع الناس إخفاءها، كما أنه أعدم العديد من العلماء والحكماء الذين سبقوه. لكن بعد انتهاء حكم هذا الإمبراطور عادت الصين إلى الازدهار والنشاط العلمي. وفي عام 194 ق.م زار الإمبراطور وقتها قبر كونفوشيوس، وقد كانت الحياة السياسية الصينية آنذاك متأثرة بالكونفوشيّة حيث اعتبرت تعاليمها الأفكار الرسمية للدولة في عهد الإمبراطور "ووتي" (141 ـ87 ق.م)، وأيضاً في عام (72م) تمّ تكريم العديد من أتباع الكونفوشية وقويت أكثر في سنة 630 م عندما أمر الإمبراطور بأن يُقام تمثال لكونفوشيوس في كل دائرة رسمية. وفي عام 665م لُقب كونفوشيوس " بأنبل الأساتذة" تم أخذ لقب "ملك" ثم لقب "أقدم القديسين" في عام 1013.
لكن هذا الاهتمام بالكونفوشية بدأ بالتناقص منذ عام 1530 حين عادت الهياكل إلى بساطتها. وفشل الساعون إلى أن تكون الكونفوشية الدين الرسمي في الصين بعد أن تأسست الإمبراطورية في 1911 ومُنحت الحرية الدينية للجميع. في العام 1937 أقامت الحكومة الصينية هيكلاً ليس مكرساً لدينٍ معيّن، وإنما وضعت فوقه حِكمة لكونفوشيوس. وختاماًً تلقت الكونفوشية ضربة قوية من الشيوعية التي لم تعجبها أفكار كونفوشيوس عن الأنظمة الملكية وعن القيم القديمة، لكن الحكم الصيني بدأ يستعيد مكانته في الفترة الأخيرة مع السياسة والنظرة المنفتحة.
وهكذا نجد كيف أن الكونفوشية بتعاليمها وأفكارها استطاعت أن تحظى بإعجاب واهتمام غالبية الشعب الصيني، حيث أن كونفوشيوس كان يلقيها ببساطة حتى يفهمها الجميع، وكيف استطاعت بسبب انتشارها وقوتها أن تصل إلى البلاد المجاورة للصين مثل اليابان. وبما أن كونفوشيوس لم يقل للناس شيئاً عن الله والسماء إلا أنه قال لهم الكثير عما يجب أن يفعلوه ليعيشوا حياة صالحة سعيدة، لهذا فالكونفوشية لم تروِ عطش الكثيرين إلى الكمال ولم تُجبهم على توقهم وأسئلتهم اللامحدودة عن الخلود والحياة الأبدية، فهم مازالوا يبحثون إلى الآن عن شيء يجيبهم ويروي عطشهم. وأما نحن يبقى لنا أن نقول: ربنا أعطهم «الحياة الأبدية التي هي أن يعرفوك أنت وحدك الإله الحقيقي ويسوع المسيح الذي أرسلته» (يو 17: 3).



النشرة العدد الثالث و الرابع 2002