المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام
د. أسعد قطان
لم تكن المسيحية غريبةً عن الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. فالنصوص القرآنية تذكر يسوع المسيح تحت اسم عيسى بن مريم معتبرةً إياه أحد أهم الأنبياء ومعترفةً بولادته البتوليّة من العذراء مريم (سورة آل عمران 47) وبصنعه العجائب كإقامة الموتى وشفاء البرص (سورة آل عمران 49). فضلاً عن ذلك، ينسب القرآن الكريم إلى يسوع أعاجيب لم تُذكر إلا في بعض الأناجيل المنحولة، أي تلك التي لم تعترف الكنيسة بها، كالتكلم في المهد وخلق طيور من الطين. ويتفرّد القرآن بذكر المائدة التي أنزلها عيسى بأمر الله من السماء (سورة المائدة 114)، وقد رأى فيها بعض معلميّ المسيحية صورةً عن سر الشكر. وتدعو النصوص القرآنية مسيحيي الجزيرة العربية «†††††» وتعتبرهم من أهل الكتاب لأن الله علّم عيسى «الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل» (سورة آل عمران 48)، وهو جاعل الذين تبعوه «فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة» (سورة آل عمران 55). ورغم أن القرآن الكريم ينتقد في بعض المواضع انحرافات أهل الكتاب عمّا علّمه الأنبياء، إلا أنّه يعتبر ال††††† «أقرب الناس مودّةً إلى الذين آمنوا» برسالة محمد «ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وهم لا يستكبرون» (المائدة 82). ويضمّ كتاب المسلمين آياتٍ جليلةً في تقريظ حياة الرهبان وما يرفعونه من صلواتٍ طوال النهار: «في بيوت أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه يُسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب» (سورة النور 36ـ38).
الحقّ أنّنا نجهل من كان أوّل عربيّ اعتنق الإسلام. غير أن كتاب أعمال الرسل يذكر أن عرباً كانوا بين الذين شهدوا، يوم العنصرة، حلول الروح القدس على تلاميذ يسوع (أع2: 11). والمعروف، فضلاً عن ذلك، أنّ الرسول بولس قضى ردحاً طويلاً من الزمن في محافظة العربيّة الرومانية (غلا1: 17) المتاخمة لمدينة دمشق. من جهة أخرى، يخبرنا القديس إيرونيموس (347ـ419) أن كثيراً من القبائل البدوية في الجزيرة العربية كانت تجلّ إنساناً يدعى هيلاريون الناسك وأنّه هو الذي قام بتنصيرها. ويذكر الأسقف إفسافيوس القيصري، الذي وضع في القرن الرابع كتاباً في التاريخ الكنسيّ، المدعو بيريلوس بوصفه أسقفاً على العرب في القرن الثالث في بصرى، عاصمة محافظة العربية. والثابت كذلك أن خمسة أساقفة مثّلوا محافظة العربية في المجمع المسكوني الثاني (381)، فيما شارك سبعة عشر أسقفاً عربياً في المجمع المسكوني الرابع (451). وقد مارس القدّيس سمعان العمودي، في القرن الخامس، دوراً مهماً في تنصير العرب الآتين من بلاد ما بين النهرين. أما القبيلة المسيحية الأكثر شهرةً في بلاد الشام فكانت بني غسّان، وقد سكنت في القرن الخامس محافظة العربية. في القرن السادس تحالف الغساسنة مع الروم البيزنطيين ضد الفرس ومكّنوهم من دخول العراق.
غير أن المسيحية العربية لم تكن منتشرةً على حدود الجزيرة العربية مع بلاد الشام فحسب، بل كان اليمن الواقع جنوبي غربي الجزيرة، ولا سيّما مدينة نجران المهمّة، أحد أبرز مراكز ال†††††††. تختلف الروايات حول زمن دخول المسيحية إلى اليمن وكيفية هذا الدخول، إذ فيما تعيد بعض الروايات تنصّر نجران إلى تاجر مسيحي يُدعى حيّان أو حنّان، تورد آيات أخرى أن اعتناق أهل نجران المسيحية تمّ على يد رجل من الشام يُدعى فيمون. يُرجّح المؤرّخون أن تسرّب المسيحية إلى اليمن تمّ في القرن الرابع، بيد أن ساعد المسيحية هناك لم يشتدّ إلا في القرن الخامس. ولعل هذا هو ما دفع الملك اليهوديّ المعروف بذي نوّاس إلى شن اضطهاد واسع ضد المسيحيين (523ـ 524) في اليمن استشهد بنتيجته القديس الحارث بن كعب ورفقته. وقد عرفت مسيحية اليمن بعد هذا الاضطهاد انتعاشاً لافتاً سببه ولاية سكّان الحبشة المسيحيين على اليمن (525ـ 575). وقد سعى الحبش إلى نشر المسيحية في المنطقة المذكورة وبنوا كنيسة كبيرة في صنعاء هي التي عرفها العرب باسم القلّيس (من كلمة «إكليسيا» اليونانية، وتعني كنيسة) فذكروها في تواريخهم ووصفوها في كتبهم. قبل ظهور الإسلام مباشرة، حكم الفرس اليمن ويبدو أنّهم تسامحوا مع المسيحيين هناك، يدل على ذلك استمرار حركة بناء الكنائس.
كان للمسيحية أيضاً حضور في الأطراف الشرقية للجزيرة العربية. ويرجّح المؤرخون، في هذا الصدد، أن تكون المسيحية دخلت شرق بلاد العرب من العراق بفضل الكنيسة التي كانت تدعو نفسها كنيسة المشرق، وقد عرفت خطأً بالكنيسة النسطورية. وقد انتشرت الأسقفيات المسيحية على طول الساحل الشرقي العربي من مصب الفرات إلى عمان مروراً بالبحرين وقطر، وأدّى هذا الانتشار إلى تنصّر بعض بطون القبائل العربية هناك. غير أنّ المؤرخين العرب يشيرون أيضاً إلى وجود اليهود والمجوس في تلك المنطقة، مما يعني أن المسيحية، رغم تغلغلها في القبائل العربية الضارية شرق الجزيرة، لم تكن الدين الوحيد في تلك البقعة.
أما في وسط الجزيرة العربية، ولا سيما في الحجاز، فلقد كان الحضور المسيحي أكثر ندرةً. ولعل أحد أسباب عدم تمكّن المسيحية من الانتشار الكثيف في هذه المنطقة وجود جالية يهودية ثرية متمسكة بتقاليدها ودينها في مدن الحجاز الكبرى مثل يثرب وخيبر والطائف. لكن الحجاز لم يخلُ من المسيحيين. فالمعروف عن ورقة بن نوفل، قريب خديجة، أولى زوجات محمد، وأحد أول من اعترفوا بنبوّة الأخير، أنّه كان على ال†††††††. ويشير حسان بن ثابت في قصيدةٍ يؤبّن فيها رسول الإسلام إلى ††††† يثرب. واللافت أيضاً انتشار عدد من الرهبان والأديرة والمناسك في محيط المدن الكبرى وعلى طول الطريق التجاري المؤدي من الحجاز إلى الشام. والأكيد أن نبي المسلمين احتك مباشرةً بالمسيحية في الجزيرة العربية، ولا سيّما خلال أسفاره. وقد انعكس هذا إلى حد كبير في النصوص القرآنية كما أشرنا آنفاً.
النشرة العددين الأول والثاني 2004

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات