دعوة للحرية
قبلات العدو
![]()
عندما تدرك النفس البعيدة عن الله سوء حالها، وأن نجاتها من الهلاك هي أن تنفلت هاربة من دائرة الموت، وتسلِّم حياتها إلى مَن فداها بدمه، وتتبعه إلى النَّفَس الأخير؛ يأتي إبليس الكذَّاب المنافق ليهمس لها مرتدياً ثوب الناصح الأمين، ومُحذِّراً مما سوف يأتي عليها إن هي غامرت بتـرك حياتها الأولى وسارت وراء المسيح، ومثيراً مخاوفها بأن السلبيات التالية في انتظارها كي تتراجع عن طريق النور وتعود إلى سيرتها الأولى تحت رعايته.
إبليس يُحذِّر: 1 - وهو يبدأ بالإشارة إلى انحرافات كثير من المتدينين، بل وبعض رجال الدين كي يُدلِّل على أن "التديُّن" ليس أملاً يسعى إليه أو هدفاً يستحق التضحية. فالجميع في الوسط الديني خطاة متستِّرون، بل إن بعضهم يُجاهر بانحرافه ولا يخفيه، والفضيلة ليست هنا على الأرض. فلماذا الجهاد طالما ستخرج هذه النفس من المعركة خالية الوفاض.<FONT size=4><FONT face="Arabic Transparent">
2 - وعلى المستوى الروحي: يدَّعي عدو كل بر أن التطلُّع إلى الحياة الأبدية (وما يتصل به من التفكير في الموت) سيؤدِّي إلى أن تصبح الحياة الحاضرة عبئاً وعبثاً، ولا مفر من الانطواء وكراهية الحياة وانتظار يوم الموت المُحرِّر من سجن الوجود.
3 - وعلى المستوى النفسي: يُحذِّر إبليس من الكبت والازدواجية (بسبب الامتناع عن الخطية بينما المَيْل لها لن يتلاشى)، والشعور المدمِّر بالذنب (خوفاً من العقاب)، مع الدخول في حالة هروب وجُبن (لتفادي السقوط)، فضلاً عن انطفاء الطموح (المضاد لحياة التسليم، كما يدَّعي!)، وتسلُّط الحزن والندم والكآبة (مما يُلازم حياة التوبة!) وغيره وغيره.<FONT size=4><FONT face="Arabic Transparent">
4 - وعلى المستوى الاجتماعي: يُنذر إبليس الكذَّاب مُشفقاً أن تبعية المسيح تؤدِّي حتماً إلى الفشل الاجتماعي بسبب الإخفاق في التواؤم مع المجتمع وأفكاره، فضلاً عن كراهية الجو الاجتماعي وألوان المرح مهما كانت براءته، مع التوجُّس من الناس بصورة عامة، واحتقار الروح الوطنية وخدمة الوطن الأرضي.
"غاشة هي قبلات العدو":
غنيٌّ عن القول، أننا لا نتوقع أن تكون هذه المخاوف وغيرها، مما يثيره العالم الشرير ورئيسه لإرهاب النفس التي تمرَّدت على طاعته، نابعة من الحرص على خير الإنسان وسلامته بالطبع. ولا يمكن لإبليس الكذَّاب وأبي الكذَّاب (يو 8: 44) أن يهتم بإنقاذ نفس مما قد يضرها؛ بل هو لا يريد لها أن تفلت من شِباكه، وأن تنحدر معه ومع أتباعه إلى مصيره التعس في النار الأبدية. فهذه الشفقة الكاذبة لا يصح أن تخدع أحداً. وصدق الوحي الإلهي القائل: "أمينة هي جروح المُحِب، وغاشة هي قبلات العدو." (أم 27: 6)
دفاع الإنجيل ضد ادِّعاءات إبليس:
تظل تحذيرات إبليس مجرد ادِّعاءات لا تنطلي إلاَّ على الغافلين، ويظل الحق الإلهي قادراً على الرد عليها ودحضها من أساسها وإنقاذ الإنسان من ضلالات عدو الخير.
1 - فيما يتعلَّق بإسقاطات إبليس على الوسط الديني:
فسنجد أن هذا بالفعل يمكن أن يضم ألواناً من التديُّن غريبة عن روح الإنجيل: كالطائفية، والتعصُّب، والعبادة المظهرية والسطحية، والرياء (الفرِّيسية)؛ وهناك المرضى النفسيون المحتمون بالوسط الديني الذين يُسيئون إليه بالفعل؛ وهناك الاستخدام الخاطئ لآيات الإنجيل، وعُقَد الاضطهاد، والتوجيه الخاطئ، وقلة القيادات المستنيرة، وغيره.
ولكن الخطاة الذين استولى عليهم الشيطان ليسوا مدَّعين "التديُّن" أي للانضمام إلى طائفة وتنفيذ بعض "الممارسات والطقوس" مع البقاء في خطيتهم؛ وإنما هم مدعوون إلى "الإيمان بشخص يسوع المسيح المخلِّص الوحيد" (أع 4: 12)، والنجاة من موت الخطية والتمتُّع بالقداسة (1تس 4: 3)، و"حرية مجد أولاد الله" (رو 8: 21). والكنيسة هي جماعة "المؤمنين بالمسيح"، وليس جمهور المتديِّنين الشكليين الذين يستغنون عن المسيح وصليبه ونفقة تبعيته بالممارسات التي تتم مستقلة عن روح الإنجيل.
- الخاطئ مدعو للتوبة والإيمان بالإنجيل (مر 1: 15)، أي الانتقال إلى حياة جديدة تتوجَّه نحو المسيح وحده، ودستورها كلمة الله المحيية. وكل ما في عبادته وممارساته حتى الجسدية منها هي مقدَّسات تخدم هدفاً أبدياً: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً، فافعلوا كل شيء لمجد الله." (1كو 10: 31)
- وخطيئة بعض "المتديِّنين" في شكلية عبادتهم وانقسام قلبهم يتحمَّلونها هم لا الإيمان الذي أنكروه. وإذا كانوا مخلصين ولكنهم ضلوا السبيل، فالروح سيهديهم. أما قادة بعض الطوائف في كنائس الغرب المجاهرون بانحرافهم، والذين صاروا عثرة للكنيسة كلها، فهؤلاء يقول فيهم الكتاب: "ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة" (مت 18: 7، لو 17: 1). ورغم كل شيء، فإن خطيئة المسيحيين الإسميين لا تستطيع أن تُخفي استقامة ونقاوة ربوات المؤمنين الحقيقيين الذين هم "نور للعالم"، ومن أجلهم يطيل الله أناته على الخطاة والعالم الشرير.
2 - وعن ادِّعاءات إبليس في الجانب الروحي:
- ينبغي التأكيد أن اكتشاف المؤمن للبُعد الأبدي لحياته لن يعكس انسحابه من حياته الأرضية، لأن هذه في الحقيقة قد امتدت إلى الأبدية ولا انفصال بينهما: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21). والمؤمن الحقيقي مُطالَب أن يُبرهن على صدق توجُّهه في المسيح خلال حياته القصيرة هنا، وهي حياة مقدسة بحضور المسيح فيها، وليست نتيجة جهد شخصي مستقل عن الله. وسواء حفلت الحياة بالفرح والخيرات والنجاح والنصرة والخدمة، أو جَانَبَها التوفيق وحالفها الألم والمرض والإحباط؛ فلن يحسبها المؤمن عبئاً أو عبثاً، بل هي جديرة بأن تُقبَل كهبة من يد الخالق صانع الخيرات.
- إن الحياة مع الله تُنشئ توازناً بين الروح والجسد، وتتناغم الغرائز وتنضبط الميول وتعمل كلها معاً للخير. فالصوم يضبط الشراهة، والعطاء السخي يضبط محبة المال والأشياء والتملُّك، والعبادة والتكريس والحب المقدس والزيجة المقدسة تضبط الجنس وتقدِّسه. والمؤمن الحقيقي لا يكره جسده الذي صار هيكلاً للروح القدس (1كو 3: 16؛ 6: 19)، كما لا يكره الجنس ولا يخشاه. وهو عندما كان متغرِّباً عن الله كان مستعبَداً لشهوة الجسد، لا يقدر على مقاومتها وبغير شبع، ولكنه في حياته الجديدة يرى خليقة الله طاهرة، وأن الجسد ليس للنجاسة (1تس 4: 7)، وأنه بمساندة الروح وبقوة التوبة ينال طهارة الفكر والحواس، ويتعامل مع غريزة الجنس كعطية إلهية، ومع الجنس الآخر كمكافئ ونظير جدير بالاحترام والتعامُل الإنساني، وليس شيئاً للَّهو والمتعة كما يفعل الشباب البعيد عن الله. وفترة الشباب عند مَن لبُّوا نداء المخلِّص وتبعوه هي مرحلة الزمالة الناضجة والصداقة التي تسعى في النور ولا تتستر تحتها الشهوة، وربما كانت بداية لعلاقة نقية قد تُكلَّل بالزواج، حيث يحقِّق الجنس غايته في الاتحاد المقدس بين الزوجين لتجديد الخليقة.
- خلافاً لادِّعاء إبليس، فالمؤمن المسيحي - وقد تحرر من سجن الذات - لا يمكن أن يعرف الانطواء، ولو كان ناسكاً في البرية أو متوحِّداً في مغارة. فهو يسأل من أجل قريبه، فَرِحاً مع الفرحين وباكياً مع الباكين، ومبتهلاً من أجل كل مَن هم في ضيقة مِمَّن يعرف أو لا يعرف، ومحبته واهتمامه يمتدَّان إلى العالم كله من أجل كل المظلومين وضحايا الحروب والمجاعات واضطراب الطبيعة، وهو لا يحب باللسان والكلام، بل بالعمل والحق أي بصلاته وماله، وربما بتطوُّعه لتخفيف الويلات عن إخوة المسيح الأصاغر من كل الأعراق والأديان. ففي المسيح وبعمل نعمته تتوارى الذات وتنمو نوازع الإيثار والخدمة والتضحية والعطاء بغير حدود. ويصير حَمْل الصليب والسير به وراء المسيح شركة حب ومجالاً للفخر والطريق المؤدِّي إلى المجد الأبدي: "أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم." (غل 6: 14)
3 - وعن ادِّعاءات إبليس في الجانب النفسي:
- تؤكِّد لنا كلمة الله واختبارات المتنصِّرين أن المحاولات الشخصية للتغيير بغير اعتماد على النعمة، هي التي تكون في حقيقتها كبتاً ذاتياً لرغبات الجسد مع بقاء الميل للخطية، وهذا لا ينجم عنه سوى التمزُّق والسقوط المتكرر، فالحزن والشقاء واليأس (رو 7: 24). ولكن التغيير الذي يتولاَّه الروح القدس في المؤمن، يُحرِّره من سلطان الخطية ويهبه القوة على صَلْب الذات وضبط النفس وإنكار الشهوات، بل وتحدِّي إبليس: "فقاوموه راسخين في الإيمان." (1بط 5: 9)
- وليس من صفات المؤمن المتمتِّع بالحياة الجديدة أن يظل رغم توبته شاعراً بالذنب جاثماً كأنه لم يُرفع، لأنه في يقين النفس المؤمنة أن دم المسيح قد كفل غفران الخطايا وطرحها طالما أنها تابت عنها واعترفت بها: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا من كل إثم." (1يو 1: 9)
وعلى نقيض ادِّعاء إبليس، لا توجد أدنى علاقة بين التوبة والاكتئاب. والحزن المُصاحِب للتوبة يصفه الكتاب أنه حزن بحسب مشيئة الله: "يُنشئ توبة لخلاص بلا ندامة" (2كو 7: 10). وعلى العكس، فإن التوبة الصادقة تثمر فرحاً وسلاماً بالتخلُّص من أثقال الخطية وهمومها لخروج السجين المنسحق إلى الحرية.
الذين يُقرِنون التوبة بالكآبة ربما يقصدون الشعور بالندم واكتشاف سوء الحال. والحزن والدموع وانسحاق التائب أمام المخلِّص هو تعبير عن صدق العزم على رفض الخطية والعودة إلى الأحضان الأبوية. ولكن بعد الخروج من حضرة الله، وبعد الاعتراف أمام الكنيسة، ليس هناك غير التعزية والبهجة وانحسار الهم. وبقاء الحزن حتى بعد التوبة هو علامة سلبية لتديُّن مريض مضاد للإيمان، يعاني صاحبه الاكتئاب خاطئاً أو تائباً وهو يحتاج إلى مساعدة نفسية وإرشاد روحي.
- يتكامل مع الحياة الجديدة بالطبع أن يحفظ المؤمن نفسه طاهراً (1تي 5: 22)، وأن يتجنَّب الأوساط الشريرة، هارباً من الفساد الذي في العالم (2بط 1: 4). ولكن الانسحاب من جو الخطية والشهوات ليس - كما يدَّعي إبليس - هروباً نفسياً وجبناً عن مواجهة الظروف كمَن لا يختبرون حضور الله وقوة الروح. فالشجاعة الحقيقية هي في اتخاذ القرار بالخروج من سدوم المهددة بالخراب (تك 19)، وإفلات يوسف الصِّدِّيق من التجربة قبل السقوط مهما كان الثمن (اقرأ القصة في تك 39).
- إن حياة التسليم المرتبطة بالإيمان ليست هي حياة الاستسلام والعجز، وهي ليست نقيضاً للطموح والتطلُّع إلى الأفضل في كل مجال. فالإنسان بطبعه يميل إلى التقدُّم، ولكن إذا كان الإنسان الجسدي يُعْزَى تقدُّمه إلى ذاته، فإن النفس المؤمنة تجتهد وتسعى وتتعب وتطلب إرادة الله قائد سفينة الحياة، وتنسب أي فضل أو نجاح إلى الله الذي يتمجَّد بها.
<FONT face="Arabic Transparent"><FONT size=4>4 - وعن ادِّعاءات

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات