أنا ومِحَني


بقلم: د. عبد الله حمصي
يُمضي الإنسان حياته متآلفاً معها ومعتبراً إياها حياة عادية عليه أن يمر بها بسلام وأمان, والإنسان المؤمن المسيحي يعتبر حياته فترة رائعة لعمل المحبة متأهباً بها للمرور إلى الحياة الأبدية.
تمر الأيام مع أوقات فرح وسعادة, ويدخل الإنسان في نسيان نفسه و"يمر الوقت سريعاً", وهذا هو الأمر الطبيعي في حياته. ولكن عندما تظهر محنة ما؛ تضطرب الأمور وتتغير المعايير, فيصبح الإنسان مواجهاً للمحنة وبهذا يدخل عنصر القلق أو المرض أو الخسارة المادية ضمن حياته.
أنا أعتقد بأن المحنة هي بُعد أساسي من الوجود البشري وتُشكل جزءاً منه. وأؤمن بأن الله هو المحبة المطلقة لذا فهو "لا يستطيع" أن يسبب لي, ولأي الإنسان آخر, أذية جسدية أو نفسية, فهو المحبة المطلقة والمجانية والكاملة, فكيف يجربني في جسدي أو في نفسي أو في حياتي وهو الذي خلقني على صورته؟ هذا يعني أيضاً أنه "لا يستطيع" أن يسمح بحدوث شرّ عليَّ بطريقة غير مباشرة؛ أي أن "يسكت" أو "يوافق" على حدوث هذه المحنة عليَّ عن طريق الشيطان كما حدث في قصة أيوب.
وهكذا فإنني لا اعتقد بأن المحن والآلام التي أُصاب بها هي قصاص إلهي ينزله الله بي لأنني عصيته في أمر ما وأخطأت إليه. إن الله سرٌ لا نستطيع سبر نواياه وأعماله, ولكنه يريد الخير للإنسان دائماً وأبداً.
في المحن والمصائب, خصوصاً الكبيرة منها, تبدأ الأفكار السوداء والمتشائمة في الظهور, وهذا طبيعي في نفسية الإنسان. إنني أقع بين الحين والآخر بمحنة قوية وكبيرة بالنسبة إليّ وهي: مقارنة حياتي هنا والآن مع حياتي التي عشتها في إسبانيا وما كانت ستؤول عليه من رخاء ونعيم إن كنت بقيت هناك. تُحدث هذه المحنة بي ألماً شديداً, وفي كل مرة تقريباً أشتم الطائرة التي أقلتني من مدريد إلى حلب, وألعن بطاقة السفر والتي احتفظ بها حتى الآن, وأرى في يوم 5 آذار يوماً كئيباً وماطراً كما كان يوم وصولي بالطائرة إلى حلب. كنت ألعن هذه الطائرة بجدية وبحدية, أمّا الآن فأنا أعاتبها بابتسامة عريضة وبكلمات رقيقة .
إنني لا أتهم الله بأنه سبب محنتي هذه ولا لمحن أخرى تصيبني (مشكلات الزواج, الأبناء ومشاكلهم ومستقبلهم, صعوبة التعامل مع الآخرين في العمل...) . فأنا أدخل في صراع مع ذاتي في محنتي, فأتذكر "ماضيّ السعيد" قبل المحنة, أي قبل السفر إلى حلب أو قبل الزواج أو قبل إنجاب أولادي, أتذكر هذا وأذكر فضل الله علي بسلامتي وبعائلتي. ولكن تظلّ هناك غصّة ما تُدخلني في صراع مع الواقع الذي أعتبره مؤلماً لي, ومليء بالقلق وبنتائج مبهمة . فقد أعتبر نفسي أحياناً أنني في الحضيض وأن أيام بؤس تأخذني, فأشعر بإحباط عام. هنا تجعلني محنتي أدخل في علاقة مع الله, (ولا أقول صراع مع الله), فأحاول سؤال الله كيف السبيل إلى عيش محنتي هذه؟. أمّا السؤال لماذا يا الله؟ فقد يمرّ في مخيلتي مروراً سريعاً وأرجو أن لا أقف عنده أبداً. فإن موقفي في محنتي هي ليس طلب تفسيرات من الله عن محنتي. أيضاً قد أفكر في فضائلي أمام الله ولكن تمرّ في ذهني بسرعة البرق. ولا أحاول أن أدخل في علاقة مقايضة أو علاقة مكافأة مع الله: "أعطيتك يا الله إيماناً بك فأعطني سعادة" أو "أنا أحبك وأطيعك فلماذا سمحت بمحنتي هذه؟"..
هكذا فمن خلال محني التي أعيشها أجعل علاقتي مع الله, بنعمته ومحبته, علاقة ثقة به, وتسليم ذاتي له تعالى فهو خالقي ومحيي حياتي وهدف رجائي, فمنه وبه وإليه أعيش. وبمساعدة الله ونعمه أتعايش مع محني متقبلاً الواقع ومحاولاً تغييره إلى الأفضل منطلقاً من صلاتي "لتكن مشيئتك" يا أبانا. إن إيماني بالله وتأملي بيسوع المسيح أفهمني كم هي بسيطة محني وصعوباتي.
أمام آلام يسوع المسيح التي احتملَها حباً بي وبكل إنسان, أرى أنه قد أحبني في أيامي العادية, وفي أيام فرحي وحزني وآلامي, وفي أيام رخائي ومحنتي ومصاعبي ومصائبي, حباً كبيراً وكاملاً حتى أنه بذل ذاته من أجلي على الصليب, وقام من بين الأموات ليشركني في قيامته ويفهمني بأن الأمر الأهم هو محبة الله ومحبة الناس وأن محني تُنضج وتُنمّي إيماني بالله.