وثيقة رافينا
(ايطاليا، 8-14 تشرين الأول، 2007)
النتائج الاكليزيولوجية والقانونيّة لطبيعة الكنيسة الأسراريّة:
الشركة الكنسيّة، المجمعيّة والسلطة.
مقدمة
1- «ليكون الجميع واحداً، كما أنّك أنتَ أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ... » (يو17: 21).
نشكر الله الثالوث الّذي جمعنا، نحن أعضاء اللجنة العالميّة المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة، لكي نحقّق معاً وبطاعة ما جاء في صلاة الربّ يسوع هذه. نحن واعون أنّ حوارنا يعاود انطلاقته في عالم تغيّر بشكل جلّي في الآونة الأخيرة. إنّ تقدّم عملية الدهرنة والعولمة، والتحديّات المفروضة بسبب التلاقي بين المسيحيين ومؤمني الأديان الأخرى يتطلّب وبطريقة ملّحة أن يعطي تلاميذ المسيح شهادة لإيمانهم ومحبتهم ورجائهم. ليقوّي روح السيّد القائم قلوبنا وعقولنا لنحمل ثمار الوحدة في العلاقات بين الكنائس، حتى يمكننا معاً أن نخدم وحدة وسلام البشريّة بأكملها. آملين أن يقودنا نفس الروح إلى التعبير الكامل عن سرّ الشراكة الكنسيّة، والّذي نعترف بامتنان أنّه عطية صالحة من عطايا الله للعالم، سرّ يشعّ جماله بشكل خاص في قداسة القديسين، ونحن أيضاً مدعوون إليه جميعاً.
2- تابعت اللجنة المشتركة المنهج الّذي تمّ تبنيه في الاجتماع الأول في رودُس عام 1980، بتحديد سرّ الشركة الكنسيّة في ضوء سرّ الثالوث الأقدس وسرّ الأفخارستيا. هذا أعطى فهماً عميقاً للشراكة الكنسيّة، على مستوى الجماعة المحليّة حول أسقفها من جهة وعلى مستوى العلاقات بين الأساقفة وبين الكنائس المحليّة الّتي يترأسونها في وحدة مع كنيسة الله الواحدة الممتدّة إلى كل المسكونة من جهة ثانية (وثيقة ميونيخ، 1982). لكي يتمّ توضيح طبيعة الشراكة، شدّدت اللجنة على موضوع العلاقات الموجودة بين الإيمان والأسرار - خاصة الأسرار المسيحيّة الثلاثة التأسيسيّة- ووحدة الكنيسة (وثيقة باري، 1987). كما وعن طريق دراسة سرّ الكهنوت ضمن البنية الأسراريّة للكنيسة، أشارت اللجنة بوضوح إلى دور التسلسل الرسولي كضامن لشراكة (الكنونيا) الكنيسة الجامعة وتواصلها مع الرسل في كلّ مكان وزمان (وثيقة فالامو، 1988). من عام 1988 وحتّى عام 2000، الموضوع الأساسيّ الّذي تمّت مناقشته من قبل اللجنة كان موضوع «الانضمام إلى روما» uniatism (وثيقة البلمند، 1993- بالتيمور، 2000) والذي سنعطيه اهتماماً أكبر في المستقبل القريب. نحن الآن أخذنا الموضوع الّذي ورد في نهاية وثيقة فالامو، والمتعلّق بالشراكة الكنسيّة، المجمعيّة والسلطة.
3- على أساس هذا التأكيد المشترك لإيماننا، يجب علينا أن نحدّد النتائج الكنسيّة والقانونيّة الّتي تنبع من الطبيعة الأسراريّة للكنيسة. طالما أنّ المناولة، في ضوء السرّ الثالوثي، تشكّل المعيار للحياة الكنسيّة ككّل، كيف يمكن إذاً للبُنى المؤسساتية أن تعكس سرّ هذه الشركة (الكنونيا) بشكلٍ ظاهر؟ إنّ الكنيسة الواحدة والمقدّسة موجودة في كلّ كنيسة محليّة تحتفل بالافخارستيا وفي نفس الوقت في شركة (كنونيا) مع كلّ الكنائس، فكيف يمكن لحياة الكنائس أن تُظهر بوضوح هذه البنية الأسراريّة؟
4- وحدة وتعدديّة، هي العلاقة بين الكنيسة الواحدة وبين الكنائس المتعددّة المحليّة، هذه العلاقة التكوينيّة للكنيسة، أيضاً تطرح السؤال عن العلاقة بين السلطة الموروثة في كلّ مؤسسة كنسيّة وبين المجمعيّة الّتي تنبع من سرّ الكنيسة كشركة. وحيث أنّ المُصطلحين «سلطة» و«مجمعيّة» يغطيان مساحة واسعة، سنبدأ بتحديد كيفية فهمنا لهما[1].
أ*- أسس المجمعيّة والسلطة
1- المجمعيّة
5- إنّ مُصطلح «المجمعيّة» أو «السنودسيّة» يأتي من كلمة «مجمع» (سينودس باليونانية، كونسيليوم باللاتينية)، والّذي يشير غالباً إلى تجمّع الأساقفة لتنفيذ مهمة محدّدة. على أي حال، من الممكن أيضاً أن يُستخدم المصطلح بمعنى أوسع وأشمل ليشير إلى كل أعضاء الكنيسة (المصطلح الروسي sobornost ). وفقاً لذلك سوف نتكلّم أولاً عن المجمعية كدلالة على أن كل عضو في جسد المسيح، بفاعلية المعموديّة، له مكان ومسؤولية في الشركة الافخارستية (communion in latin ). المجمعية تعكس السرّ الثالوثي ونجد فيه ذروة أساسها. الأشخاص الثلاثة للثالوث الأقدس هم "معدودون"، كما يقول القديس باسيليوس الكبير (في الروح القدس، 45)، بدون أن يتضّمن التمييز كـ «ثاني» أو «ثالث» شخص أي نقصان أو خضوع أو تراتبية. بشكلٍ مشابه، هناك تراتبية (taxis) بين الكنائس المحليّة، دون أن يتضمّن ذلك أي تفاوت أو تباين في طبيعتهم الكنسيّة.
6- الافخارستيا تُظهر بشكل واضح الشراكة الثالوثية محقّقة في المؤمنين كوحدة عضوية لعدد من الأعضاء لكلّ واحد منهم موهبة، خدمة، رتبة، وهي ضروريّة في تنوّعهم واختلافهم من أجل صهرهم كلّهم في جسد المسيح (1 كو12: 4-30). الكل مدعوون، مرتبطون ويُعتبرون مسؤولين - كلّ واحد بطريقة مختلفة – في انجاز مشترك للأعمال الّتي بالروح القدس تُظهر في الكنيسة خدمة المسيح «الطريق والحق والحياة» (يو 14: 6). بهذه الطريقة، يُحقق في الجنس البشري سرّ الشراكة الخلاصية مع الثالوث الأقدس.
7- كل الجماعة وكل شخص فيها يحمل «ضمير الكنيسة» (ekklesiastike syneidesis ) كما يعرّفه اللاهوت اليوناني، أو (sensus lidelium) في المُصطلح اللاتيني. فكل عضو في الكنيسة يمارس نوعاً من السلطة في جسد المسيح بنعمة المعموديّة والتثبيت. بهذا المعنى كل المؤمنين (وليس الأساقفة فقط) مسؤولون عن الإيمان الّذي اعترفوا به أثناء معموديتهم. إنّه تعليمنا المشترك أنّ شعب الله، الّذي حصل على «المسحة التي تأتي من الروح الواحد» (1يو2: 20،27)، والّذي هو في شركة مع رعاته، لا يمكن أن يُخطئ في أمور الإيمان. (يو16: 13).
8- إنّ الأساقفة لهم دور خاص في التأسيس الإلهي، بإعلان إيمان الكنيسة وبتوضيح معايير السلوك المسيحي، «كونهم خلفاء للرسل، الأساقفة هم مسؤولون عن الشركة في الإيمان الرسولي وعن الإخلاص لمتطلبات حياة متوافقة مع الإنجيل» (وثيقة فالامو، فقرة 40).
9- المجامع هي الواسطة الأساسيّة التي من خلالها تُمارس الشركة بين الأساقفة (وثيقة فالامو، بند 52). لأنّ الارتباط بالشراكة الرسوليّة يربط جميع الأساقفة معاً وذلك بربط أسقفية الكنائس المحليّة مع مجمع الرسل. فهم يشكلّون أيضاً مجمعاً متجذّراً بواسطة الروح القدس في «الواحد لأجل الكل» للجماعة الرسوليّة التي هي الشاهد الوحيد للإيمان. هذا لا يعني أنّه يجب عليهم فقط أن يكونوا متحدين فيما بينهم بالإيمان والمحبة والرسالة والمصالحة بل أنّ لهم ذات المسؤولية وذات الخدمة تجاه الكنيسة (وثيقة ميونيخ).
10- ينتمي هذا البعد المجمعي لحياة الكنيسة إلى طبيعتها الأكثر عمقاً أي أنّها تأسسّت على إرادة المسيح من أجل شعبه (متى 18: 15- 20)، حتى وإن كانت وجودها القانونيّ قد تحدّد بالضرورة في التاريخ وضمن المحيط الاجتماعي والسياسي والثقافي. هكذا فالبعد المجمعي للكنيسة يجب أن يكون حاضراً في المستويات الثلاثة للشركة الكنسيّة، المحلّي، الاقليمي والعالمي: في المستوى المحلّي لرعية موكلة إلى أسقف، في المستوى الاقليمي لمجموعة من الكنائس المحليّة مع أساقفتهم الذين يدركون مَن هو الأول فيما بينهم (القانون الرسولي 34)، وفي المستوى العالمي حيث يتعاون هؤلاء الأوائل (المتقدّمين) في مختلف الأقاليم مع جميع الأساقفة في كلّ ما يخصّ وحدة الكنيسة. وفي هذا المستوى أيضاً يجب أن يُدرك (المتقدّمون) مَن هو الأول فيما بينهم.
11- توجد الكنيسة في أماكن مختلفة ومتعدّدة وهذا يُظهر جامعيتها. وكونها جامعة فهي عضو يُحيّ جسد المسيح. كل كنيسة محليّة عندما تكون في شركة مع كنائس محليّة أخرى هي تعبير عن كنيسة الله الواحدة وغير المنقسمة. بالتالي أن تكون «جامعة» يعني أن تكون في شركة مع الكنيسة الواحدة في كل الأزمنة وكل الأمكنة. لهذا كان قطع الشركة الافخارستية هو طعن لأحد أهم ميزات الكنيسة، أي جامعيتها.
[1]بعض المشاركون الأرثوذكس شعروا أنّه من الضروري التشديد على أنّ استخدام مصطلحات "الكنيسة"، "الكنيسة الجامعة"، "الكنيسة غير المنقسمة"، و "جسد المسيح" في هذه الوثيقة وفي وثائق مماثلة صادرة عن اللجنة المشتركة، لا تقلّل بأي شكل من الأشكال من فهم الكنيسة الأرثوذكسية لذاتها على أنّها الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية التي يتكلّم عنها دستور إيمان نيقية. من وجهة النظر الكاثوليكية، نفس الوعي الذاتي يؤكّد أنّ الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة، «موجودة في الكنيسة الكاثوليكية» (lumen gentium, 8). هذا لا ينفي الإقرار بوجود عناصر من الكنيسة الحقيقيّة خارج الشركة الكاثوليكيّة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات