في عمق صمتي رأيته..
لم أشعر بنفسي كيف صرخت قائلاً: "أهذا أنت؟!"
حاولتُ التقاط أنفاسي كي أستطيع التحدث إليه,
قلت له متابعاً كلامي: "اشتقت إليك..
مذ تركتني وأنا أبحث عنك...
صدقني, فأنا لا أستطيع إيجاد كلمات تعبر عن مدى فرحي لوجودك هاهنا معي، وفي مخدعي الفقير المقفر"..
تابعتُ كلامي مرتبكاً، والمفردات تتطاير من أفكاري كطفل يحاول الحديث للمرة الأولى ولا يستطيع...
هل جئت لتمكث قليلاً معي؟
هل صحيح أني سأستمتع ببضع دقائق أقضيها قربك، أصغي فيها لصوتك وأشتم رائحة السفر والتجوال من ثيابك؟...
ألمس الحنان من عينيك اللتين كانتا ترحلا بي نحو العمق...
لازلتُ أذكر نظراتك المحبة...
كانت تغمرني كغيمة بيضاء في حضن السماء الصافية..
وجودك يسوع يمنحني الأمان والشجاعة
تابعتُ الكلام قائلاً: "علي الاعتراف لك بأمر لطالما أحزنني وكاد يقتلني ..
أمر ندعوه نحن البشر الندم"...
كنتُ من حين لحين أختلس النظر لوجهه المضيء المحب، وكان كلما فعلت ذلك يحاول طمأنتي بأنه يتفهم مشاعري هذه،
فهو رأى في عينيّ يهوذا وبطرس الحزن المماثل...
لكني تابعت...
تابعت تبريري..

يمتلكني نفس الإحساس الذي غمرها..
أتذكر عندما كنت في بيتها
وكانت الجموع ملتفة حولك تصغي لكلماتك بشغف...
حينها أرادت أن تلفت نظرك إليها...
أن تشعر باهتمامها بك..
قالت: أحضر لك شيئاً من الطعام أو بعضاً من الشراب...
اعتقدت بأنك ستثني على تصرفها
وربما تشكرنها أمام الجموع
كانت تلتمس أن تشعر بقيمتها و أن تثق بنفسها أكثر..
أجل أرادت أن تقول لك أحـــــــــــبك على طريقتها...
وانصرفت تهتم بالأطفال فأنت تحب الأطفال الصغار...
نعم توالت الساعات وهي منهمكة في كل شيء إلا أنت...
كانت تحاول إظهار أفضل ما عندها... لأنها أحبتك..
وبعد رحيلك أدركت أنها لم تفهم الحبّ
ولم تحبك، بل أحببت نفسها...


فجأة توقف عالم الذكرى
لم أستطع إكمال كلماتي لشدة ارتباكها....
هنيهة زال الارتباك وحلّ مكانه سلام...
كانت يده تربت على كتفي
وعيناه محدقة في صميمي
وتعلو وجهه ابتسامة خشيت للوهلة الأولى أن تكون ابتسامة سخرية
سألته تبتسم لي لأنك تعرفني أني أحبك؟؟
أدركت أنها كانت ابتسامة رضا حين قال لي:
"إرعى خرافي"...
قال لي: الحبّ ثقة ...
الحبّ كلام، وأيضاً عمل ...
الحبّ فرح يملأ القلب بالدفء والحنين
يجعلنا نحلق في كوخنا الصغير كعصفور جميل يطير في فضاء رحب..
الحبّ ليس مجرد لفت نظر أو اهتماماً سطحياً...
الحبّ لا يسكن القلوب المخادعة... والتي تبحث دائماً عن سبب لوجوده فيها,
الحبّ يملأ القلوب الوديعة...
الحبّ طيب ينتشر في كل مكان
جملة من إصغاء منسوجة على ورق من صمت
نسيج يترجم حضورنا الكامل لمن نحب,
حضورنا الفعال الذي يتغلغل كما الخيط في النسيج,
حضورنا المشارك في عمق حياته...
حيث هناك الجواهر و اللآلئ, مكان ترمى الشباك لتظهر ما بداخلنا من كنوز دفينة...
حضور يجعلنا نخوض كل مغامرة صعبة بثقة تامة مع من نحب وبدون تردد لأنها تكشف لنا نمو علاقتنا...
حضور ميزته قبول الذات, و الآخر المختلف عنا...
ثق بكلامي و بي,
الحبّ حرية تنقذنا من خيبات الأمل والتعب...
لطالما قلت لكم:
"تعالوا إلي يا جميع المتعبين و ألمثقلي الحمال و أنا أريحكم ..."
قلتها لأني أحبكم ملئ الحبّ,
أصغي فيها إليكم ملئ الإصغاء,
وأقبلكم كما أنتم بدون شروط مسبقة...
أنا معكم دوماً....
في كل شيء
كلما بحثتم عني وجدتموني بقربكم
في صمتكم ...
وفي عيون من حولكم...
في أشخاص أرسلهم لكم...
في الأطفال الذين يضحكون بوجوهكم...
أو ربما يبكون...
أنا أعمل من خلالكم لو شئتم..
وبإرادتكم فقط...
رفعت عيني لكني لم أجده
عاودت إغلاقهما لعلني أراه ثانية...
لكن عبثاً...
غادرني تاركاً على وجهي ابتسامة...
أشعرني بأن حجر قد دحرج من أمام قبري...
ملأ قلبي من روحه القدوس..
قلباً نقياً خلق
في وروحاً جديدة جدد في أحشائي
فأنا ابنه الحبّيب...



وكتبتُ -أنا الحقير- بتصرفٍ
[glint]في هذا اليوم السابع والعشرون من الشهر السابع "تموز" من سنة الرّب[/glint]
مع رجائي لكم أيا أخوتي بطِلبةِ القداسة
للأخت مها كاسوحة