[frame="2 75"]
انقسم الناس، حيال المظاهر الروحانيّة الوهميّة التي تستند على التدجيل والتدليس، والتي تستند على الحقيقة وعلى الكتاب المقدس، إلى قائل: بأنّ الروحانيّات هي علم يتلقنه الإنسان من غيره، بشروط وأساليب يتمّمها الطالب، وهذه قد يخالطها التدجيل والكذب بقصد ابتزاز المال وأسباب المعيشة. واشتهر كثيرون في هذا الفن ووضعوا في ذلك كتبًا كثيرة، وكلّها لا تمتّ إلى الحقيقة أو الواقع بشيء.
أمّا التي تستند على الكتاب المقدس فهي موهبة إلهيّة محض، نستند في ذلك على قول الربّ يسوع: "ودعا تلاميذه الاثني عشر فأولاهم سلطانًا يطردون به الأرواح النجسة... وقال لهم: اشفوا المرضى، أقيموا الموتى، اطردوا الشياطين..."[1]. ونرى قوله: "ودعا إليه التلاميذ الاثنى عشر... وأعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة"[2]، وفي لوقا: "دعا يسوع تلاميذه... وأعطاهم سلطانًا على جميع الشياطين وقدرة على الشفاء"[3].
وللدلالة على الموهبة قال الربّ لتلاميذه: "أنتم أعطيتم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أمّا هم فما أعطوا، لأنّ من كان له شيء يعطى فيفيض، ومن ليس له شيء ينتزع منه حتّى الذي له"[4]. أي إنّ من كان قد وهبه الله نعمة الروحانيّات وحافظ عليها وعلى جوهرها وقيمتها تزداد معه النعمة وتفيض[5]. وقد أوضح لنا ذلك بولس الرسول وأكده بقوله: "... ولنا مواهب تختلف باختلاف ما نلنا من النعمة: فمن له موهبة النبؤة فليتنبأ وفقًا للإيمان ومن له موهبة الخدمة فليخدم..."[6]، ويوضح الموهبة أكثر بقوله: "أمّا المواهب الروحيّة على أنواع... كلّ واحد ينال موهبة يتجلّى فيها الروح للخير العام. فهذا ينال من الروح كلام الحكمة، وذلك ينال... كلام المعرفة والروح الواحد نفسه يهب أحدهم الإيمان، والآخر موهبة الشفاء، وسواه القدرة على صنع العجائب والآخر النبؤة، وسواه التمييز بين الأرواح والآخر التكلّم باللغات والآخر ترجمتها..."[7].
ويوصي بولس، أيضًا، تلميذه تيموثاوس قائلاً: "لا تهمل المواهب الروحيّة التي فيك، تلك نلتها بنبوّة مع وضع جماعة الشيوخ أيديهم عليك..."[8]. ومعنى ذلك أنّ الروح القدس يهب الكاهن المرسوم بوضع اليد مواهب لا تعدّ، وكذلك الإنسان الذي وهبه الله ذلك.
أمّا يوحنّا البشير فيحذّرنا من الدجّالين ومحضري الأرواح بقوله: "لا تصدقوا كلّ روح، بل امتحنوا الأرواح لتروا هل هي من الله، لأنّ كثيرًا من الأنبياء الكذابين جاؤوا إلى العالم... إلى أن يقول: أنتم من الله وغلبتم الأنبياء الكذابين... هم يتكلّمون بكلام العالم، فيسمع لهم العالم لأنّهم من العالم، أمّا نحن فمن الله، إذ من يعرف الله يسمع لنا ومن لا يكون من الله لا يسمع لنا، وبهذا نعرف روح الحقّ من روح الضلال"[9] والربّ يسوع يقول لنا: "إنّ الذي يأتي من العلو هو فوق كلّ شيء والذي من الأرض هو أرضي ويتكلّم بكلام أهل الأرض..."[10]. وخبر النازفة التي صرفت كلّ مالها على الأطباء، وأخيرًا جاءت إلى الطبيب الإلهي[11]. وهذا كثيرًا ما يحدث الآن فبدلاً من اللجوء إلى الله نلجأ إلى الدّجالين ومحضري الأرواح.

خامسًا: ما نشأ عن العلوم الروحانيّة؟

لا يفتأ الإنسان يفتّش في أسرار الكون ليستطلع ما فيه من غموض وأسرار، فنشأ عن تفتيشه هذا علم النجوم: أو ما يقال له: التنجيم وهو المعروف بالعبرانيّة بكلمة "قسم" وتحت كلمة "سحر"، واستحضار الأرواح، هذه كلّها قد منعها ورذلها الله، كما تقدّم لنا القول: "لا يوجد بينكم من يتعاطى عرافة (تنجيم، تبصير) ولا مشعوذ ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقي رقيّة ولا من يسأل جانًا أو تابعة ولا من يستشير الموتى (تحضير أرواح)..."[12].
لا يجب أن نخلط التنجيم والسحر مع العلوم الفلكيّة التي تقوم على حساب ومراقبة حركة الكواكب، التي عرفها ملوك المجوس وبها عرفوا ولادة المخلّص[13].
شاع أيضًا استعمال العقد والربط[14] كما جاء عن العين الشريرة والحسد (صيبة العين) التي تصيب وتفتن من تلحظه وقد جاء ذكرها في الكتاب المقدس: "الغامز بالعين يسبب الجرح"[15]، "الحسد ينخر العظام"[16]. وأيضًا قوله: "لا تأكل خبز شرير العين ولا تشته أطايبه، فإنّه كما نوى في نفسه كذلك يكون... لقمتك التي أكلتها تتقيأها وتضيع كلماتك العذبة"[17] وأيضًا: "خبيث من يحسد بعينه... العين الشريرة تحسد على الخبز..."[18]. وأيضًا: "لا أسوأ ممن يحسد نفسه..."[19]. وأيضًا: "أذكر أنّ العين الشريرة سوء عظيم، أي شيء خلق أسوأ من العين؟"[20].
[/frame]


[1] متّى 10/1 و8.

[2] مرقس 6/7.

[3] لوقا 9/1.

[4] متّى 13/11-12.

[5] راجع مرقس 4/11 لوقا 8/10.

[6] روما 12/6-7...

[7] 1 قورنثس 12/1-11.

[8] 1 تيموثاوس 4/14 و2 تيموثاوس 1/16.

[9] 1 يوحنّا 4/1-6 راجع 1 تيمو ثاوس 5/21 لا تفعل عن هوى، وأيضًا 1 تيموثاوس 6/20.

[10] يوحنّا 3/31.

[11] لوقا 8/40-48 ومتّى 9/20-22 ومرقس 5/25-34.

[12] تثنية 18/10-11 وراجع الحكمة 12/4 والرؤيا 18/23.

[13] متّى 2/1-12.

[14] راجع حزقيال 13/17-23.

[15] أمثال 10/10.

[16] أمثال 14/30.

[17] أمثال 23/7-8.

[18] سيراخ 14/8-10.

[19] سيراخ 14/6.

[20] سيراخ 31/14-17 و27/22 و25 إلخ.