[frame="14 85"]
الشهداء في الكنيسة
ـــــــــــــــــــ
لغةً، كلمة "شهيد" تعني الشاهد بالـمعنى الذي يعرفه القضاء. في الـمسيحيـة صارت تنطبق على الشاهد الذي يبذل دمـه وحياتـه تأكيدا لإيمانه وتمسكا بـه. وفي هذا أفصح الشهادات التي يستطيع الانسان ان يعطيها كونها تخلياّ عن الذات حتى الـموت في سبيل يسوع الـمسيح. من هنا الأهمية القصوى والاهتمام اللذان ارتدتهما كلمة "شهيد" في التاريخ الـمسيحي.

في العهد الجديد تستعمل كلمــة شاهد للدلالـة على الشاهد بالـمعنى القانوني (متى 18: 16)، او بالـمعنى العام (رومية 1 :9). وفي احيان كثيرة نرى يسوع يتـوّجه الى تلاميذه مطلقا عليهم عبارة "شهود" اذ قد شهدوا دعوتـه وقيامتـه وسيعلنون ذلك الى كل الشعوب، "انتم شهود لذلك" (لوقا 24: 48). وقد سبق الـمعلم فأخبر رسلـه عن مصاعب واضطهادات سوف يواجهونها نتيجـة لشهادتهم هذه، "فانظروا الى انفسكم لأنهم يسلمونكم الى مجالس وتُجلدون في مجامع وتوقفون امام وُلاة وملوك من اجلي شهادة لهم" (مرقس 13 :9). الرسالـة التي حملها الرسل اذاً هي شهادة عن يسوع لأنفسهم ولكل الامم، والرسول هو شاهد (اعمال 10:39 ،41؛ 26 :22). بولس الرسول حين خاطب اليهود في اورشليم، عبّر عن أساه لماضيه اذ قال: "حين سفك دم استفانس شهيدك كنت واقفا وراضيا بقتلـه، وحافظا ثياب الذين قتلوه" (اعمال 22: 20). هنا نرى للمرة الاولى كيف ان عبارة "شهيد" بدأت تتخذ معنى اوسع من دلالتها الأصلية وصارت تشير الى موت الشاهد. لكن هذا الـمعنى لم ينتشر بشكل واسع في الفكر الـمسيحي الا في فترة لاحقـة.

وقد كانت عبارة "الشهادة" مطابقة لعبارة "الاعتراف" في بادئ الأمر. ثم اتخذت معنى جديدا متصلا بنتيجـة الشهادة والاعتراف التي هي الـموت حتى صار يُقال "كابد الشهادة". وقد استعملها بهذا الـمعنى اقليمس اسقف روما (اوائل القرن الثاني) في رسالته الى الكورنثيين، حين تكلّم عن استشهاد بطرس وبولس. ثم ترسخت الكلمة بمعناها الجديد في القرن الثاني حين اشتدت الاضطهادات على الـمسيحيين. وكثر عدد الذين يعترفون بإيمانهم ويُقتَلون بسبب ذلك ."أباركك ايها السيد لأنك أهلتني ان أكون في عداد شهدائك"، هذا الكلام قالـه القديس بوليكاربوس وهو مـوثق على الـمحرقـة.

وقد اتخذ الشهداء مكانة كبيرة في ضمير الـمسيحيين الأوائل، اذ كان الـموت شهادة على الإيمان بيسوع دافعا للمسيحيين لكي يكرموا الشهيد ويقدموا لـه الاحترام. تتكلم رؤيا يوحنا، التي كُتبت بعد اضطهاد نيرون (54-68)، ودوميسيانوس (68- 79) عن أرواح الصديقين الذين ُقتـلوا، وهي قائمـة تحت الـمذبح السماوي، ترفع الصلوات لـلجالس على العرش، وتستعد للمشاركة في عرس الحمل (رؤيا 6: 9-11). الشهداء هم موضوع الكلام هنا، وما تصويرهم على انهم تحت الـمذبح السماوي الا دلالـة على كونهم لدى الـلـه بطريقـة مميـزة. ويتكلم اقليمس الاسكندري عن الشهداء ويقول ان الشهيد يقدّم شهادة لنفسـه ولـمضطهدِه ولـلسيد، وهو يؤكد حقيقـة الكـرازة الـمسيحيـة. ويذهب اكثر من ذلك في اكرام الشهيد اذ يقول ان الـلـه يعـرف شهيـده من قبـل ولادتـه. وصارت تُضاف على كلمة شهيد ألقاب كثيرة تؤكد على الاحترام الـمـقدم لها، ومن هذه الألقاب "الـمغبـوط" و"الـمبارَك" و"القـوي". يقـول اوريجنس (القرن الثالث): "ليس من شرف اكبر للكنيسـة من ان تقدّم شهيدا لـلسماء. وليس هنالـك لقب لدى البشر يساوي لقب الشهداء. وقد أقام الـمسيحيـون، منذ العهود الاولى، تقاربا بين معموديـة الـماء ومعمـوديـة الدم (الـموت شهادةً) ذلك ان معمودية الدم تعطي من ينالها قوةً ازاء كل ضعف.

اما النقطة التي أثارت الكثير من الانذهال والتساؤل في موضوع الاستشهاد هي قدرة الشهداء على تحمّل التعذيبات والـموت دون خوف. صحيح ان كثيرين انكروا إيمانهم لكي ينجوا من التعذيب، وقد كان هذا الـموضوع مثار بحث وجدل كبيرين في الكنيسة حول امكانيـة قبولهم مجددا ضمن الكنيسـة. الا ان الذين لم يتهربوا، بل فضّلوا الـموت على الجحود، هؤلاء عبّروا عن قوة كبيرة. وفي سير الشهداء وروايات موتهم انهم كانوا يتحملون انواع التعذيبات دون ان تثير هذه لديهم ايـة ردة فعل، وكأنهم لا يشعرون بها. من هنا كانت الفكرة ان الـمسيح مقيم في هؤلاء وانـه يخاطبهم، وهو الذي يجعل احتمال الآلام ممكنا. وقد عبّر ترتليانوس عن هذه الفكرة بقولـه: "الـمسيح موجود في الشهيد".

ظهر تكريم الشهداء في الكنيسة منذ القديم. نجد اشارة قديمـة الى هذا في استشهاد القديس بوليكاربوس اسقف ازمير (القرن الثاني) فكانت ذكراه موضوع احتفال بهيج. وقد ظهر التعييد السنوي للشهيد، في يوم موته. انه يوم ولادتـه في السماء.

وقد قام الاحتفال بذكرى الشهيـد على زيارة قبره للتبرك منـه، وكانوا، على الأرجح، يقيمون القداس الالهي على القبر. وكان يُذكر اسم القديس في الذكرانيات، وكانت تُرتل أناشيد لـه، وتُقرأ سيرة استشهاده. وتطوّرت في القرن الرابع الخدم الـمتصلـة بتكريم الشهداء وصارت تتخذ طابعا احتفاليا. وكان لجسد الشهيد وبقاياه مكانـة كبيرة في العبادة. فكانت الكنائس تُشاد على قبورهم، وظهرت العادة بأن توضع بقايا الشهداءفي الكنائس التي تُبنى حديثا ولا زالت هذه العادة مستمرة الى اليوم. وهي ان دلّت على شيء فهي ان الكنيسة قائمة على الشهادة ليسوع دوما. وصارت تُرفع الصلوات الى الشهداء استشفاعا لكونهم الأقرب الى الـلـه، يقيمون تحت الـمذبح السماوي ويصلّون دوما الى الـلـه. يحثّ القديس امبروسيوس الـمؤمنين انيوجهوا صلواتهم الى الشهداء لأنهم، حسب قولـه، "يستطيعون ان يسألوا الرحمة لخطايانا، هم الذين غسلوا خطاياهم بدمهم. هم شهداء الـلـه، قادتنا، شهود حياتنا وافعالنا. لا نخجلنّ من اتخاذهم شفعاء في ضعفنا. هم ايضا عرفوا ضعفالجسد، حتى وهم يسيطرون عليـه".
[/frame]