[frame="9 80"]
يندب المسيحيون وعقلاء المسلمين انتقاص المسيحيين في بعض من بلدان الشرق. أضحوا 2 في المئة فقط في فلسطين ولا أحد قادر على ان يتكهّن بعودة المسيحيين الى العراق بعد ان هجرها الأكثرون. وأظنّ ان احدًا لا إحصاء عنده دقيقًا لمن غادر منهم لبنان. ولهم قدرة على التأقلم في الخارج على ما يبدو فيسكنون الى الأمم الثابتة أو شبه الثابتة اقتصاديا في الغرب والعودة هي من افريقيا اكيدة بسبب من إرادة الأفارقة ان يحكموا هم بلدانهم. وهي أكيدة كليا من جزيرة العرب ونضج المحللين السياسيين في الخليج مسرّ ما يعني ان العرب في مستقبل قريب لن يحتاجوا الى ذوي الاختصاص من اللبنانيين. هناك عودة الى الوطن جزئية وقيل لي حديثا ان الذين استقروا في الغرب يرجعون فترة من السنة ليعلّموا أولادهم عندنا.
غير ان هذه القضيّة تحتاج الى عناية من الدولة كبيرة وعلميّة للوصول الى صيغة أو مجموعة صيغ بحيث لا نخسر قسما من شعبنا كبيرا ونبقى مع ذلك مواجهين لموضوع ارتزاق المغتربين وحفظ كرامتهم من الفقر. أي ان القصّة لا يحلّها حب وطن بات غير اخضر وحكمه غير منظم وأخلاقه (رشوة وما الى ذلك) ضعيفة. انت في حاجة الى وطن قادر على ان يستوعب بنيه بحضارة له حقيقيّة تترجم أولاً في نظام الدولة وانتظام المجموعات الطائفيّة بعضها ببعض على أساس تسامح لا نفاق فيه وعلى أساس اكتمال الكل بالكل في المعرفة والقدرة وإلغاء الطائفية كاملة في الإدارة العليا فأنا الأسقف الأرثوذكسي أرفض مثلا ان يعيّن أرثوذكسي تافه جاهل في منصب يستحقه مسلم أو مسيحي من انتماء آخر.
لست أعلم على وجه الدقّة ان من اغترب يخشى تصاعد الأصوليّة الإسلامية. لا شك ان هناك اصطفافا إسلاميا كبيرا في الحياة وفي الدوائر. لا شيءعندي ضده ان كان الناس مستحقين لكن المسلمين لا يزكي اصطفافهم شيء. فالمسيحيون اذا بقوا لا يخيفون أحدا وكذلك المسلمون من حيث انهم مواطنون أمر مبتغى وقد يتطلّب هذا اندراجهم (واندراج المسيحيين) في الحداثة. قد يتطلّب هذا فتح باب الاجتهاد وتطورا في التفسير وعلم الكلام والفقه وفي هذا لا يستطيع المسيحي ان يشاركهم فيه. لكن هذا التطوّر هو خلفية الحضارة المتجدّدة المدعوّة الى ان تندمج في العالم وتواجهه في آن. لن يقيض نجاح للمواقف الاعتذارية التي يبرر الانسان بها جموده والمحافظة المتشددة في كل حقول الفكر. هل نكرر الى الأبد ما قاله الأسلاف الذين لم يواجهوا اكتشافاتنا الحديثة والفكر الكثير التنوّع في اوروبا.
طرح عليّ هذا السؤال مذيع خليجي كسبب ممكن لهجرة المسيحيين. قلت له لا يكفي ان يقول أبرار المسلمين نريد المسيحيين ان يبقوا. المشكلة هي هذه: الفكر الاسلامي لتروا فيه قبولا للمسيحيين عميقا، ما يجذبني كثيرا عند المحللين الخليجيين أو بعضهم انك تشهد تحت الجلابية والكوفية والعقال منطقا اوكسفورديا ولا تلمس هذا دائما عند ضيوف على الإذاعات اللبنانية مرتدين الثياب الإفرنجيّة.
في المنحى نفسه السؤال الكبير هو ان المغترب المسيحي اذا عاد اية مسيحية يحمل؟ هل هذه هي المسيحية الخرافيّة، المتحجّرة، المبغضة (وهي موجودة) بعد محافظته على لهجة القرية في اوستراليا وعدائه للقبائل المسيحية الأخرى والكنائس الأخرى. هل نحن نريد عودة المسيحية الى لبنان لتلقحه بحرارة الوجد وسحر المحبة والرقي الحضاري وروح التقارب والود بين الكنائس. بأية مسيحية نملأ لبنان فيتم عند ذاك لقاء الإنجيل الصافي والإسلام الصافي الذاهب الى عمق أعماقه. تراكم مسيحيين ومسلمين لا يعطي شيئا وهو قادر على تصفية حسابات قديمة. ثلاث حروب أهلية في القرن التاسع عشر وصدامات توالت منذ الـ 1975 ولم تنته. عندما أقول للأجانب: نحن شعب لطيف وبلد جميل ومتلاقون في الحياة اليومية يواجهونني بهذه الأحداث.
مرة كنت استضفت الدكتور مانوكيان النائب السابق ورئيس مستشفى العصفورية أي الاختصاصي بالأمراض العقلية. قال لي: لبنان عنده أعظم نسبة مجانين في العالم. قلت لماذا. قال لي: البلدان الراقية فيها مستوصفات وعيادات للأمراض العقلية يتابع الأطباء فيها من كان مجنونا وظن القوم انه شفي مثلما عندنا نحن مستوصفات للأمراض غير العقليّة. من يدمّر عصفورية لبنان الشاملة؟ ما علاقة هذا بحروبنا. انا من وقت الى آخر آخذ حبوبا تتعلّق بالأعصاب ومع ذلك أكتب في "النهار" مقالات معقولة وتبدو جملها مترابطة.
هذا يقودني الى السؤال: أية مسيحية تهيئ كنائس لبنان لأبنائها اذا عادوا؟ هل هي تفكّر في إعداد دروب القداسة والمعرفة ومحبتهم غيرالمشروطة للمسلمين بلا تخوّف من تعصّب أو أصوليّة لأنّ المحبة الإنجيلية تذيب الأصولية. الشيء الثاني: هل للكنيسة قدرة على أن تجنّد الأغنياء والموسرين تجندا كبيرا ليحبوا فقراء المسيحيين ويخدموهم في مشاريع منتجة؟ في القرن السادس عشر في القسم الأرثوذكسي من بولونيا عندما كانت الأرثوذكسيّة مهدّدة بالانقراض بسبب من انقضاض إرساليات "مسيحية" عليها طلب كل أغنياء الروم الاجتماع مع المجمع المقدس وقالوا له: نحن قررنا ان نفتقر كليّا فجئنا بثرواتنا نضعها عند أقدامكم لمساندة الفقراء الذين كان الآخر يغزوهم.
هل للكنائس مجتمعة أو منفردة سياسة لدعم المغتربين الفقراء في أي مجال من مجالات العيش وان تدخل في طور التنظيم العصري في سبيل الطعام والطبابة والتدريس؟ وقبل ان يغترب من له رغبة في ذلك هل للكنائس إرادة انشاء لجمهور مسيحي كريم لأنه يسد حاجاته أو بعض حاجاته من كنيسة تحبّه بعد ان تكون تخلّت عن كل نشاط سياسي فلا يتشرذم أبناؤنا بسبب من جعل هذا المسؤول الديني مفكرا سياسيا فيتحزّب بالضرورة وتنقسم بسببه الرعية.
الرب لا يريد جبهة مسيحية ولا تراصاً مسيحياً وخصوصاً لا يريد خوفاً مسيحياً. مشكلة الاغتراب حلها بالتشرق أي بالعودة الى شرق راقٍ اعتنق الحضارة وقَبِل صادقاً التعدد الديني الذي كان عندنا وترتيب هذا التعدد بالفهم والعدالة أي بقبول للآخر حقيقي، بالدفاع عن الآخر من أجل حريته وحريتنا تمجيدا لله وتقوية للإنسان وإيلاد اللبناني السوي ومتابعة نقاوة له كرؤوس جبل لبنان الذي كانت تذهب منه عرائس يوم كتب نشيد الأناشيد.
هل يصبح لبنان نشيد الشرق؟
المطران جورج خضر[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات