[frame="9 80"]

بدأ الألم مع سقوط الإنسان في خطيئة المخالفات[1]، إذ أخذ الألم بشدّ خناق المخلوقات بأسرها فتغيّر وجه الأرض، وأضحى الإنسان يسعى وراء لقمة العيش، وقد لا يصل إليها إلا بشقّ النفس وتجشّم المتاعب، والعقبات تعترض طريقه، والأرض تنكّرت له وراحت تنبت له الشوك والعوسج والنباتات التي تضرّ ولا تنفع، لأنّ شدّة المرارة تزيل المرارة. (ما بيشيل المرّ إلاّ الأمرّ منّو). ومع ذلك نرى الألم يفيد أيضًا.



1. الألم طريق إلى الرجاء


إنّ الألم حلقة من سلسلة مسيرة الإنسان على الأرض، إذ بمخالفة الإنسان لله، راح الخوف والرعب يسيطران على هذا الإنسان وعلى الحيوان معًا: "انموا واكثروا واملاؤا الأرض وليكن خوفكم ورعبكم على سائر وحوش الأرض وجميع طير السماء وكلّ ما يدبّ على الأرض وأسماك البحر"[2]. فالله مع أنّه بارك الإنسان من جديد، لأنّ الرحمة والمحبّة الإلهيّة أبت على الله أن يضمحلّ الإنسان بل رحمته وسلّمه مجدًدًا مقاليد الأرض وما عليها من مخلوقات؛ لكنّ هذا التسليم لم يكن كالتسليم الأوّل، خاليًا من كلّ صراع، إذ كان الله قد قال: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا ليتسلّط على جميع المخلوقات" ثمّ بارك الله الإنسان قائلاً: "أنموا وأكثروا أملأوا الأرض وتسلّطوا على جميع الأرض"[3]. في حين أنّ البركة الثّانية، ولئن تملّكية ولكنّها ممزوجة بالصراع أيضًا. فأضحى الإنسان يشعر بكلّ ضائقة نفسيّة كانت أم جسديّة، كما أنّه يشعر بالخوف والرهبة: أمام رهبة الليل[4] عند سماع زئير الأسود، ولدى شموس الحيوان. لم يقف الصراع عند هذا الحدّ بل تعدّاه إلى صراع الإنسان مع ذاته، فالخير الذي يجب أن يعمله يخالفه ويعمل الشرّ، والشرّ الذي عليه أن يتجنّبه فإيّاه يعمل[5].
لكنّ الله لم يترك الإنسان يعمه في طريقه بل راح يسير به في طريق الخير ويرشده إلى سواء السبيل، ويرسل له الأنبياء والمرسلين[6] تارةً، وطورًا يمتحنه بالآلام لينقّيه[7]، ويجعل خلاص الإنسان مكمّلاً بالآلام[8]. فالآلام تنقّي الإنسان وتعدّه لمجد أعظم. فلو تأمّلنا في حياتنا الماديّة هذه نرى أنّه لولا آلام المعادن، في الصهر، لما كان لنا الذهب الإبريز، ولا الفضّة النقيّة، ولا باقي المعادن التي نستعملها ونصلحها لخدمتنا. لولا ألم الخشب لما كان لنا المصنوعات الخشبيّة التي تزيّن قصور الملوك، والتي بنى منها سليمان هيكل الربّ[9]. أمّا آلام هذا الدهر وإن تحملّناها، نرى أنّها لا تقاس بمجد الدهر الآتي، إذ أعدّ للذين يتحمّلون الآلام بصبر وتواضع ومحبّة لمجد الله، مجدًا وكرامة لم "ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على قلب بشر"[10]. إنّ الألم هو الطريق إلى الرجاء، وهذا ما أكّده لنا بولس: "إنّ آلام هذا الدهر لا تقاس ولا تعادل المجد الذي سيتجلّى فينا"[11]. ويقول لنا بولس أيضًا: "نفخر بشدائدنا نفسها، لعلمنا أنّ الشدّة تلد الثبات، والثبات يلد فضيلة الاختبار، وفضيلة الاختبار تلد الرجاء، والرجاء لا يخيّب صاحبه..."[12]. لأنّ الله، مع كلّ شرور الإنسان، أراد أن يخلّص الإنسان من أسر الشيطان، وقد فعل ذلك، إذ مزّق الصكّ الذي كتبناه للشيطان على أنفسنا، وسمّره على الصليب[13]. فإنّ يدّ الرّب تجرح وهي ذاتها تضمّد الجراح وتشفي، ويفدي من الموت[14].

2. الخوف

الخوف، هو أحد أنواع الصراع والألم النفسي في الإنسان، هو حركة تنشأ في النفس فتبعث فيها القلق والاضطراب، وتجعلها في عدم استقرار، دائمة الترقّب للمفاجئات والحذر منها، وترسم علامات الخوف على وجه الإنسان، وحيثما تلفّت هذا الإنسان يرى الخوف محيطًا به[15]. الخوف من الحياة ومصاعبها ومضايقاتها، الخوف من الذات، الخوف من الإنسان، والأعظم من كلّ المخاوف هو الخوف من الموت، ومن المصير بعد الموت، ومن مواجهة الحقيقة. ولكي يخلّصنا الله من كلّ المخاوف تجسّد وصار بشرًا مثلنا[16]، وخضع للخوف بطبيعته البشريّة، وبهذه الطبيعة كان يصلّي طالبًا عبور كأس الموت عنه[17]. وجاء أيضًا قوله: "إنّ الروح مستعدّ أمّا الجسد فضعيف"[18].
قد خضع المسيح لجميع التأثيرات البشريّة ما عدا الخطيئة[19]. وهذا مما يدلّ على أنّ السيّد ترك للطبيعة البشريّة تمام حريّتها لتتأثّر وتنفعل بسائر الانفعالات التي تتأثّر بها كلّ طبيعة بشريّة. وقد روى صلاته الاكتئابيّة الإنجيليّون الإزائيون، فقال متى: "ثمّ جاء يسوع مع تلاميذه إلى موضع اسمه جتسيماني، فقال لهم اقعدوا هنا، حتّى أذهب وأصلّي هناك... وأخذ معه بطرس وابني زبدى، وبدأ يشعر بالحزن والكآبة وقال لهم: نفسي حزينة حتى الموت...سأظلّ أبتعد عنهم وسقط على وجهه وصلّى"[20]. أراد يسوع أن يرى بطرس ويعقوب ويوحنّا شدّة آلامه كما رأوا بهاء لاهوته في التجلّي[21]، وذلك حتّى إذا رأوا عجائبه لا يجزعون من آلامه، ليكونوا شهودًا للطبيعة الإلهيّة وللطبيعة البشريّة، وأنّه باختياره يتألّم، ويكرزوا للعالم بأنّه حقًّا ضياء الآب[22]؛ وقد شهد بطرس بذلك بقوله: "قد أطلعناكم على قدرة ربّنا يسوع المسيح وعلى مجيئه وإذ أنّنا عاينّا مجده فقد نال من الله الآب إكرامًا ومجدًا؛ إذ جاءه من المجد صوت يقول: هذا هو ابني الحبيب... ذاك الصوت قد سمعناه آتيًا من السماء إذ كنّا معه على الجبل المقدّس"[23].

3. الآلام

نقرأ في الكتاب المقدّس قصّة خلاص الإنسان، فنرى في سياقها أنّ هذا الخلاص لم يتمّ بكلمة، كما كان الخلق بكلمة، بل بمخاضٍ عسير، بذلك أضحى للألم تاريخ ومخطط يتحقّق في مجاري الزمن. فالله أقام الإنسان في الأرض ليلتقي به في عهد دائم ثابت. فقال الله لنوح: "ها أنا مقيم عهدي معك"[24]، وجدّد هذا العهد بعد الطوفان، إذ جعل له علامة، وهي: "قوس قزح"[25]، وهذا العهد يمتدّ إلى العالم كلّه، لأنّه يحيط دائرة الفلك: شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا كالصليب، إذ بعد الطوفان وآلامه وشدائده كان تجديد الخليقة[26].
جدّد الله هذا العهد مع إبراهيم، بالختان[27] الذي فيه شيء من الألم، الذي بعده نوع من الخلاص، ولا يهمّ هذا الألم سوى ذريّة إبراهيم فقط. وسيصبح هذا العهد لإسرائيل وحده مع موسى[28]. وهذه العهود لم تمرّ دون ألم، بدءًا بالأسر الفرعوني إلى الضياع في الصحراء مدّة أربعين سنة[29]، ولكن بعد هذه العذابات والآلام وصل الشعب إلى واحة الرجاء واستبشر بالخلاص...
بقي الله أمينًا على عهده مع الإنسان وراح يسير به في طريق الآلام، لكي بهذه الآلام ينجّيه ويخلّصه، كما يخلّص الطبيب الجراح المريض ببتر أحد أعضائه، ولكنّ الإنسان كان في كلّ مرّة يعود إلى مخالفة الله، لا بل يخون عهد الربّ[30]، في حين أنّ الله لم يحد ولا مرّة عن عهده، بل بقي أمينًا على هذا العهد، إلى تمام ملء الأزمنة، عندها "أرسل ابنه مولودًا من امرأة تحت الناموس ليخلّص الذين هم تحت الناموس"[31]. ليبقى على عهده ويكمل طريق هذا العهد الذي أخذه على نفسه. ما إن تجسّد المسيح من مريم البتول حتّى أخذ فجر الخلاص بالبزوغ، وعندما دخل المسيح في مرحلة الآلام والموت حظي الإنسان بالتبني وراح ينادي الآب بكلّ دالّة ويقول له: "أبًّا أيّها الآب"[32]. ونرى من هنا أنّ الألم لم يكن شرًا أبدًا، إن هو إلاّ تكفيرًا عن شرٍ عظيم فعلناه في وجه الله، ولكن الله يحوّل ذلك الألم إلى خير البشر وخلاصهم، ويجعله وسيلة للوصول إلى الصحّة التامّة وتجديد العهد بين الله والإنسان بواسطة دم المسيح وسرّ العماد المقدّس...

4. وجوه الشرّ والألم ونتيجته

ظهر الله في الجسد[33]، وحمل في هذا الجسد أثقال خطايا الإنسان واحتمل أوجاعه[34]، ليخلص الإنسان كلّ الإنسان، ويجعله يشهد للحقّ[35] ضدّ الشرّ الذي هو ظلمة كثيفة تفصل الإنسان عن خالقه؛ فنرى في آلام المسيح نورًا ينير في الظلمة ويكشف لنا عن وجوه الشرّ المتعدّدة والمتلوّنة، التي منها: تصلّب وكبرياء رؤساء الكهنة والفريسيّين والكتبة الذين لم يذعنوا للحقّ، بل راحوا يعقدون محافل مؤامرات ومشاورات في كيف يخنقون صوت الحقّ[36] وغيرها كثير، كما جاء في مزمور 2/1-2 ورؤيا 19/19 ومنها أيضًا تسخير الإنسان نفسه خادمًا للشرّ وعاملاً على تضليل الناس والإيقاع بهم، فيظهر لنا الخاطئ الذي يجرّ غيره إلى الشرّ، والمنحرف عن الإيمان ويعلّم الناس الإنحراف، كتعاليم المنحرفين عن تعليم الكنيسة؛ وهنا نرى نوعين من الخطأة: خاطئ يقبل التوبة ويعود عن غيّه ومثله المجدليّة[37] والابن الشاطر[38]... وخاطئ لا يقبل التوبة، ولا يريدها أو يذعن للحقّ كالفريسيّين وهراطقة هذه الأيام والمنحرفين...
هناك وجه الشرّ الأعظم، حسب ما يراه البعض، وهي المحن والآلام والمصائب التي تصيب البريء فيتقبلها هذا برحابة صدر واستسلام لمشيئته تعالى[39]، عالمين أن بعد الآلام صحّة جيّدة، كمحنة أيوب الذي كان رمزًا للمسيح الفادي، ولا يتّضح سرّ الألم في الوجود إلاّ على ضوء آلام المسيح، ولكن كلّ هذه الآلام ستؤول إلى خير البشريّة عمومًا، إن عرفت هذه البشرية الاستفادة منها. فأتعاب الفلاح لا يريحها إلاّ جني الموسم الفائض، والمرأة التي تتألم في المخاض تفرح عند ولادتها إنسان[40]...
[


[/frame]