[frame="11 98"]
مقدمة:
إن مختلف المجتمعات تهتم بتربية الطفل ولكن الأهداف تختلف من مجتمع لآخر. فالتربية عند اليونان تهتم بتربية الحكام دون العبيد " أرستقراطية"، أما عند الفرس فكانت الدولة تقوم بتربية الأطفال منذ سن السابعة تربية عسكرية. في حين هدف التربية المسيحية على مر العصور هو الوصول إلى الله، أي خلق جيل مؤمن بالله " لست أنا أحيا بل المسيح يحيا في"، أي الغاية هي أن نعرف الرب فنشاركه حياتنا.
إن كلمة تربية تعني " رباه" أي جعله يربو أي ينمو و يزداد. والتربية ليست مجرد معلومات تعطى بل تغذي روح الإنسان وتهذبه، فالتربية تطال الكائن البشري كلاً عقلاً وعاطفةً وجسماً وذهناً وحساًَ ولا تحصر بنقل المعلومات.
المربي الأول هو الله فقد تعهد الإنسان وأدبه وهيأه ليعرف الله ويقبله. والمربي يعمل على الرجاء ولا يبحث عن ثمر ليقطفه، بل الهدف أن يكتشف الإنسان الله وهذا لا يتم إلا بالصبر والصبر وليد الرجاء. نحن نعمل على الرجاء والرب ينمي وهو صاحب الحقل وهو يقطف الثمر " أنا أزرع وأبولس يسقي والله ينمي".
التربية في الكنيسة هي الاهتمام والرعاية، وانطلاقاً من أن التربية رعاية نجد أن المحبة شرط أساسي للتربية. وعندنا تأكيد الرب لبطرس " يا بطرس أتحبني؟ ارع خرافي" فالتربية هي تكريس في الحب قبل أن تكون تكريس في الوقت والنشاط.
يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس " أيها الأبناء أطيعوا والديكم في الرب فذلك عدل. أكرم أبك وأمك.. فيطول عمرك على الأرض"، " وأنتم أيها الإباء لا تغيظوا أبناءكم بل ربوهم بتأديب الرب ونصحه". ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: " لا تعاقب طفلك بطريقة جارحة باستمرار حتى لا يعتاد مثل هذه الطريقة الجارحة في التربية، لأنه إذا اعتاد أن يؤدب على هذا المنوال سوف يزدري التأديب".
كيف تربي أولادك؟
" أولادكم ليسوا أولاداً لكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم. ومع أنهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكاً لكم. فأنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم أفكاركم لأن لهم أفكاراً خاصة بهم".
يختلف الآباء في تربية أبنائهم، فبعضهم يسلك طريق القسوة وإنزال العقوبات الصارمة المؤذية والمؤثرة على شخصية الطفل ونموه الانفعالي، معتقداً أن الصواب يكون بإظهار القوة من جانبه والخنوع والاستسلام من جانب الأولاد.
والبعض الآخر من الآباء والأمهات تتحكم فيهم عواطفهم ويستسلمون أمام تعنت الطفل وإصراره على إشباع رغباته فيتركون له الحبل مرتخياًُ، فينشأ الطفل بمفاهيم طفولية وبسلوكيات لا مسؤولة خالية من ضبط النفس ومعرفة الحدود، فيمارس ما عتاد عليه عندما يكبر ويصبح عرضة للإحباطات والاضطرابات النفسية.
خلال تربية الأولاد يلجأ الأهل إلى أسلوبي الثواب والعقاب. ومن أنواع الثواب الجوائز المادية كالنقود والحلوى والألعاب والهدايا، أوالجوائز المعنوية وذلك بإظهار علامات الرضى والاستحسان بالعبارات الطيبة أو غير ذلك، وكذلك قد يكون بالعفو عن ذنب سابق إذا قام الطفل بعمل طيب.
فالقاعدة العامة في الثواب: أنه لا يجوز إثابة طفل على عمل يجب عليه القيام به، فهذا يخلق عند الطفل شخصاً مادياً يتوقع فائدة شخصية مباشرة لكل عمل واجب عليه القيام به. وعلى العموم يحسن أن تحل الجوائز المعنوية تدريجياً محل الجوائز المادية. والإثابة المعنوية إذا أجيد تطبيقها تؤدي تدريجياً إلى تكوين الضمير الحي وإلى إنماء الشخصية القوية المطمئنة إلى ما تأتيه من أعمال. معنى هذا إن الثواب سواء أكان مادياً أو معنوياً يجب ألا يكون غرضاً في ذاته، وإنما يعتبر وسيلة ليتعلم بها الفرد قيم السلوك.
ومن أنواع العقاب العقاب النفسي كالتنبيه لعواقب السلوك السيئ والتوبيخ والاحتجاز لمدة معينة والتحقير والإهانة، أو العقوبة الجسدية كالضرب بشتى درجاته وصولاً إلى الضرب الجسدي العنيف.
ويحسن أن يكون العقاب معنوياً ومدروساً مثله في ذلك مثل الثواب لأن العقاب كالتوبيخ أو حرمان الطفل من النزهة قد يكون أكثر إيجابية في نتائجه من العقاب الجسدي تمثلاً في القسوة والضرب حيث تعتبر القسوة من أسوأ وأخطر الظواهر التي يتعرض لها الأطفال وتهدد حياتهم. والقاعدة العامة عند اختيار العقوبة أن يكون العقاب يتضمن إيلاماً، وأن يكون الألم الناتج عن العقاب أكبر من السرور الحادث من ارتكاب الذنب.
أسباب ظاهرة القسوة وضرب الأطفال:
1. الحرمان: ويقصد به حرمان الآباء أنفسهم من حنان الوالدين، فقد تبين أن نسبة كبيرة من الآباء الذين يعاملون أبناءهم معاملة سيئة قد سبق ومروا بتجارب قاسية في طفولتهم.
2. النشأة في جو من الدقة والصرامة: من الطبيعي أن الوالدين اللذين سبق وعوملا في طفولتهما بصرامة أن يعاملا طفلهما بمثل هذه الصرامة.
3. قد يكون سبب معاملة الآباء لأبنائهم بهذا الأسلوب هو الخوف من إفساد الطفل إذا عاملوه معاملة أكثر حناناً ودلالاً.
4. عدم وجود مصدر بديل لرعاية الطفل: في الماضي كان الجد والجدة يعيشان مع الطفل ويقدمان له كل حب ورعاية أثناء غياب الأب أو الأم. أما الآن فإن الأبوين يعيشان في منزل مستقل بهما مما جعل الطفل يفقد هذا الحب والحنان، وخاصة عند عدم وجود وفاق بين الزوجين أو انشغال الزوجة بالعمل خارج المنزل، عندها يتعرض الوالدين لضغوط نفسية تجعل أي منهما غير قادر على توفير العناية اللازمة للطفل وبالتالي معاملته معاملة غير حسنة.
نتائج العقوبات القاسية:
إن ضرب الأطفال ومعاملتهم بقسوة يؤثر تأثيراً كبيراً على نفسيتهم مما يؤدي إلى:
1. تحطيم الطفل معنوياً نتيجة افتقاده الحب والحنان الأسري وعيشه حياة غير مستقرة وسعيدة.
2. قد تؤدي القسوة إلى إعاقة نمو الطفل نمو نفسياً طبيعياً.
3. إزاء الصرامة أو القسوة قد يتحول بعض الأطفال إلى العناد والمشاكسة فلا يستطيع الوالدين الوفاء باحتياجاتهم مهما فعلا.
4. انطواء وانعزال الطفل وشعوره بالخوف والرعب من أي شيء خاصة الأشخاص.
5. الإحباط والتأخر الدراسي.
العلاج:
إن العلاج الناجح لظاهرة القسوة وضرب الأطفال يجب أن يشمل الوالدين والطفل. بالنسبة للوالدين يجب إيضاح معنى الأبوة والأمومة لهما، وأنها تعني القدرة على توفير الحب والحنان والرعاية للطفل كل دقيقة دون الشعور بالاستياء ودون انتظار أي مقابل. أما بالنسبة لعلاج طفل يعاني من قسوة الآباء فيجب عرضه على الطبيب النفسي فوراً، خاصة إذا أدت سوء معاملة الأب وقسوته إلى إصابة الطفل. ويجب مصارحة الطبيب بما حدث وعدم إخفاء الحقيقة عليه مما يساعده في اختيار العلاج النفسي والطبي. ولعل أمثل طريقة لعلاج ظاهرة القسوة هي منع حدوثها، أملاً بنشر الوعي الصحي والإرشاد النفسي بين الأمهات حتى قبل الولادة وتهيئتهن لاستقبال الطفل.
الضرب في المنزل والأداء المدرسي:
أثبتت الدراسات أن أولئك الأطفال الذين يتعرضون إلى سوء المعاملة في المنزل، تمتد ساحة القتال من منازلهم لتشمل المدرسة. وهذا يؤدي بهم إلى الفشل الدراسي والرسوب في المدارس وإلى المصاعب مع سلطات المجتمع المختلفة.
وغالباً نجد الأطفال الذين يعانون الضرب والذين يعيشون في عالم عدواني غير مريح يجنحون إلى مصاحبة الأطفال من أمثالهم، وتسمع منهم دائماً مقولة (والدي أو مدرّسي لا يفهمني ولكن صديقي يفهمني) وهم نواة لظهور عصابات وجماعات البلطجة في الشوارع والمدارس. وهؤلاء يجذبون أولئك الذين يعانون من فقد الثقة بالنفس نتيجة للضرب والإهانة والتهديد والانتقام والحد من الحرية بدون منطق والإهمال العاطفي والجسدي.
إننا يجب ألا نتعجب إذا رفض الكثير من الصغار حياة الكبار وأسلوبهم، إننا يجب ألا نتعجب أن يلجأ من تعرض للضرب لاستخدام المخدرات ليتمكن من الدفاع عن نفسه في أول فرصة يستطيع فيها ذلك. إن هذه المفاهيم التي يستخدمونها حماية لأنفسهم من الآخرين تؤدي بهم في النهاية إلى الفشل والكوارث ولا أدل على ذلك من تلك السجون المليئة بأمثالهم.
نصائح وخبرات تربوية:
إذا قام طفلك بعمل يستحق العقاب
ـ اهدأ ولا تنفعل حتى ولو اضطررت إلى ترك المكان كي لا تفقد السيطرة على نفسك وتقدم على عقوبة غير مناسبة. فمن أكثر الأخطاء شدة الانفعال أثناء العقاب.
ـ أعطي لنفسك بعض الوقت. فالكثير من الآباء يجنحون إلى ضرب الأطفال عندما لا يجدون وقتاً للراحة في حياتهم وفي عجلة من أمرهم. لذلك فإنه من المهم أن يحصل الآباء على بعض الوقت من الراحة، في القراءة أو التمرينات الرياضية أو المشي أو التعبد والصلاة.
ـ كن محباً ولكن كن حازماً، استخدم عبارات لينة ولكن حاسمة. فلا تضرب يدي طفل صغير عندما يمسك ما نهيته عنه ولا تعتصر يده الرقيقة لكي تأخذ منه شيئاً في يده، خذ الطفل إلى مكان آخر وأعطيه لعبة أخرى لكي تشغل انتباهه ثم قل له بحزم ومحبة ما تريد.
ـ في مجال تربية الأطفال بصفة عامة يجب أن تكون للوالدين سياسة ثابتة إزاء معاملتهم. فإذا أظهرا موافقتهما على تصرف معين في وقت ما، لا يجوز إظهار عدم موافقتهما على نفس التصرف في وقت آخر إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، وعليهما في هذه الحالة أن يقدما تبريرات كافية ومقنعة لأسباب تغيير موقفهما. فالسياسة الثابتة هي التي تساعد الطفل على سرعة الحكم الصحيح على سلوكه ومعاملته معاملة سليمة.
ـ استخدم عقوبات أخرى غير الضرب عندما يفعل الأطفال أشياء تم نهيهم عنها واتفق الوالدين معه على عدم تكرارها. ويقصد بهذه العقوبات إعادة السلوك إلى طبيعته كأن يطلب من الطفل أداء أعمال منزلية معينة، أو أداء بعض الأعمال الشاقة خارج المنزل كتعويض عن عدم سماعه الكلام. إن مثل هذه العقوبات ذات الطابع الإيجابي تجعل الطفل يلتزم بما نهي عنه وتجعله يقبل العقاب.
ـ الانسحاب من النقاش: فأولئك الأطفال الذين يجيبون بصوت عالِ أو بانفعال شديد تراهم يعاندون ويكررون كلمات العناد كلما همّ الأب بالانصراف، مما يدفع الأب إلى صفعهم بقوة على الوجه. لذا من الأفضل للآباء في مثل هذه الأوقات الانسحاب سريعاً من الموقف. لكن لا تنسحب من الغرفة بغضب أو بمظهر المهزوم، فقط قل لطفلك " سوف انتظرك في الغرفة الأخرى إذا أردت أن تعترض أو تتحدث بهدوء مرة أخرى عن الموضوع".
ـ أبلغ طفلك بالممنوعات مقدماً: إن الأطفال دائماً يستخدمون الانفعالات الحادة كالصراخ والبكاء العنيف عندما يعاقبون على شيء لم يبلغوا مسبقاً بعدم عمله، أو نتيجة لإحساسهم بالعجز في موقف ما وهذا الانفعال الحاد قد يفقدك أعصابك. لذا بدلاً من أن تقول لابنك في التليفون مثلاً " سيب بيت صاحبك فوراً وتعالى دلوقت قل له أمامك خمس دقائق لتعود إلى البيت" في حال لم تتفق معه مسبقاً على موعد عودته.
ـ من الخطأ تهديد الطفل بعقوبة إذا اقترف ذنباً ما ومن ثم عدم تنفيذ العقوبة بعد أن يقوم باقتراف ما نهيته عنه.
وهنا بعض الملاحظات التي يرى الباحثون فيها فائدة كبيرة في مضمار التربية ومنها:
ـ عدم تجاهل قدرات أبنائنا أو الاستهانة بها أمامهم، لأن في هذا إجحاف بحقهم من جهة وسبب وجيه لتوليد مركبات النقص من جهة أخرى.
ـ بعض الأولاد أذكياء ولهم تصرفات خاصة قد تكون غير مألوفة، يجب استيعابها وتوجيه الطفل بشكل غير مباشر بما يضمن له النمو العقلي المتوازن.
ـ عدم معاقبة الأطفال بسبب حالات أصلاً تعتبر في علم النفس محاولة للتعرف والاستكشاف.
ـ الارتقاء بالمستوى الثقافي لأنه يساعد في معرفة أساليب التعامل مع الأولاد في كل مرحلة من مراحل نموهم.
ـ مصادقة المراهق (أنثى أو ذكر) وتحبيبه بالمحيط والمجتمع ودفعه إلى اختيار مهنة أو دراسة تتفق مع تطلعاته المستقبلية.
إذاً فالطفولة والمراهقة عالمان خاصان لذلك على المجتمع عموماً والأهل خاصة أن يفهما خصوصية هذين العالمين وخاصة أن كل إنسان يعيش هذه المراحل. فإساءة التصرف مع الطفل والمراهق وتطبيق العقاب بما لا يتناسب مع حجم الخطأ، أمر شديد الخطورة ينعكس على الطفل والمراهق وعلى تصرفاتهم. وبالتالي خطير لما يحدثه من أثر سلبي على الشخصية ولا سيما عندما يصبح راشداً يعبر طريقه إلى المستقبل.
][/frame][

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات