القرضاوي يجيز بناء الكنائس بديار الإسلام
محمد صبرة

الدوحة - أفتى فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بجواز "إقامة كنيسة للمواطنين والمقيمين المسيحيين في الدول الإسلامية" إذا كان لهم حاجة حقيقية إليها، بأن "تكاثر عددهم وافتقروا إلى مكان للتعبُّد، وأذن لهم ولي الأمر الشرعي بذلك". وأيد "السماح لل***** بإقامة كنيسة في قطر"، مشيرا إلى أنه "من حقِّ ولي الأمر السماح بذلك، بناء على فقه السياسة الشرعية التي تقوم على رعاية مقاصد الشرع، ومصالح الخلق"، داعيا ولي الأمر إلى الرجوع إلى فتوى العلماء الراسخين في هذا الشأن "حتى لا يقع فيما لا يحبُّه الله ولا يرضاه".
جاء ذلك في فتوى جديدة أصدرها فضيلته أمس حصل مراسل "إسلام أون لاين.نت" على نسخة منها.
وأجاز القرضاوي للمسلمين المشاركة في بناء وإقامة الكنائس، مشيرا إلى أن "كثيرا من علماء المسلمين يكرهون ذلك للمسلم؛ لأنه يعين على أمر يعتقده في دينه باطلا وضلالا".
واستند فضيلته في تأييده لإقامة كنائس ودور عبادة لغير المسلمين في الدول الإسلامية إلى رأي الإمام أبي حنيفة النعمان مخالفا آراء علماء المالكية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة الذين أفتوا بتحريم بناء الكنائس والعمل في تشييدها وإقامتها.
وكانت قطر قد شهدت في مارس الماضي افتتاح أول كنيسة كاثوليكية تحمل اسم "سيدة وردية"، وسمحت ببناء أربع كنائس لباقي أتباع الطوائف المسيحية؛ مما أثار جدلا بين علماء قطر بين مؤيد ومعارض.
ففي الوقت الذي أيد فيه د.عبد الحميد الأ***** عميد كلية الشريعة السابق بجامعة قطر إنشاء كنائس في الدول الإسلامية؛ استنادا لمبدأ المعاملة بالمثل، ولأن الإسلام يعترف بالمسيحية كديانة سماوية، رفض د. نجيب النعيمي هذا الأمر في قطر تحديدا؛ بحجة عدم وجود مواطنين قطريين مسيحيين، ولعدم وجود إجماع شعبي من مسلمي قطر على إنشاء كنائس.
مشاركة المسلم في بنائها
وجاءت فتوى القرضاوي ردا على سؤال تلقاه فضيلته من أحد المقيمين في قطر يستفسر عن: "حكم المشاركة في مناقصة بناء إحدى دور العبادة غير الإسلامية (كنيسة) مثل عمل شبابيك.. وفي حالة المشاركة فما حكم الربح الذي عاد على الشركة؟"
واستهل القرضاوي إجابته على السائل بالإشارة إلى اختلاف أقوال الفقهاء حول مشاركة المسلم في بناء إحدى دور العبادة لغير المسلمين، مثل: معبد للهندوس أو كنيسة لل*****.
واستعرض أولا رؤى الفقهاء القائلين بالتحريم، مبينا أن المالكية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وأبا يوسف ومحمدا صاحبي أبي حنيفة هم من ذهبوا إلى تحريم بناء الكنائس والعمل على تشييدها وإقامتها.
وبعد أن قدم بالتفصيل لآراء هؤلاء الفقهاء المعارضين لبناء الكنائس أجمل الأدلة التي قدموها في النقاط الخمس التالية:
1- قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2]، وفي تصميم الكنائس وبنائها وتشييدها إعانةٌ لهم على كفرهم، وتعظيمٌ لشعائرهم الباطلة.
2- أنّه عقد إجارة على منفعة محرَّمة، والمنفعة المحرَّمة مطلوب إزالتها، والإجارة عليها تنافيها، سواء شرط ذلك في العقد أم لا، فلا تجوز الإجارة على المنافع المحرَّمة.
3- أنّ الإجماع منعقد على حرمة بناء الكنائس وتشييدها وكذلك ترميمها، نقل الإجماع السبكي في فتاويه فقال: بناء الكنيسة حرام بالإجماع، وكذا ترميمها.
4- أنّ الشرائع كلها متفقة على تحريم الكفر، ويلزم من تحريم الكفر تحريم إنشاء المكان المتخذ له، فكان محرما معدودا من المحرَّمات في كلِّ ملَّة، والكنيسة اليوم لا تتَّخذ إلا للكفر بالله، فإنشاء الكنيسة الجديدة محرَّم، وإعادة الكنيسة القديمة كذلك، لأنها إنشاء بناء لها، وترميمها أيضا كذلك، لأنه جزء من الحرام.
5- قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } [الشورى:21]، فمَن أحلَّ بناءه فقد أحلَّ حراما، ومَن أذن في بنائه، فقد أذن في حرام، وشرع ما لم يأذن به الله، إذ لم يأذن الله في حرام أبدا.
أبو حنيفة يجيز
وانتقل رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بعد ذلك لعرض رأي الإمام أبي حنيفة الذي ذهب إلى جواز تعاقد المسلم على بناء الكنيسة أو إجارة الدار لتتخذ كنيسة، خلافا لرأي صاحبيه أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.

وعرض أيضا لأدلة ثلاثة طرحها الإمام أبو حنيفة وهي:
1- أنه لو بناها للسكنى لجاز، ولا بد فيها من عبادته.
2- أن المعصية لا تقوم بعين العمل (البناء)، وإنما تحصل بفعل فاعل مختار.
3- القياس على مَن أجر نفسه على حمل خمر لذميٍّ، وعنده: أن الإجارة على الحمل ليس بمعصية ولا سبب لها، والشرب ليس من ضرورات الحمل؛ لأن حملها قد يكون للإراقة أو للتخليل.
ما رجحه القرضاوي
وبعد هذا الاستعراض خلص القرضاوي إلى ما يرجحه في الأمر قائلا: والذي أراه أن إقامة الكنيسة لغير المسلمين من أهل الذمَّة، أو بعبارة أخرى: للمواطنين من المسيحيين وغيرهم، ممَّن يعتبرهم الفقهاء من (أهل دار الإسلام) لا حرج فيه إذا كان لهم حاجة حقيقية إليها، بأن تكاثر عددهم، وافتقروا إلى مكان للتعبُّد، وأذن لهم ولي الأمر الشرعي بذلك، وهو من لوازم إقرارهم على دينهم.
وتابع: ومثل ذلك غير المسلمين من غير المواطنين الذين دخلوا دار الإسلام بأمان، أي بتأشيرات دخول وإقامة، للعمل في بلاد المسلمين، وتكاثرت أعدادهم واستمرَّ وجودهم، بحيث أصبحوا في حاجة إلى كنائس يعبدون ربهم فيها، فأجاز لهم ولي الأمر ذلك في حدود الحاجة، معاملة بالمثل، أي كما يسمحون هم للمسلمين في ديارهم بإنشاء المساجد لإقامة الصلوات.
وقال القرضاوي: "أعتقد أن السماح لل***** بإقامة كنيسة في قطر يدخل في هذا الباب، وهو من حقِّ ولي أمر، بناء على فقه السياسة الشرعية التي تقوم على رعاية مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، وتوازن بين المصالح بعضها وبعض، والمفاسد بعضها وبعض، والمصالح والمفاسد إذا تعارضتا، ويجب على وليِّ الأمر الرجوع إلى فتوى العلماء الراسخين، حتى لا يقع فيما لا يحبُّه الله ولا يرضاه".
وبناء عليه خلص القرضاوي إلى حكم مشاركة المسلم في بناء دور العبادة تلك قائلا: "إذا أجزنا لهم إقامة هذه الكنائس في دار الإسلام، فما سُمِح لهم به وأجازه علماء الشرع، يجوز المشاركة في بنائه وإقامته، وإن كان كثير من العلماء يكرهون ذلك للمسلم، لأنه يعين على أمر يعتقده في دينه باطلا وضلالا، فالمعاونة فيه داخله بوجه في قوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]".
الجدير بالذكر أن بناء الكنائس داخل الجزيرة العربية بمفهومها الجغرافي (وقطر جزء منها) يواجه معارضة شديدة من العلماء والفقهاء على اختلاف مدارسهم الفقهية، خاصة بعد طلب الفاتيكان من الملك عبد الله خادم الحرمين الشريفين السماح ببناء كنيسة داخل المملكة.

مراسل إسلام أون لاين في قطر