عندما تقرأ بعض سير القديسين نستغرب طرق عيشهم, كان يبني قديس لنفسه عمودا كمنسك له ويحيا عليه. من كان بعيدا عن الأيمان يرفض أساليب كهذه متسائلا: ألا يستطيع أن يحيا في مكان آخر وبأسلوب آخر؟ الأجابة ببساطة هي النفي لأن الذي يحيا مع الله يختلف عمن كان بعيدا عنه.فمن أحب الله وتذوق فرح الملكوت ونور القداسة والطهارة والعفة وسما عن ماديته, يفرح بأن يسجن نفسه في مغارة مثلا متنسكا عائشا مع الله وحده, أو أن يبني لنفسه عمودا يبعده ولو مكانيا عن محيطه ليتفرغ للنسك والصلاة.
رب سائل يقول: أليس على مثل هذا الأنسان أن يكون في العالم لأفادته من خبرته الأيمانية دون العيش بأنانية؟ اجواب بسيط جدا : قال الرب :"أنتم نو العالم لا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت"(متى14:5). هذا يعني انه مهما حاول الأنسان المتقدس بالنعمة الهروب من العالم لا بد أن يكشف الله نوره من خلاله لتعرف المسكونة به, لتأتي اليه للأفادة الروحية حتى ولو كان عمق أعماق الصحراء . وأخبار القديسين في هذا المجال كثيرة جدا .فمن عشق الله عشق الحياة معه, كما يطلب الحبيب أن يكون دائما مع محبوبه, هكذا من كان الله حبيبه. فلا يدين البعيد عن الله من كان قريبا منه لأن لكل انسان موهبة الهية غرسها الله في كيانه والفرق بين انسان وآخر أن هناك من ثمر موهبته والآخر طمرها.( مثل الوزنات مت14:25-30).
هكذا هي حال أبينا البار سمعان الجديد الذي ولد في مدينة انطاكية في أواسط القرن السادس . كانت أمه مرتا من النساء اللواتي أحببن الرب بصدق وامانة, فكانت مثالا للأم المسيحية.وعلى هذا الأيمان تربى سمعان.
توجه في ريعان شبابه نحو دير قريب من انطاكية في جوار جبل يدعى الجبل العجيب, وتنسك هناك وتتلمذ على يد القديس يوحنا العمودي وأخذ منه طرق الكمال. في بداية حياته الروحية عاش ضمن أسوار الدير في منسك قائم على عمود. وبعد فترة من الجهاد قبله يوحنا ليعيش معه على عموده. فعاشا معا سنين طويلة في حياة جهاد وقداسة أساسها الصمت والتواضع والصوم وتلاوة المزامير بصلاة لا تنقطع.
وبعد جهاد طويل , متتلمذا على يد القديس يوحنا العمودي, اتخذ سمعان لنفسه عمودا خارج أسوار الدير عاليا ومنفردا .فكان ملاكا أرضيا وانسان سماويا يقتاق من حشائش الجبل ولا يشرب من الماء الا القليل. وقد تتلمذ على يده كثير من الرهبان ليسمعوا ارشاده. كما علم الناس به وصاروا يأتون اليه من كل البلاد حاملين معهم امراضهم الجسدية والروحية. فكان لهم أبا ومعينا وشافيا. وقد ترك كتابات كثيرة خصوصا في الأمور الروحية لأرشاد النفوس العطشى الى الملكوت.
بقي سمعان ملازما حياته الملائكية على العمود خمسا وأربعين سنة. رقد بعدها في الرب سنة 595.