7-- قال المسيح إنه مقيم الموتي ومحيي الرميم:
قال المسيح أيضًا لليهود:
«الحق الحق أقول لكم تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته (صوت المسيح)، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة» (يوحنا5: 28و29).

هنا نحن نجد شيئًا أكثر عجبًا مما ذكرناه الآن! فليس أن صوت ابن الله يحيي الموتى روحيًا فقط، بل إن ما لا يحصى من البلايين الذين دخلوا القبور، سيخرجون من القبور بمجرد سماعهم لصوته!
الكل سيسمع صوته وهم في القبور، حتى أولئك الذين لم يسمعوه في حياتهم على الأرض. وإذ يسمعون صوته سيخرجون من قبورهم ليقفوا أمامه للحساب.
هذا معناه أن المسيح هو مقيم الأموات ومحيي الرميم. ونحن نعلم أن هناك أشخاصًا ماتوا من آلاف السنين، يستحيل جمع ذرات أجسادهم، وقد تبعثرت في أربع أطراف المسكونة، وأربع رياح الأرض، ولكن سيأتي يوم فيه يسمعون صوته مناديًا، فيخرجون جميعهم من قبورهم، سواء كانوا أشرارًا أم صالحين!
من ذا الذي يقدر أن يبعث رممًا إلى الحياة؟ أ يقدر إنسان أن يبعث أناسًا ماتوا من آلاف السنين، وتحللت أجسادهم فعادت إلى التراب، وزرع في مكان دفنِهم بستان، طلعت فيه أشجار، أكل منه الإنسان والحيوان، وهؤلاء بدورهم ماتوا وتحللت أجسادهم، وهكذا دواليك!
من هو هذا الذي صوته يقيم جميع الذين في القبور؟ أ يمكن أن يكون مجرد إنسان؟ وإن لم يكن هو الله فمن يكون؟ أ يعطي الله مجده لآخر؟ أ يشارك أحد المخلوقات الله في قدرته المطلقة؟
والمسيح لم يقل ذلك فقط، بل برهنه عمليًا إذ أقام الرميم فعلاً، كما حدث عند إقامته للعازر من الأموات وهو ما سنوضحه في الفصل الثالث. وذلك الصوت الذي دعا لعازر فخرج فورًا بعد أن كان قد أنتن، سيخترق في يوم قادم قبور البشر جميعهم، ويأمر الأرواح أن تلبس أجسادها من جديد لتقوم من موتها.
8- قال المسيح إنه أتى من السماء إلى الأرض.
فلقد قال المسيح لليهود:
«لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني» (يوحنا6: 38)

كثيرون يؤمنون بأن الله رفع المسيح إلى السماء، وهذا طبعًا شيء عظيم، ولكن ما يؤكده المسيح هنا لا مرة ولا مرتين بل سبع مرات في فصل واحد هو يوحنا 6 أنه نزل من السماء (ع 33و 38و 41و 42و 50و 51و 58).
وفي مناسبة أخرى قال المسيح لليهود: «أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم» (يوحنا8: 23). وهو عين ما أكده لنيقوديموس قبل ذلك: «وليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يوحنا13: 13).
وعن هذا الأمر عينه قال يوحنا المعمدان: «الذي من الأرض هو أرضي، ومن الأرض يتكلم، الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع» (يوحنا3: 31). ترى ما الذي دفع المعمدان أن يقول ذلك؟ لماذا اعتبر المعمدان أن الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع؟ الإجابة لأن الذي يأتي من السماء لا يمكن أن يكون مجرد إنسان. فالإنسان مصدره أرضي. فإن لم يكن إنسانًا. فمن يكون إذًا؟
ثم إن هذا يتضمن أيضًا معنى آخر، أعني به سبق الكينونة. فإن مولد المسيح في ”بيت لحم“ لم يكن بداية وجوده، فمع أنه خرج من بيت لحم، كما يقول عنه النبي ميخا في العهد القديم، لكن هو الذي «مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (ميخا5: 2؛ متى 2: 6). بمعنى أنه هو الأزلي.
وفي مناسبة أخرى قال المسيح لتلاميذه: «خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب» (يوحنا16: 28). لاحظ أنه في العبارة الأولى يقول ”خرجت من عند الآب“، ولم يقل ”تركت“ الآب، بينما في العبارة الثانية يقول ”أترك العالم“. فعندما يتحدث عن خروجه من عند الآب فالإشارة هنا إلى لاهوته، ذلك اللاهوت الذي يملأ السماء والأرض، ولكن عند حديثه عن تركه للعالم فإنه يتحدث عن ناسوته ومحدودية هذا الناسوت.
إذا كان المسيح قال إنه أزلي، ونحن نعرف أنه ليس أزلي سوى الله، أ لا يكون المسيح بهذا قد قال أيضًا أنا هو الله؟ وهذا الحق ذُكر في العديد من الفصول في الإنجيل ذاته مثل 1: 1؛ 17: 5، 24
9- قال المسيح إن روحه الإنسانية ملكه وتحت سلطانه:
فقال لليهود:
«ليس أحد يأخذها (نفسي) مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أيضًا أن آخذها» (يوحنا10: 17).


حقيقة يعملها الجميع، ويُعلِّم بها الكتاب المقدس أيضًا، أنه «ليس لإنسان سلطان على الروح» (جامعة8: 8). أما المسيح فكان له السلطان على روحه، نظرًا لأنه لم يكن مجرد إنسان. وهو لم يقل ذلك فقط، بل نفذه أيضًا، فلقد مات ليس لأن قواه نفدت، أو لأن السر الإلهي خرج منه، بل يقول الوحي: «فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح» (متى27: 50). لاحظ عبارة ”أسلم الروح“، وهي عيارة – نظرًا لأهميتها - تكرر ذكرها في البشائر الأربع (متى27: 50؛ مرقس15: 37؛ لوقا23: 46؛ يوحنا19: 30).
وفي إنجيل يوحنا الذي يحدثنا عن المسيح ابن الله، يذكر شيئا جميلاً عن المسيح، فيقول إنه ”نكس رأسه، وأسلم الروح“. فليس أن روحه خرجت، ورأسه تدلدلت، بل إنه أولا نكس رأسه، استعدادًا للموت الذي كان سيدخله بكامل إرادته، ثم أسلم الروح.
ولذلك فإن استفانوس الشهيد الأول في المسيحية لحظة موته قال للمسيح: «أيها الرب يسوع اقبل روحي» (أعمال 7: 59)، وأما المسيح فإنه عند موته قال: «يا أبتاه في يديك أستودع روحي». ذلك لأن استفانوس مجرد إنسان، ولكن المسيح قَبِل أن يصير إنسانًا، وهم ليس مجرد إنسان، كما ذكرنا مرارًا، بل هو الله وإنسان في آن.
10- قال المسيح إنه ”النور“
فلقد قال لليهود:
«أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يوحنا 8: 11)

نحن نعرف من هو نور السماوات والأرض، فيذكر الكتاب المقدس أن «الله نور» (1يوحنا1: 5). وفي العهد القديم قال داود: «الرب نوري وخلاصي» (مزمور27: 1). فأن يقول المسيح إنه هو ”نور العالم“، بل وأكثر من ذلك، هو يعد كل من يتبعه ألا يمشي في الظلمة، بل يكون له ”نور الحياة“، أي النور الذي يفضي إلى الحياة والذي يمتع بالحياة؛ فهذا معناه بكل وضوح أنه هو الرب. ونلاحظ أن البشير يوحنا ذكر عن المسيح إنه النور في إنجيل يوحنا، لا مرة ولا مرتين، بل 21 مرة (3×7).
كان المسيح في اليوم السابق مباشرة قد دعا كل العطاش لكي يأتوا إليه ويشربوا (يوحنا7: 37-39)، أي إنه وعد البؤساء بالري والانتعاش، وهنا يدعو الذين في ظلمة الخطية والجهل ليأتوا إليه فيتمتعوا بنور الحياة!
والمسيح يقول عن نفسه إنه ”النور“، في الوقت الذي يقول فيه عن يوحنا المعمدان النبي العظيم، بل الذي هو أفضل من نبي، إنه ”السراج الموقد المنير“ (يوحنا5: 35). لاحظ الفراق الكبير بين ”النور“ ومجرد ”السراج“. بكلمات أخرى، بين المطلق (النور) والنسبي (السراج).
والمسيح لم يقل ذلك فقط، بل برهن عليه فورا، في المعجزة العظيمة التي فعلها بعد ذلك مباشرة، إذ منح نعمة البصر لمولود أعمى، وسنتأمل – بمشيئة الرب - تلك المعجزة في الفصل الثالث.
11- قال المسيح إنه الراعي الصالح:
فلقد قال المسيح لليهود:
«أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف» (يوحنا10: 14).

هذه الآية تحمل أكثر من دليل على كون المسيح هو الله، فالراعي الذي يرعى الأفراد والجماعات أيضًا، لا يمكن أن يكون - بحسب تعليم العهد القديم – شخصًا آخر بخلاف ”الرب“، ”الله“. قال داود: «الرب راعيّ فلا يعوزني شيء » (مزمور23: 1)، وقال إشعياء النبي عن الرب: «كراعٍ يرعى قطيعه، بذراعه يجمع الحملان، وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات» (إشعياء 40: 11). فالراعي هو الرب الله.
ثم إن المسيح قال هنا: «أنا هو الراعي الصالح». وفي مناسبة أخرى قال المسيح: «ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله». فكون لا أحد صالح إلا الله، وكون المسيح صالحًا، كقوله هنا «أنا هو الراعي الصالح» يعني أنه قال عنه نفسه إنه هو الله.

12- قال المسيح إنه هو القيامة والحياة
فلقد قال لمرثا: «أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد» (يوحنا11: 24-26).

قيلت هذه العبارة عندما ذهب الرب يسوع إلى بيت عنيا ليقيم لعازر من الأموات. ونحن نعلم أنه لم يقل كلمات مثل هذه أي نبي قبل المسيح، ولا أي رسول بعده، مع أن بعضهم أقام موتى. إنها عبارة مملوءة بالجلال، بحيث لا يمكن لشخص بشري أن يقول نظيرها، ما لم يكن مدعيًا. فالمسيح يوضح بتلك الكلمات أنه ليس معلمًا بشريًا يتحدث عن القيامة، بل هو المصدر الإلهي لكل قيامة، سواء كانت روحية الآن، أو حرفية في أوانها. كما أنه أصل وينبوع كل حياة، طبيعية كانت أم روحية أم أبدية.
فهذه العبارة إذا هي عبارة فريدة وتعطي دلالات أكيدة على لاهوت المسيح. فذاك الذي هو مصدر الحياة، والذي فيه كانت الحياة (يوحنا1: 4)، قَبِل أن ”يذوق بنعمة الله الموت“ (عبرانيين 2: 9)، ليمكنه أن يكون أيضًا القيامة لمن يؤمن به. وحده وليس سواه – بموته وقيامته - أمكنه أن يبطل الموت، وينير الحياة والخلود بواسطة الإنجيل (2تيموثاوس1: 10).
13- قال المسيح إنه يستجيب الدعاء

فلقد قال لتلاميذه في حديث العلية:
«ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن. إن سألتم شيئا باسمي فإني أفعله» (يوحنا14: 13، 14)

لا يوجد شخص ممكن أن يسمع كل دعوات الداعين، الصاعده له من كل العالم، إلا الله وحده. وأي ادعاء بأن هناك مخلوق يمكن أن يستمع إلى نداءات البشر الذين يتجهون إليه، هو ادعاء عار من الصحة. أسفي على الذين ألَّهوا البشر، ونسبوا لهم سماع الصلوات واستجابتها. لقد قال إيليا النبي العظيم مرة لأليشع: «ماذا أفعل لك، قبل أن أؤخذ منك؟» (2ملوك2: 9). لاحظ قوله: ”قبل أن أؤخذ منك“، وأما المسيح فهو ما زال يفعل، وذلك بعد رحيله بألفي سنة. إنه يسمع الصلوات ويستجيبها. هذا ما أكده المسيح هنا، وما اختبره كل المؤمنين الأتقياء.
ونلاحظ أن المسيح لم يقل هنا: ”مهما سألتم باسمي فذلك يفعله الآب“، ولم يقل ”إن سألتم شيئًا باسمي فإن الآب يفعله“، بل قال: «فذلك أفعله»، وأيضًا «فإني أفعله».

14- قال المسيح إن تلاميذه بدونه لا يقدرون أن يفعلوا شيئًا.
فلقد قال في حديثه الأخير مع تلاميذه في العلية أيضًا:
«لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا» (يوحنا15: 5).


في هذه الأقوال ينسب الرب يسوع لنفسه القوة والقدرة على كل شيء. ونلاحظ أن الرب قال هذا لتلاميذه، ليس في بداية تواجده معهم، بل في نهايته، وفي نفس ليلة آلامه. فهو كان مزمعًا أن يتركهم، لكنه يؤكد لهم أنه بلاهوته باقٍ معهم. وعليهم أن يدركوا أنهم لن يقدروا أن يعملوا أي شيء بدونه. وهذا معناه أنه ليس مجرد إنسان، غيابُه عنهم ينهي عمله، بل إن لاهوته ظاهر في أقواله هنا، وهم بدونه لن يقووا على عمل أي شيء.
والعكس أيضًا صحيح، فلقد قال الرسول بولس: «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني» (فيلبي4: 13).
ونلاحظ أن المسيح لم يقل في المقابل: ”لأني بدونكم لا أقدر أن أفعل شيئًا“. فكون المسيح يستخدمنا، فليس ذلك لأنه بدوننا عاجز، حاشا، بل إنه يكرمنا بأن يقبل أن يستخدمنا في عمله، وهو وحده الكفؤ لهذا العمل، فمسرة الرب بيده تنجح (إشعياء53: 10).