- تكثير الخبز:
دائرة أخرى أظهر فيها المسيح لاهوته، تختلف عن الدوائر السابقة، فهذه المعجزة ليست مثل معجزات الشفاء، أو إسكات العاصفة أو إخراج الشياطين، فيها أرجع الرب شيئًا إلى سابق عهده القديم، إذ أعاد للمريض صحته الضائعة، وأعاد للبحر سكونه وهدوءه وأعاد للإنسان المجنون عقله، بل إن المسيح في هذه المعجزة أوجد شيئًا لم يكن له سابق وجود، أي أوجده من العدم. وهذا معناه أن المسيح ”يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة“. وهذه واحدة من الخصائص الإلهية (رومية 4: 17).
ونظرًا لأهمية هذه المعجزة فقد وردت في البشائر الأربع (متى14: 14-21، مرقس6: 30-44، لوقا9: 10-17، يوحنا6: 1-15). وبالنظر إلى ذلك فإنه يمكن اعتبار هذه المعجزة أشهر معجزة، بالإضافة إلى استفادة أكبر عدد من الناس بها.
والمسيح كان يعرف أنه سيعمل تلك العجيبة. ويوضح لنا البشير يوحنا أن المسيح أمسك بزمام المبادأة عندما سأل فيلبس: «من أين نبتاع خبزًا ليأكل هؤلاء؟ وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه علم ما هو مزمع أن يفعل».
ولقد أكل الجميع وشبعوا، وليس كما قال فيلبس «يأخذ كل واحد شيئًا يسيرًا». لقد أعطاهم الرب «بقدر ما شاءوا» (يوحنا6: 11)، و”فضل عنهم“!
والذين ينكرون المعجزات قدموا تفسيرات فجة لهذه المعجزة العجيبة. قال واحد مهم، إن الجموع أكلت أقل القليل من الأرغفة الخمسة، ومع ذلك فإنهم شبعوا، وقال آخر إن ما فعله الصبي الصغير، إذ قدم الأرغفة التي عنده، حفز كل من كان معه طعام أن يخرجه ويشارك به الآخرين، فأكل الجميع وشبعوا. ولكن هذه التفسيرات تعسفية ولا نجد ما يؤيدها في النص على الإطلاق. فبالنسبة للتفسير الأول لا يعقل أن الخمسة الأرغفة يمكن أن تشبع خمسة آلاف رجل بدون النساء والأولاد، مهما اكتفوا بأقل القليل. ثم حتى لو افترضنا هذا المستحيل، يبقى السؤال: من أين أتت القفف الفاضلة بعد أن شبعوا؟ ثم إن الوحي يناقض هذا التفسير عندما يخبرنا إن الناس ”أكلوا بقدر ما شاءوا“. وبالنسبة للتفسير الثاني ينقضه أيضًا ما ذكره البشير يوحنا من أن الجموع في اليوم التالي هرولت إلى حيث كان المسيح، وهو عرف غرضهم وكشف عدم إيمانهم إذ قال لهم: «أنتم تطلبونني، ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم» (يوحنا6: 26).
التفسير الوحيد المنطقي والمقبول إننا هنا أمام واحدة من أعظم المعجزات التي تبرهن لاهوت المسيح، والتي تعلن مجده باعتباره الخالق، الذي «قال فكان، هو أمر فصار».
ثم كرر المسيح مرة ثانية هذه المعجزة عندما أشبع نحو أربعة آلاف، ما عدا النساء والأولاد، وهي المعجزة التي وردت في بشارتي متى15: 32-39، ومرقس8: 1-10. فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة»!
8- إقامة الموتى
إن معجزات إقامة الموتى تعتبر من أعظم الأدلة على لاهوت المسيح. فيقول الرسول في رومية 1: 4 إن المسيح «تعين (أو تبرهن إنه) ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات».
لاحظ أحدهم أن المسيح لما كان هنا على الأرض لم يعظ في أية جنازة، وذلك لأنه إذ كان يوجد في مكان، كان الموت يهرب من أمامه! ولقد أقام المسيح في أثناء خدمته الكثيرين من الذين كانوا قد ماتوا. وتسجل لنا البشائر الأربع ثلاثة أشخاص بالذات أقامهم المسيح من الأموات: وهم كالآتي: ابنة يايرس (متى9: 23-26، مرقس5: 35-43، لوقا8: 49-56)؛ ثم ابن أرملة نايين (لوقا7: 11-17)؛ وأخيرًا أقام المسيح لعازر الذي من بيت عنيا (يوحنا11: 1-44).
في المعجزة الأولى أقام المسيح ابنة يايرس بعد موتها بفترة وجيزة، حيث كانت ما تزال على فراشها وفي غرفتها.
والذين ينكرون المعجزات يقولون إن البنت، باعتراف الرب، لم تكن قد ماتت، حيث قال المسيح: «لم تمت الصبية، لكنها نائمة»، وبالتالي فلا توجد معجزة على الإطلاق. لكن الفهم البسيط للحادث كما روته البشائر الثلاثة يقودنا إلى التسليم بأن البنت كانت قد ماتت فعلاً (قارن مع كلمات لوقا الطبيب 8: 53). أما قول المسيح عنها ”إنها نائمة“، فهو لطمأنة أهل البنت المائتة، وهو يشبه قوله عن لعازر الذي كان قد مات ودفن وأنتن: «لعازر حبيبنا قد نام، ولكني أذهب لأوقظه» (يوحنا11: 11). وهذا معناه أن الموت والمرض والنوم كلها تستوي في نظر الرب.
قال أحد القديسين: إنه بالنسبة لنا هناك صعوبة في أن نيقظ شخصًا نائمًا، أكثر من الصعوبة التي عند المسيح ليقيم واحدًا من الموت. وهذا الأمر واضح ليس فقط في قصتنا هذه، إذ كانت البنت قد ماتت من بضع دقائق، بل حتى بالنسبة للعازر الذي كان قد مات من أربعة أيام، ودُفن وأنتن.
عندما وصل الرب إلى البيت، وجد هناك الضجيج والبكاء. وهذا يؤكد كم الإنسان ضعيف أمام هذا العدو اللعين الموت، والذي يُسمى في الكتاب ”ملك الأهوال“! لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للرب يسوع. لقد قهر المسيح عدو البشرية الأول، أعني به الموت. وكان هذا برهانًا على أنه هو الرب، إذ «عند الرب السيد للموت مخارج» (مزمور68: 20).
وعندما قال المسيح «لم تمت الصبية لكنها نائمة». فإنهم في عدم إيمانهم استهزئوا به. ”ضحكوا عليه“. ومن ضحك هؤلاء الأشرار نتيقن أن البنت كانت قد ماتت فعلاً، فلقد خدمت ضحكاتهم الشريرة قصدًا صالحًا، وكانت بمثابة شهادة وفاة للبنت، تعلن أن البنت كانت قد ماتت فعلاً.
«فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها ، فقامت الصبية، فخرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها» (متى9: 25و26).
وفي المعجزة الثانية، أقام المسيحُ الشابَ ابن أرملة نايين، وكان قد مات من فترة أكبر، إذ كانوا يشيعونه إلى القبر، وفي الطريق التقى موكب رئيس الحياة بموكب الموت، فأقام الشاب من النعش ودفعه إلى أمه!
يا لروعة المعجزة! يا لقوة ربنا يسوع! بهذه البساطة يقهر المسيح عدو البشرية المرعب والمخيف!
لكننا هنا نرى بالإضافة إلى قوة الرب ونصرته على الموت، ترفق المسيح وحنانه على الأرملة المحطمة التي انكسر عكازها، وانطفأت شمعتها، وهي ماضية لتدفن آخر أمل لها في الحياة. لكن القوي الحنان تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون، وبكلمة واحدة منه انتهر الموت، وأعاد الشاب الميت إلى أمه صحيحًا معافى!
هذا هو طابع إنجيل لوقا الذي انفرد بذكر هذه المعجزة. ولهذا فإنه بخلاف ابنة يايرس التي حضر أبوها يدعو المسيح ليشفي ابنته من المرض ثم ليقيمها من الموت، وبخلاف لعازر الذي أرسلت أختاه تطلب من المسيح ليحضر ليشفيه من مرضه، فإن المسيح في هذه المعجزة لم يرسل إليه أحد ولا طلب منه أحد شيئًا. إنها النعمة التي تأخذ زمام المبادرة وتقيم الميت.
ونلاحظ أن المسيح هنا لم يصلِ كما فعل قبل ذلك إيليا عند إقامته ابن الأرملة التي كان نازلاً في بيتها (1ملوك17: 20-22)، وكما بعد ذلك بطرس عند إقامته لطابيثا (أعمال9: 40)، ولا اضطجع فوق الميت كما فعل قبل ذلك إليشع عندما أقام ابن الشونمية (2ملوك4: 33-35)، ولا وقع على الميت ليعتنقه كما فعل بولس عند إقامته لشاب آخر اسمه أفتيخوس (أع20: 10)، بل كما كان يأمر الأمراض فتهرب من قدامه، ويأمر الشياطين فتخرج من الشخص، ويأمر الريح والبحر فيصير هدوء عظيم، هكذا هنا أيضًا باعتباره رئيس الحياة، أمر فعادت الحياة للشاب المائت!
أما المعجزة الثالثة فقد كانت أصعب وأهم معجزات إقامة الموتى، أعني بها معجزة إقامة لعازر بعد موته بأربعة أيام. وكان فيها قد دفن في القبر وأنتن. والمسيح قبل إقامة لعازر كان قد قال عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد» (يوحنا11: 25، 26)
لقد كان المسيح على الجانب الآخر من الأردن مع تلاميذه حين وصلته أخبار مرض لعازر، لكنه لم يتحرك فورًا لشفائه، بل انتظر توقيت الآب له، قائلاً: «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله لكي يتمجد ابن الله به» (ع5). ثم بعد ذلك قال لهم: «لعازر حبيبنا قد نام، ولكنني أذهب لأوقظه» (ع 11). أ يقدر مجرد إنسان أن يتكلم بمثل هذه الثقة؟ يعرف موت حبيبه وهو بعيد عنه، لكن ليس ذلك فقد بل يتحدث بلغة الواثق فيقول إنه سيذهب ليوقظه!
ولما لم يفهم التلاميذ ما الذي كان يقصده الرب من قوله: «لعازر حبيبنا قد نام»، فقد تكلم معهم بلغتهم التي يفهمونها وقال لهم: «لعازر مات».
وهنا نحن أمام اللاهوت، فالذي يتكلم هو العليم بكل شيء، والموجود في كل مكان، كلي القدرة، القادر حتى على إحياء الميت بعد مماته. إنه هو ذاك الذي «يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة» (رومية4: 17).
ويخبرنا الوحي بأن ما عمله المسيح كان بقوته الشخصية، ولكي يتمجد هو نتيجة ما حدث. ونلاحظ أن المسيح ذكر مجد الله ومجده هو في تتابع لافت، فقال: «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به». ومن ها يتضح أن مجد الله، ومجد ابن الله هو مجد واحد، لا تناقض بينهما ولا حتى مجرد اختلاف.
ولما جاء إلى القبر قال: «ارفعوا الحجر». وهنا اعترضت مرثا، وقالت له: «يا سيد قد أنتن، لأن له أربعة أيام». كأنها أرادت أن تقول: ”لا فائدة من المحاولة“. قال لها الرب: «أ لم أقل لكِ إن آمنتِ ترين مجد الله؟».
ثم رفع المسيح الشكر للآب، وبعدها صرخ بصوت عظيم، لا ليسمعه لعازر، بل «لأجل , الجمع الواقف»، وقال: ”لعازر هلم خارجًا“. وهي المرة الوحيدة التي فيها نادى الرب الميت باسمه. ولقد أصاب القديس أغسطينوس عندما قال: ”لو لم يكن الرب في هذه المعجزة قال «لعازر»، لكان كل الأموات الذين في المدفن قد قاموا“.
عند القبر لم يقل المسيح: في اسم الآب قم أيها الرجل، ولا قال أرجوك يا أبي أن تقيم لعازر، بل أصدر أمرًا للميت: «لعازر هلم خارجًا، فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل» (يوحنا11: 43، 44). حدث هذا في وضح النهار، وأمام شهود قد يعدوا بالعشرات أو بالمئات. ونحن لا يمكننا أن نتخيل معجزة ممكن أن تكون أوضح أو أقوى من تلك التي عملها المسيح، كآخر معجزة مسجلة له في إنجيل يوحنا. وأن يسمع الميت الصوت الذي يناديه، ويطيعه، ويخرج الميت أمام جمع حاشد في المدفن، فهذا برهان أكيد على لاهوت المسيح.
وكما انفرد لوقا بذكر المعجزة السابقة، معجزة إقامة الشاب ابن أرملة نايين، فقد انفرد يوحنا بذكر هذه المعجزة، فيوحنا في إنجيله يحدثنا عن المسيح ”ابن الله“. ويوحنا اكتفى من معجزات إقامة الأموات بذكر هذه المعجزة وحدها، فهي الأصعب. فإقامة الميت بعد أن أنتن، لا تقل عظمة عن الخلق نفسه , أن يجمع الله ذرات جسد الإنسان بعد تحلله، هذا – بكل تأكيد - يتطلب عظمة قدرة الله الفائقة (أفسس1: 19، 20، فيلبي3: 20، 21).