(6)
أهمية هذا الحق

لقد تأكد لنا الآن، بعد هذا الذي شرحناه في الفصول السابقة من الكتاب، أن المسيح قال عن نفسه بطرق متنوعة وعديدة، أنه هو الله. وإني أتذكر هنا كلمات أحد الفلاسفة المسيحيين قال ما معناه: إنه في ضوء تلك الإعلانات الواضحة التي قالها المسيح عن نفسه، يستحيل أن يكون المسيح مجرد إنسان صالح، بل من المُحتَّم أن نصل إلى قناعة من ثلاث: أن تقول إنه كاذب يستحق الاحتقار، أو مجنون يستحق الرثاء، (وأنا أنأى بنفسي وبقارئي تمامًا عن هذه الأقوال المهلكة)، وأما الافتراض الثالث، الذي لا محيص عنه، فهو أن نؤمن بأنه هو الله الي ظهر في الجسد، ونتعامل معه على هذا الأساس، بما يليق به من تقدير وإكرام، ومن عبادة وسجود.

اعتراضات
كثيرون من الذين يرفضون الإيمان المسيحي، يقولون إن أمورًا كالثالوث الأقدس، وطبيعة المسيح المزدوجة (اللاهوت والناسوت) هي فوق العقل.
عزيزي الفارئ: هل أنت من الذين يقولون إنهم لا يستطيعون أن يستوعبوا كيف يكون الله واحدًا وثلاثة أقانيم في آن؟ دعني أسألك إذًا: وهل تقدر أن تستوعب الله في شخص واحد؟ بكلمات أخرى إني أسألك: هل تقدر أن تستوعب الله الذي خلق كل الأشياء، وبالتالي هو قبل كل الأشياء، أو بكلمات أخرى هو أزلي؟
قارئي العزيز: سيظل الله فوق العقل. قال عنه واحد من أصحاب أيوب: «هوذا الله عظيم ولا نعرفه، وعدد سنيه لا يفحص»، وقال أيضًا: «القدير لا ندركه» (أيوب 36: 26؛ 37: 27). ومن أين لعقول محدودة أن تستوعب اللامحدود؟
ومع ذلك فإننا لسنا في حيرة ولا ظلام، ولا نحن - مثل الوثنيين – نتعبد ”لإله مجهول“ (أعمال17: 23). لقد أعطانا الله كلمته الصالحة التي عرفتنا من هو الله، ويمكننا أن نقول له، مع عبد الرب داود: «بنورك نرى نورًا» (مزمور36: 9).

ويعترض آخرون على الإيمان المسيحي قائلين: إنه يستحيل أن الله يُصلب، فالله روح. أو يقولون: كيف للإله أن يتألم ويعاني ويموت؟ ونحن نجيبهم بالقول: نعم هذا كله مستحيل بالفعل، ولهذا كان ينبغي أن يتجسد هذا الإله، لكي يعاني ويتألم ويموت! وآخرون يقولون إنه من غير المعقول ولا المقبول أن الله يولد. كما أنه من غير الممكن أن يقدِّم الله نفسه لنفسه. ونحن نقول إن هذا الاعتراضات تتجاهل حقيقة الأقانيم، وحقيقة التجسد، وأن الابن هو الذي مات، عندما قَبِل أن يتخذ لنفسه جسدًا.
لهذا فإننا سنتحدث في هذا الفصل عن معنى كل ذلك، وضرورته. لكن دعني أشاركك أولاً ببعض الأفكار. فلقد ميَّز الله الإنسان بالعقل. وبقدر ما هذه الميزة عظيمة، بهذا القدر سوف يحاسبه الله إن لم يستعملها. ولقد أعطاه أيضًا إرادة حرة. لقد أعطى الله خليقته قبسًا من سلطانه، وسمح أن يكون الواحد رئيسًا لنفسه، وأن يقرر بنفسه ولنفسه أي اتجاه يختار، وإلى أي مصير ينتهي.
ونظرًا لبركة العقل والاختيار الحر، فإن الإنسان إن شاء أن يرفض الكتاب المقدس والتعاليم الإلهية التي يحويها، فهو حر في ذلك، وأما إن قبل تعليم الكتاب المقدس، فإنه من المستحيل – كما أوضحنا في هذا الكتاب - التملص من الإقرار بأن يسوع الكتاب المقدس هو الله. نعم هو الله الذي ظهر في الجسد. إن الإيمان بلاهوت المسيح – كما رأينا ونحن ندرس جانبًا من هذا الموضوع العظيم - هو في صلب نسيج الكتاب المقدس، في لحمته وسداه. بل إننا إذا نزعنا من المسيحية لاهوت المسيح، لا يبقى منها شيء. ثم كيف يمكن أن يكون لموت إنسان واحد كل هذا التأثير على جميع الناس، وهو الأمر الذي نحسه وندركه ممن حولنا، كما أنه أيضًا مُعلَن في كل أجزاء العهد الجديد.

لماذا تجسد ابن الله؟
والآن دعنا من كلمة الله نبحث عن السبب الذي جعل ابن الله يأتي أولاً في صورة الاتضاع؟
كان أمام المسيح العديد من الأغراض ليقوم بالتجسد:
أولاً: حنين الإنسان للتواصل مع الله، ورغبة الله في التواصل مع الإنسان.
كانت البشرية تحن حنينا جارفًا للتواصل مع الله، فلقد خلقنا الله على صورته كشبهه، وبلغة أحد الفلاسفة الأقدمين: لن يمكن للنفس أن تجد راحتها حتى تلتقي بالله. ولكن بالأسف كان هذا مستحيلاً على البشر بعد السقوط. ولقد استغل الشيطان هذا الحنين في قلب الإنسان، وانحرف به لينشر الوثنية في العالم. لقد كان البشر في ذلك مثل ابن تائه لا يعرف لنفسه أب، وكان يشتاق لمعرفة من هو أبوه.
ونحن نستمع إلى هذا الحنين من كثير من رجال الله في العهد القديم. فمثلاً قال أيوب الصديق في سفر أيوب23: 8و9 «هأنذا أذهب شرقًا فليس هو هناك، وغربًا فلا أشعر به، شمالاً حيث عمله فلا أنظره، يتعطف الجنوب فلا أراه». كما تجاسر موسى النبي يومًا وقال لله: «أرني مجدك! فقال له الرب لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش» (خروج33: 18-20). بل حتى في العهد الجديد عبَّر عن هذه الأمنية العزيزة واحد من تلاميذ المسيح إذ قال له: «أرنا الآب وكفانا» (يوحنا14: 8). لاحظ قوله ”أرنا“ وليس ”أرني“، فلقد كان بهذه الطلبة يعبر عن رأي الآخرين من التلاميذ أيضًا.
ومن كان بوسعه أن يعلن الله لنا سوى أقنوم ”الكلمة“، أعني المسيح ابن الله. فكما أن الكلمة هي التعبير عن الشخص، هكذا كلمة الله تعبر عن الله. ولذلك قال الرسول يوحنا: الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا1: 18).
إذًا فلقد كان غرض التجسد الأول هو أن يعلن للناس الذات الإلهية بكيفية يمكن للذهن أن يستوعبها، والعقل أن يفهمها، والقلب أن يعبدها
ثانيًا: ليكون قريبُا منا، ويشاركنا ظروفنا
أعلن الله من القديم إنه غير منفصل عن شعبه. فقال مثلاً إنه «في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم» (إشعياء 63: 9). لكن كيف يمكن للإنسان أن يفهم هذا؟ كيف يفهم الإنسان أن الله المنزه عن الشعور بالألم، يمكنه حقًا أن يشعر بآلام البشرية؟ أ ليس هو منفصلاً عنا في برجه، بعيدًا بعيدًا في سماه؟ لكن هذه الحيرة انتهت، وهذا السؤال أجيب عنه، عندما أتانا «عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (متى 1: 23)، ووصل إلى مركز بؤسنا نفسه. يقول كاتب العبرانيين عن المسيح: «من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء، ليكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا. ويقول أيضا: «في ما هو قد تألم مجربًا، يقدر أن يعين المجربين» (عبرانيين2: 17و 18).
ثالثًا: أن يكون الوسيط بين الله والناس
صرخ أيوب قائلاً: «ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا» (أيوب 9: 33). وأين نجد ذلك الوسيط العظيم الذي يمكن أن يضع يده على كل من الله والناس في آن. هل ملائكة السماء يصلحون لأن يفعلوا ذلك؟ هل الكروبيم أو السرافيم يصلحون لهذا العمل؟ أ يمكن للكروب أو للسراف أن يضع يده في يد الله؟ ماذا نقرأ عن ”سرافيم“ إشعياء 6؟ إنهم لا يقدرون أن ينظروا وجه الله، ولا أن يُرَوا منه! إنهم عبيده، وهو خلقهم، فكيف يمكنهم أن يضعوا أيديهم في يده تعالى؟ كنا نحتاج إذًا إلى شخص يكون ندًا لله، ويكون ندًا للبشر، ليمكنه أن يقوم بعمل الوسيط بين الله والناس، فيضع يده على كل من الله والإنسان. ولم يوجد في كل الكون من يقدر أن يفعل هذا سوى المسيح، وذلك نظرًا لاتحاد لاهوته بناسوته.
قال عنه الرسول: «فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا» (كولوسي2: 9). فهو له جسد، لأنه قَبِل أن يصير إنسانًا، لكن في هذا الناسوت القدوس يحل كل ملء اللاهوت!
لكن توسط المسيح استلزم منه أن يقوم بعمل الفداء، فبعد أن قال الرسول: «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح»، استطرد قائلاً: «الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع» (تيموثاوس الأولى2: 5، 6)، وهو ما سنتحدث عنه الآن