[frame="13 80"]



أحببنا أن ننشر وثيقة تتكلّم بصفة غير مسيحيّة عن ربّنا يسوع المسيح. والوثيقة هي تقرير أرسله الحاكم بيلاطس البنطي إلى الإمبراطور طيباريوس قيصر، يتكلّم فيه عن ظهور يسوع المسيح الناصري في الجليل. عني بترجمة وطبع ونشر هذه الوثيقة الأب دوماديوس البرموسي سنة 1940 عن مخطوطة موجودة في مكتبة الفاتيكان. وتجدر الإشارة أنّنا حتّى الآن لا نملك دليلاً قاطعًا عن صحّة هذه الوثيقة. على كلّ حال أردنا نشرها لتكون للجميع محطّة نستفيد منها في تعميق إيماننا بالمسيح وبعمله الخلاصي من أجلنا.




"جلالة الملك طيباريوس قيصر الملك المفخّم،


بعد تقديم ما يجب لسامي المقام من السلام والإكرام أعرض: إنّ الحوادث التي حصلت في ولايتي في هذه الأيام، هي ذات شأن عظيم، حتّى رأيت من المناسب أن أحرّر لجلالتكم تفصيلاتها، لأنّه لا عجب إذا كانت تغيير مستقبل أمّتنا مع مرّ الأيام وكرّ الأعوام. لأنّه يظهر لي أنّ الآلهة غضّت الطرف وتخلّت عنّا في هذه الأيام، حتّى أنّي أكاد ألعن اليوم الذي استلمت فيه زمام حكومة اليهوديّة عقب (فاليريوس جراتيوس)، ولكن هكذا قدّر وهكذا صار.


عند وصولي إلى أورشليم، استلمت محلّ القضاء، وأمرت بإعداد وليمة فاخرة دعوت إليها رئيس ربع الجليل ورئيس الكهنة وحاشيته ومعيّته. ولكن لم يحضر أحد منهم في الميعاد المقرّر للحضور، فاعتبرت ذلك مسبّة وإهانة لمركزي ومقامي. وبعد أيام قليلة، تنازل جناب رئيس الكهنة وزارتي. وكانت تلوح على وجهة الهيبة والخداع، وادّعى أنّ ديانته لا تبيح ولا تجيز له ولا لحاشيته الجلوس على مائدة الرومانيّين واهراق السكائب معهم. فرأيت أن الأقرب إلى الصواب والسياسة قبول اعتذاره. لكنّي تأكّدت من هذه اللحظة أنّ هذه الأمّة المقهورة التابعة لنا أضمرت العدوان والمناوأة لأسيادها المستولين عليها. ويظهر لي أنّ مدينة أورشليم هي المدينة الوحيدة التي يصعب حكمها بخلاف باقي المدن التي استولينا عليها، فإنّ دأب سكّانها الميل إلى العدوان والهيجان والاضطراب، بحيث أنّني دائمًا في أرق وقلق وجزع وفزع لئلاّ يخلعوا دثار الطاعة ويحدثوا القلاقل والفتن. وليس عندي لقمعهم وإخضاعهم سوى قائد مائة وشرذمة قليلة من العسكر تعدّ بالأصابع، وطلبت من والي سوريّة أن يرسل لي إمدادات، فأخبرني أنّه لا يستغني عن نفر واحد من عساكره فإنّهم غير كافين لحماية ولايته وحفظ الأمن إلاّ بشقّ النفس.


وأخشى أنّ التولّع الزائد لفتح البلاد وتدويخ العباد وتوسيع مملكتنا بزيادة فاحشة حتّى نعجز عن حمايتها والدفاع عنها يكون سببًا في ضعضعة أركان حكومتنا الفخيمة.


ومن الإشاعات التي طرقت أذني واستلفتت أنظاري بنوع خصوصي، هذه الإشاعة: وهي أنّ شابًا ظهر في الجليل يدعو الناس بمسحه وبلهجة شريفة إلى شريعة جديدة. وكنت أخشى في مبدأ الأمر أن تكون غايته توغير الصدور على الرومانيّين وإغراءهم على القيام عليهم، ولكن، زال ما كان يختلج فؤادي من الريب وأنقشعت مخاوفي. فكان يؤخذ من كلام يسوع الناصري أنّه يميل إلى الرومانيّين أكثر من ميله إلى اليهود.


وفي ذات يوم، كنت مارًّا في جهة (سلوا) حيث كان مجتمعًا جمهور من الناس، رأيت في بهوة الحلقة شابًا متوكّئًا على شجرة يخاطب الجمهور بهدوء وسكون. فقلت بعد الاستفهام إنّ هذا الشخص هو يسوع، وهو ما كنت أنتظره وأتوقّعه ويلهمني إليه وجداني.


فإنّه كان يوجد بينه وبين السامعين فرق عظيم، فلون شعره الذهبي ولحيته اللطيفة جعلت هيأته سماويّة، ويظهر أنّه بلغ من العمر ثلاثين سنة.


ولم أر في حياتي وجهًا صبوحًا أحلى أو أصفى أو أنقى من وجهه. وما أعظم الفرق بينه وبين سامعيه ذوي اللحى السوداء واللون الأسمر. ولمّا كنت لا أريد أن أشوّش عليه استمررت في السير، ولكني أوعزت إلى كاتبي (مانيليوس) حفيد زعيم المتآمرين الذين حلّوا في (أتروربه) في انتظار (كاتلين)، وكان مانيليوس سابقًا من اليهوديّة وله إلمام باللغة العبريّة، وأظهر الولاء والأمانة لي وهو جدير بثقتي.


ولمّا دخلت محلّ القضاء، لقيت مانيليوس فقصّ عليّ أقوال يسوع التي نطق بها في (سلوا)، ولم أسمع في خطب الخطباء ولا في مؤلّفات الفلاسفة كلامًا يشبه كلام المسيح وجوامع علمه.


فسأله أحد اليهود القساة العصاة (فإنّ أمثال هذا العاتي كثيرون في أورشليم) وقال له: هل يجوز أن نعطي الجزية والجباية لقيصر أم لا؟ فأجاب يسوع: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.


فلذا أعطيت هذا الناصري بسبب حكمة أقواله حريّة تامة، لأنّه كان في استطاعتي وإمكاني إلقاء القبض عليه ونفيه إلى بنطس، ولكن لو فعلت هذا لكان منافيًا للإنصاف والعدل اللذين اشتهر بهما الرومان. فلم يكن هذا الرجل من المفسدين ولا من العصاة. وجعلته تحت ظلّ حمايتي ورعايتي، وإن لم أطلعه على ذلك. فيجوز له أن يفعل كيف يشاء، ويتكلّم مع من يشاء، ويجتمع مع الناس ويخاطبهم ويختار تلاميذه بلا تضييق عليه ولا قيد. فإذا قدّر (لا سمحت الآلهة بوقوع هذا الفال)، بأن تنسخ ديانة يسوع ديانة أسلافنا وجدودنا يكون سبب دفن ديانة روما في الرمس وزوالها من الوجود وإطلاق عنان الحريّة للناس في الديانة، وأكون أنا الرجل التعيس آلة ووسيلة فيما يسميّه المسيحيّون العناية ونسمّيه نحن بالمكتوب المقدّر.


ولكنّ إطلاق الحريّة ليسوع هيّج الأغنياء والأقوياء لا البائسين الفقراء (ولا ينكر أنّ يسوع كان صارمًا على الأغنياء الأقوياء) ومن رأيي أنّ عدم تقييد حريّة الناصري هو لحكمة سياسة مفيدة، فكان يقول للكتبة والفريسيّين ما نصّه "يا أولاد الأفاعي أنتم تشبهون القبور المبيّضة"، وكان يزدري بصدقة العشّارين الصّادرة عن الكبرياء، وأوضح لهم أنّ فلس الأرملة هو عند الله خير وأبقى وأثمن وأغلى. وكانت تقام شكاوي جديدة كلّ يوم في محلّ القضاء على وقاحة اليهود. وبلغني أنّهم عزموا على الفتك به، وليست هذه المرّة الأولى التي رجمت فيها أورشليم أنبياءها. وبلغ عتوهم أن قالوا: إذا لم تنصفهم الولاية رفعوا دعواتهم إلى قيصر. ومع كلّ هذا، وقع سلوكي من مجلس (السناتو) في روما موقع الاستحسان، ووعدوني بإرسال الإمدادات بعد الحرب (البارتيانيّة). وبما أنّه إذًا استفحل الأمر وحصلت ثورة فليس في استطاعتي إخمادها لعدم وجود القوّة الكافية. فلذلك عزمت على اتّخاذ هذه الطريقة التي تتكفّل باستتباب الهدوء والسكون في المدينة بدون تعريض الولاية للذلّ والاستكانة بالرضوخ لمقترحاتهم.


فأرسلت خطابًا إلى يسوع، طالبًا مقابلته في محلّ القضاء للتحدّث معه، فلبّى الطلب. ولا يخفي عنكم أنّ في عروقي يجري الدم الإسباني المختلط بالدم الروماني بحيث لا أخشى من اضطراب الجأش. ولمّا وصل كنت أتمشّى في المحكمة وظهر أنّ قدمي ربطتا بيد من حديد بأرض المحكمة المبلّط بالرخام، وارتعدت فرائصي كأنّي مجرم مع أنّ الناصري كان هادئًا ساكنًا. ولمّا دنا منّي وقف وأشار لي: ها أنا قد أتيت. فتفرّست بالإنذهال والهيبة في هذا الرجل العجيب الصورة والهيئة التي لم يكن لقرائح المصوّرين والنقّاشين أن يأتوا بمثل هذا الشكل البديع، مع تفنّنهم في رسم صورة الآلهة والأبطال. وأخيرًا قلت له ولساني متلعثم: يا يسوع الناصري، قد منحتك في الثلاث السنين الماضية حريّة وافرة لتخاطب الناس، وإنّني غير متأسّف على هذا، فإنّ أقوالك هي أقوال حكيم ولا أعرف إذا كنت طالعت كتب سقراط أو أفلاطون أو غيرهما، ولكنّ الأمر الأكيد عندي هو أنّ خطاباتك وأقوالك مشهورة بالبساطة السامية التي ترفع قدرتك على أولئك الفلاسفة. وبلغ الإمبراطور خبر هذا، وبما أنّني النائب عنه في الحكم على هذه الأمّة فأنا منشرح لأنّي منحتك هذه الحريّة فإنّك جدير بها...


ومع ذلك فلا أخفي عنك أن أقوالك وخطاباتك أحدثت لك أعداء أقوياء ألدّاء، ولا عجب في هذا، فقد كان لسقراط أعداء، ومن شدّة بغضهم له جرّعوه غصص المنون. وأعداؤك يستاءون منك لسببين: أوّلهما أقوالك، وثانيهما الحريّة التي خوّلتها لك. بل اتهموني بالاتحاد معك سرًّا لنجرّد العبرانيّين من السلطة الطفيفة التي تركتها روما لهم. فغاية ما ألتمسه منك، ولا أقول على سبيل الأمر، هو أن تزداد تبصّرًا واحتياطًا في المستقبل. ولا توغّر أعدائك لئلاّ يهيجوا عليك الأوباش، ويحملوني على استعمال آلات العدل.


فأجاب يسوع الناصري بهدوء: يا حضرة أمير الأرض، إنّ أقوالك هذه ليست صادرة من الحكمة الحقيقيّة. أيجوز أن تقول للتيار قف في وسط الجبل، لأنّه يستأصل أشجار الوادي؟ إذن لأجابك هذا التيار الجارف قائلاً: يجب عليّ أن أطيع نواميس الخالق. فالله هو الذي يعرف وحده المحلّ الذي يصب فيه التيّار. الحق أقول لك إنّه قبل أن يزهر نرجس شارون يهرق دم البار.


فأجبته بروعة وقلت له: لا يسفك دمك فإنّ منـزلتك عندي بالنظر إلى حكمتك هي أسمى من منـزلة جميع القدّيسين المتغطرسين الميّالين إلى الهيجان والعدوان، الذين لم يعرفوا قيمة الحريّة التي خوّلها الرومان لهم، بل تألّبوا على القيصر وتآمروا عليه وتوهّموا أنّ ما أظهرناه لهم من اللين هو خوف. ولم يدر هؤلاء الأسافل الوقحاء أنّه قد يلبس أحيانًا ذئب الأحراش جلد الغنم. وعلى كلّ حال إنّني سأحميك من مكائدهم، وسراي عدالتي هي مفتوحة لك تلتجئ إليها في أي وقت شئت.


فأطرق يسوع رأسه بلا مبالاة ولا اهتمام، وقال بلطف وتبسّم: إلهي متى حلّ يوم ابن الإنسان لا يكون له ملجأ في الأرض ولا تحت السماء، وإنّ ملجأ البار هو هناك. قال هذا مشيرًا إلى السماوات، وأنّه ينبغي أن يتمّ ما هو مكتوب في كتب الأنبياء. فأجبته بتودّد وقلت له: أيّها الشاب، أنّك تلزمني على تغيير طلبي إلى أمر. فإنّ سلامة الولاية التي فوّض لي الاهتمام بشأنها تسلتزم ذلك، والواجب عليك أن تراعي زيادة الاعتدال في خطاباتك، واتبع أوامري ولا تنقضها، ولترافقك السعادة، وأودعك في أمان الله.


فأجاب يسوع وقال: يا أمير الأرض، إنّي لم آت بحرب إلى هذا العالم بل أتيت بسلام ومحبّة. ولدت في اليوم الذي أعطى فيه أغسطس قيصر سلامًا للعالم الروماني، فالاضطهاد لا يصدر منّي بل من غيري، وسألاقيه طاعة لإرادة أبي الذي أراني الطريق. إذا أكظم تبصّرك الدنيوني فليس في طاقتك ولا في استطاعتك أن تحجز الذبيحة عن الفداء... قال هذا وأختفى كظل لامع خلف ستار السراي.


فالتجأ اليهود أعداء يسوع إلى هيرودس الذي كان واليًا على الجليل وطلبوا منه أن ينفث انتقامه على الناصري. فلو فوّض لهيرودس الأمر، لأمر بقتل يسوع حالاً. ولكن مع تباهيه وافتخاره بمقامه الملوكي كان يخشى من الإقدام على عمل يحطّ من نفوذه.


ففي ذات يوم زارني هيرودس في محلّ الولاية. ولمّا عزم على الانصراف بعد أحاديث تافهة، استفهم منّي عمّا أراه بخصوص الناصري فأجبته قائلاً: يظهر أنّ يسوع من كبار الفلاسفة الذين يندر ظهور مثله في الأمم العظيمة، وإنّ تعاليمه لا تمسّ حرمة الدين مطلقًا. وإنّ غاية روما أن تطلق له الحريّة في الخطابة، فإنّ سلوكه وتصرّفه يجعلان له حقًّا في ذلك. فتبسّم هيرودس تبسّم الحقد والخبث وانصرف إلى حال سبيله بعد أن سلّم عليّ سلام متهكّم.


وبما أنّه عيد اليهود العظيم، كان غرض اثمة اليهود انتهاز فرصة ضجّة ورجّة وهرج ومرج الشعب، التي كانوا يظهرونها في احتفالات الفصح لدرك مآربهم. وكانت المدينة غاصّة برعاع اليهود أصحاب الشغب والاضطراب الذين كانوا يصيحون طالبين قتل الناصري. وأفادني رسلي بأنّ خزينة الهيكل صرفت على إغراء القوم على الهياج، والخطب، المبلغ الجسيم، حتّى تطاولوا على قائد مائة روماني بالشتم. وطلبت من والي سوريّة أن يرسل إليّ مائة عسكري من المشاة ومائة أخرى من العساكر الخيّالة حتّى يسعفني، فرأيت نفسي فريدًا بشرذمة من العساكر يعدّون على الأصابع في وسط مدينة عاصية، وليس في استطاعتي تسكين هذا الاضطراب وإخماد نيران الشغب. ولم يبق سوى ترك الأمور تجري في مجاريها. فألقى الأوباش الهائجون القبض على يسوع. ولمّا آنسوا عدم الخوف من الحكومة، إذ ظنّوا مع زعمائهم أنّني جزع وفزع من ثورتهم، تمادوا على الصياح قائلين: اصلبه، اصلبه.


وقد تحالف وتآمر في هذا الوقت ثلاثة أحزاب أقوياء. وبيان ذلك أنّ الهرودسيّين اتّحدوا مع الصدّوقيّين على إحداث الشغب والاضطراب لسببين، أولهما: تعصّبهم ضدّ الناصري، وثانيهما: تولّعهم لخلع نير روما والتحرّر من سلطانها. فلم يغفروا لي دخولي مدينتهم المقدّسة بالبنادر والعلام المرسوم عليها صورة إمبراطور روما، وقد وقعت في هذا الخطأ المشئوم جهلاً منّي بعاداتهم، فاستبشعوا واستعظموا هذا الأمر الثّاني الذي أوغر صدورهم. وممّا زاد حقدهم وكيدهم هو أنّني كنت أمرت بصرف جانب من خزينة الهيكل في تشييد أبنية ذات منافع عموميّة فنبذوا هذه الإشارة ظاهريًّا.


وأيضًا كان الفريسيّون أعداء المسيح الألدّاء ولم يكترثوا بحكومتنا وتجرّعوا غصص التوبيخات والتنديدات الصارمة التي رجمهم بها الناصري مدّة ثلاث سنوات، حيثما توجّه، ولمّا كانوا على جانب عظيم من النذالة والجبن وخور العزيمة، ولجوا باشتياق وولع أبواب مشاحنات الهرودسيّين والصدوقيّين. وزيادة على هذه الأحزاب الثلاثة، عليّ أن أكافح الأوباش والرّعاع الجامحين في الغوايات، الميّالين. إلى الانحياز إلى الثورات والفتن، لأنّهم يستفيدون من الفوضى والاختلال الناشئ عن هذه الفتن.


فساقوا يسوع إلى أنّ أتوا به أمام رئيس الكهنة الذي كان وقتئذ قيافا، فأبدى رئيس الكهنة عملاً دلّ على خضوعه السخري، فإنّه لو كان خاضعًا حقيقيًّا وممتثلاً امتثالاً صادقًا لما حكم على يسوع بالموت. فأرسل إليّ لأنطق بالحكم على يسوع، فأجبته قائلاً: بما إنّ يسوع كان جليليًّا فهذه القضيّة هي من اختصاصات هيرودس، وبناء عليه أمرت بإرساله إلى اليهوديّة... وكنت اقترنت بزوجة من الغال (فرنسا) ادّعت أنّ لها علمًا بالمستقبل، فبكت وألقت بنفسها عند قدميّ وقالت لي: احترس، ولا تمسّ هذا الرجل لأنّه قدّوس، فقد رأيته البارحة في رؤيا الليل ماشيًا على الماء وطائرًا على أجنحة الرياح، وكلّم العاصفة وأسماك البحيّرة، وكان الكلّ مطيعًا له ممتثلاً لأمره، وها هوذا سيل جبل قدرون جاريًا بالدّم وتماثيل القيصر ملآنة بأقذار حيوانيّة، وأعمدة الإنتربيم سقطت وسترت الشمس حدادًا كالعذارى الباكيات على القبر، فيا بيلاطس إذا لم تُنصت لالتماس زوجتك لا بدّ أن يلاقيك الشرّ، وأخش لعنة السناتور الرومانيّ وبأس قيصر.


وفي هذه الأثناء، كادت سلالم الرخام أن تسقط من ثقل الأفواج الكثيرة، فأتوا ثانية بالناصري إليّ، فتوجّهت إلى كرسي القضاء يتبعني حرسي، وسألت المتجمهرين بصوت صارم عمّا يطلبونه، فأجابوا: نطلب موت الناصري. فقلت لهم: وأي ذنب اقترفه؟ فأجابوا قائلين: إنّه قد جدّف وتنبّأ عن خراب الهيكل، وقال إنّه ابن الله وإنّه الماسيّا ملك اليهود. فقلت لهم: إنّ القانون الروماني لم يقدر عقابًا بالموت علّة مثل هذه الذنوب. فصاح هؤلاء الجماهير العتاة القساة قائلين: اصلبه، اصلبه. وكاد صياح هذه الجماهير الهائجين المائجين أن يزعزع أساس القصر. وكان في وسط هذه الجماهير الكثيرة شخص ساكن هادئ، وهذا الشخص هو الناصري. وبعد أن بذلت جهودي مرارًا عديدة لوقايته وحمايته من مضطهديه القساة المجرّدين من الشفقة والرحمة لم يجد ذلك نفعًا، فاتخذت هذه الطريقة التي ظهر لي أنّها الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياته، وهي أنّني أمرت بجلده. ثمّ طلبت طشتًا وغسلت يدي أمام الجماهير مشيرًا بذلك إلى استهجان عملهم. ولكن لم يأت ذلك بثمرة ولا فائدة، فإنّ نفوس أولئك الأشقياء ظمآنة لقتله.


وكثيرًا ما رأيت في ثوراتنا الداخليّة هيجان الجماهير وأحقادهم، ولكن ليست بشيء بالنسبة لما رأيت من اليهود في هذه الحالة، حتّى يمكن أن يقال أنّه قد اجتمعت جميع الأرواح الجهنميّة في أورشليم، وكان يلوح لي أنّ هؤلاء الجماهير غير ماشين على الأرض بل محمولين على الأمواج المتلاطمة من أبواب محلّ القضاة لغاية جبل صهيون، يعجّون ويصيحون ويجأرون ويزأرون، ممّا لم يسمع بمثله في فتن البانوتيّة أو في ميدان روما.


فأخذ النهار يعتّم ويظلم بالتدرّج مثل شفق الشتاء، وكان مثله مثل الظلام الذي شوهد عند موت يوليوس قيصر العظيم الذي كان في 15 آذار. أمّا من جهتي أنا والي هذه البلاد، فكنت متّكئًا على عمود من أعمدة قصري شاخصًا من الظلام المخيف إلى أدوات العذاب التي يجذبون الناصري البريء ليجرعوه من خلالها غصص المنون. وخلا جميع الجهات التي حولي فإنّ أورشليم تقيّأت جميع الساكنين فيها إلى بوّابة الجنازة التي تؤدي إلى جمونيكه، وأكتنفتني هيئة الخراب والتحسر، وأنضمّ حرسي إلى الخيّالة وقائد المائة لإظهار ظلّ القوّة باذلين الجهد لحفظ النظام. فصرت وحيدًا منفردًا. وناجاني فؤادي بأنّ هذه الأمور الحاصلة الآن هي من متعلّقات الآلهة وليست من متعلّقات إنسان. وسمع صياح وصراخ عال من الجلجثة محمولاً على الرياح منبئًا بكرب لم يطرق أذن إنسان مثله من قبل، فنـزلت سحب مظلمة معتمة على أجنحة الهيكل استقرّت على المدينة وكأنّها سترتها بحجاب. وكانت العلامات التي ظهرت في السماء والأرض هائلة مخيفة، حتّى صاح ديونيسيوس الأريوباغي قائلاً: إمّا أن يكون خالق الطبيعة متألّم أو أنّ العالم أخذ في التمزّق.


وفي الساعة الأولى من الليل خلعت ردائي ونزلت إلى المدينة وتوجّهت إلى بوابة الجلجثة، وكان قد مضى الأمر وتمّت الذبيحة. وعادت الجماهير، وإن كانت هائجة مائجة إلاّ أنّه كان يلوح على وجوههم الكمد واليأس واشتغال البال، لأنّه اعتراهم التحسّر والفزع ممّا شاهدوه. وكذلك رأيت فرقتي الرومانيّة مارّة وعليها هيئة الاكتئاب. وغطّى رافع اللواء صورة النسر (وهي علامة علم الرومانيّين)، علامة على الحداد والغمّ. وكان بعض العساكر يهمسون بعض ألفاظ غريبة لم أفهم معناها. وكان البعض الآخر يروون عجائب وغرائب تكاد تشبه الغرائب التي كثيرًا ما أصابت الرومانيّين بإرادة الآلهة. وكانت تقف أحيانًا زمر من الرجال والنساء ساكنين باهتين موجّهين أنظارهم إلى جبل الجلجثة منتظرين طروء أمر آخر.


فرجعت إلى كرسي القضاء كاسف البال كثير التفكير والبلبال. ولمّا صعدت السلالم التي كانت لا تزال ملوّثة بدم الناصري، شاهدت رجلاً هرمًا في حالة الاستغاثة والتوسّل، وكان خلفه جملة من النساء باكيات، فألقى نفسه عند قدميّ وبكى بكاء مرًّا. ولعمري إنّه يوجعني ويؤلمني رؤية رجل هرم يبكي، فقلت له بلطف: يا أبي، من أنت وما هي طلبتك؟ فأجاب قائلاً: أنا يوسف، من أرماثا أتيت متعطّفًا حضرتكم وأنا جاث على ركبتي أن تأذن لي بدفن الناصري. فقلت له: قد أجبت طلبك. وفي الحال أمرت مانيلوس أن يأخذ بعض العساكر معه ليلاحظ ويباشر دفنه لئلا يتعرّض أحد له.


وبعد أيام قليلة وجد القبر فارغًا، وأذاع تلاميذ يسوع في أطراف البلاد وأكنافها أنّ يسوع قام من بين الأموات كما تنبأ. فبقي عليّ القيام بهذا الواجب وهو إبلاغ جلالة الملك هذه الحوادث المكدِّرة.


وبناءً عليه بادرت بتحرير هذا. ولم أنته من تحرير هذا البلاغ إلاّ وبزغ نور النهار. وفي هذا الوقت طرق أذني صوت نفير يضرب بنغمة ديانا، فوجّهت نظري نحو بوابة قيصر، فشاهدت فرقة من العساكر وسمعت من على بعد أبواقًا تضرب سلام قيصر. فاتّضح لي أنّها الإمدادات التي وعدتني الحكومة الرومانيّة بإرسالها، ويبلغ عددها نحو ألفي نفر من نخبة العساكر الذين مشوا طول الليل ليتيسّر لهم الوصول بسرعة، فصرخت فاركًا يديّ: قد قدّر وقوع هذا الإثم العظيم، ولو وصلت العساكر لما حصل ما حصل، ولكن هل تقول أنّ العساكر وصلوا اليوم لمنع حدوث فعلة البارحة؟


فتبًّا لهذا الدهر الغدّار الذي يعبث بأحوال البشر. ولعمري لقد صدق ما صرّح به الناصري وهو معلّق على الصليب: "قدّ تم".




[/frame]
منقول