د. جورج عوض إبراهيمالمركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية
يذكرنا هذا السؤال بمثل السامرى الصالح الذى كان يتمركز حول سؤال الناموسى للمسيح: مَنْ هو قريبي؟ والمفهوم المحورى للمثل هو بمثابة الإجابة على هذا السؤال. فالمسيح يعلمنا من خلال المثل أن كل إنسان بغض النظر عن هويته الإثنية أو الدينية هو قريبنا.
يقول القديس كيرلس عن معنى القريب: [ لنلاحظ كيف أن المخلص في تعريفه لمعنى القريب لا يحصره في جنس معين ولا يربطه بمستوى الفضائل، لكنه يطلقه على الطبيعة الإنسانية. وبمهارة شديدة نسج مخلص الكل المثل عن الذي سقط بين اللصوص موضحًا أن عمل الخير يجب أن يكون لكل إنسان فيما تحتاجه الطبيعة الإنسانية، في هذا المثل يُظهر السيد كيف أن القريب ليس هو المحب لذاته، لكنه هو ذاك الذي يتجاوز محبة ذاته.
وكما قال أوليفيه كليمنت: [ الأعجوبة الحقيقية بالغة الصعوبة هى إذن، تكمن فى تحقيق مثال المحبة العملية بالمفهوم الروحى الإنجيلى لهذه الكلمة: " الأغابى" أى محبة الآخرين خلال محبتنا لله.
الدخول فى علاقة حميمة مع الله هو فى الواقع: الانقياد الواعى لحركة محبته الإلهية الفائقة التى تنسكب فينا بالروح القدس من خلال إيماننا بالمسيح والتى توحى إلينا أن الآخر (وهو كل إنسان أيًا كان) هو "قريب" لنا قرابة حميمة تفوق الأنساب الجسدية بكثير.
العلاقة بهذا "القريب" هى التلاقى مع المسيح الذى جعل ذاته فى كل إنسان يتألم: المنبوذ والمسجون والشرير، كما يذكرنا بذلك مشهد الدينونة الأخيرة فى إنجيل متى (35:25ـ40): " كنت جوعانًا فأطعمتمونى، كنت عطشانًا.. كنت عريانًا.. كنت مسجونًا.. الحق أقول لكم: كل ما فعلتموه بأحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم".
المحبة "الأغابى" تعلن لنا أن كل إنسان، وعلى وجه أخص كل إنسان يتألم، هو سر المسيح، هو "مسيح آخر" كما يقول ذهبى الفم، فالإنسان جُبِلَ ليكون على علاقة حميمة بالله الواحد المثلث الأقانيم
إليكم بعض التعاليم المسيحية عن قبول الآخر:
1 ـ الله الثالوث منبع المحبة:
لكن اكتشاف المفهوم الحقيقي للآخر الذى نادى به المسيح في المثل، مرهون بمعرفة الله كآخر بالنسبة للإنسان. والله كما عَلَّمنا الإنجيل لم يراه أحد قط لكن الابن الوحيد ـ كما يخبرنا يوحنا الإنجيلي ـ الذى في حضن الآب، هو الذى كشف لنا الله المحب. ومن هنا فالسامرى الصالح هو المسيح المحب الذى كشف لنا محبة الله لنا. ماذا فعل المسيح لأجلنا؟ يقول القديس كيرلس السكندرى في تفسيره للمثل: [ والمسيح إلهنا صار بداية لجنسنا، فهذا الذى لم يعرف الخطية هو أول من أظهر لنا كيف يمكننا أن نتخطى شهواتنا الحيوانية، إذ أخذ ضعفاتنا وتحمّل أمراضنا، وبإصعاده على دابته ذاك الذى كان في حاجة إلى الشفاء، جعلنا أعضاء لنفسه ولجسده، وقاده إلى الفندق أى الكنيسة. فالكنيسة تدعى الفندق الذي يقبل الكل، ويتسع للكل بعكس المفهوم الضيق للناموس اليهودى والعبادة الشكلية فبدلاً من أن نسمع القول " ولا يدخل عمونى ولا موآبي في جماعة الرب" (تث3:23) نسمع " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (مت19:28) وأيضًا " في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده" (أع35:10)][
إعلان المسيح عن الله هو إعلان الله الثالوث " الآب والابن والروح القدس":
ففى الخلق نجد أن الله الثالوث يخلق، فالآب بالابن في الروح القدس يخلق المخلوقات: " بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها" (مز6:33). فالآب يخلق بواسطة "كلمته" أى اللوغوس وبواسطة نسمته أى "الروح": " كل شئ به كان" (يو3:1)، و" كان روح الله يرف على وجه المياه" (تك2:1)، لذا فكل المخلوقات تحمل ختم الثالوث
أيضًا في التجسد نجد أن الروح القدس يُرسل من الآب على العذراء لتلد الابن، كذلك في معمودية المسيح نرى الآب يشهد للابن: " هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُرّرت" وفي الوقت نفسه نرى أن الروح القدس ينزل ويستقر على الابن مثل حمامة (انظر مت16:3ـ17).
إذن الله الواحد في جوهره والمثلث في أقانيمه هو نموذج ومثال وأصل الوحدة والتمايز بالنسبة للإنسان. إنه الله المحبة منبع ومصدر كل محبة بالنسبة للإنسان. والإنسان في المسيحية هو مخلوق إلهي، لقد خلقه الله على صورته (انظر تك1:5، مت4:19، وأع8:17، كو10:3، ومثاله يع9:3). فالله بالنسبة للإنسان هو "شركة محبة". وأُعطى للإنسان إمكانية التشبه به ليكون بحسب مثال الله، كإمكانية تتحقق بفعل قوة الروح القدس، لكن يتطلب من الإنسان قبولاً حُرًا لعمل الروح القدس في حياته. هكذا يتمتع كل البشر ـ بغض النظر عن الانتماء القومى، واللون واللغة ـ بكرامة الخلق أى مخلوقات خُلقت بواسطة الله الخالق.
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات