الفتوحات التركية [1]

الأب ألكسندر شميمن



في 29/5/1453 م وبعد يومين من الحصار استطاع السلطان العثماني محمد الثاني [2] فتح مدينة القسطنطينية وذلك كان أيام الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر الذي وقعَ في الأسر. وصارت روما الجديدة [3]عاصمةً للإمبراطورية العثمانية.
وكان التوسع العثماني قد بلغ ذروته فقد تم احتلال بلغاريا بالكامل وسيطروا على صربيا في عام 1459 م واليونان 1459 – 1460 م والبوسنة 1463 م وأخيراً تمت لهم السيطرة على سوريا ومصر في عام 1517 م.
أصبح الشرق الأرثوذكسي بكامله ما عدا روسيا خاضعاً للحكم العثماني الإسلامي والذي استمر لزهاء 4 قرون وفقدت هذه المنطقة العديد من الذين حملوا لواء الفكر الأرثوذكسي لسبب أو لآخر. وعلينا الآن أن نوضح طبيعة الضغوط التركية التي كانت آنذاك, نؤكد أنه لم يكن من اضطهاد للمسيحيين فبعد دخول السلطان وجنده القسطنطينية وبعد 3 أيام من السرقة والانتهاكات بعد نشوة الانتصار أصدر السلطان قراراً قضى فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
محمد الثاني لم يكن بربرياً فقد عاش في القسطنطينية قبل فتحه لها ويعرف اليونانية وعندما كان يقاتل البيزنطيين كان متعاطفاً مع كل ما يسمَّى يوناني. ولاحظ المؤرخون أن حاشية السلطان كانت مؤلفةً في أكثرها من المسيحيين المؤيدين له والذين شغلوا مناصب وزارية بينما كان العثمانيون لا يعلمون من العلم أدناه.
وكتب بعض المؤرخين أن المسيحيين كانوا يديرون الإمبراطورية بكاملها وهذا فيه بعض المبالغة ولكنه ليس خارج المعقول, حلم محمد ببناء دولة حديثة تقوم أساساتها على الثقافة اليونانية وبالإضافة إلى أن القرآن كان يعلم أن المسيحيين كفرة فقد كان يخصهم بالمديح والاحترام.
ومن أوائل الأمور التي قام بها محمد الثاني كانت دعوة المسيحيين إلى انتخاب بطريريكهم وعند ذلك اختار المسيحيون جنَّاديوس سخولاريوس[4] بطريركاً للقسطنطينية وكان هو من أبرز المعترضين على اتحاد فلورنسا بين الكنيستين الشرقية والغربية مع ميتروبوليت أفسس القديس مرقس.
دعا الأتراك المسيحيين إلى معاودة نشاطاتهم وحياتهم السابقة كالمعتاد والدستور العثماني أعطى المسيحيين وضعاً قانونياً في الدولة وألزم جميع المسيحيين بدفع ضريبة الخراج إلى خزينة الدولة وهي العمل الوحيد الذي كانوا مجبرين على القيام به.
وبالعودة إلى أمور البطريرك فقد كانت له الحرية الكاملة في إدارة شؤون الكنيسة ولم يكن لأي شخص الحق في التدخل في هذه الأمور. وكان مركز البطريرك, والأساقفة والكهنة منيعاً وحصناً فقد كان الكهنة معفيين من الضرائب.
حوَّلَ الأتراك نصف كنائس القسطنطينية إلى مساجد ولكن الغالبية منها بشكل بيع من المسيحيين. وكانت الاتصالات الداخلية الإدارية في الكنيسة تتم – في أغلب الحالات – بواسطة القوارب. ولم تكن المرافئ تتدخل في استقلالية الأمور الكنسية.
تجلت الحرية التي حصلت عليها الكنيسة من العثمانيين بأمور الأحوال المدنية كالزواج والطلاق وحالات الوفاة والجنازات وبقية الخدم الكنسية الأخرى التي كانت تتم بدون أي إعاقة حكومية.
الاحتفال بعيد الفصح المقدس كان يتم في كافة المدن والقرى والأنحاء فقد بقت الكنائس كنائس وبقي المسيحيين مسيحيين غير مكرهين على الأسلمة.
ولكن هنالك عنصر رئيسي آخر في حياة المسيحيين تحت الحكم التركي وهو ليس بأقل أهمية من سابقه. فكان من لا يجب العرب – بالنسبة للأتراك – شخصاً متعصباً, وكانت المسيحية هي الديانة الأكثر شيوعاً بين اليونانيين فكان محمد الثاني غير مميز – كاليهود – بين المجتمع المتدين والآخر الأكثر دنيوية إلى الحد الذي ذهبت فيه كل مؤسسات مجتمع المحمديين إلى الإسلام وهو ما ليس قابلاً للتطبيق عند غير المحمديين. ولذلك فقد استقبل المسيحيون حقوق المواطنية التي حصلوا عليها كالرهبان المتدينين.
وصار البطريرك – باشا الملة المسيحية – أي كبير قوم المسيحيين وصارت جموع الإكليروس تعطي الحقوق المدنية وبشكل محاذٍ للكثافة المسيحية. وكان القضاة المسيحيون يحكمون في المحاكم التابعة للطائفة بحسب القوانين اليونانية وكانت السلطة العثمانية تصدق على قراراتهم.
كان بإمكان المسيحيين الحصول على مدارسهم الخاصة وعلى برامجهم وعلى مطبوعاتهم الخاصة أيضاً وباختصار نظري كانت الكنيسة دولة داخل دولة. [5]


من كتابه


طريق الأرثوذكسية التاريخي


- قيد الترجمة -


[1] قسم من الفصل الخامس من كتابه طريق الأرثوذكسية التاريخي – قيد الترجمة

[2] الملقب بالفاتح (المترجم)

[3] وقد أسماها عند ذلك اسطنبول (المترجم)

[4] وكان يدعى جورج سخولاريوس قبل صيرورته بطريركاً (المترجم)

[5]كان هذا الأمر في بداية الحكم التركي ولهنيهات من الزمن لم يلبث أن انتهى مع وجود التعصب والكره الديني وخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث أصبح من الضروري الحصول على إذن من الباب العالي – اسطنبول – لترميم أي كنيسة أوليس هذا هو الإرهاب بعينه (المترجم).