كهنوتنا الملوكي


المطران بولس يازجي




"وأما أنتم فجنسٌ مختار وكهنوت ملوكيّ أمة مقدسّة" (1 بط 2، 9)


لعلّ من أكثر المواضيع حساسيّة وأهميّة أيضاً، هو موضوع مشاركة العلمانيّين في حياة الكنيسة. وتصل المشكلة في هذا الموضوع أحياناً إلى حدود غير مقبولة، والسبب في ذلك غياب الرؤية الكنسيّة الحقيقيّة حول ذلك. فيبدو مرّات أنّ هناك شبه صراع بين الإكليروس والعلمانيّين في "إدارة شؤون الكنيسة"!
ولعلّ الخطأ يبدأ من الأساس اللاهوتيّ، الذي يفصل بين الكهنوت الملوكيّ (العام) وكهنوت الإكليروس (الخاصّ). إذ نعتبر أنّ العلمانيّين يملكون الكهنوت الملوكيّ بينما الإكليروس يمتلك "سرّ الكهنوت"- الخاصّ. وقد يبدو غريباً للبعض أن يتكلّم إكليريكيّ عن كهنوته الملوكيّ لأنّه من الكهنوت الخاصّ!
إنّ من أهمّ الممارسات الطقسيّة في حياة الكنيسة الأرثوذكسيّة، والذي يغيب في الكنائس الأخرى، هو دمج الأسرار الأساسيّة الثلاثة زمنيّاً، أي إتمام الأسرار الثلاثة (المعموديّة، الشكر، الميرون) في وقت واحد مباشرة مع طقس المعموديّة. وتوصّلُ الكنيسة الأرثوذكسيّة إلى هذه الخبرة لم يكن لأسباب اجتماعيّة، إنّما نتيجة لاهوت وفهم خاصّ لدور المسيحي ولغاية حياته. ولعلّ في هذه الممارسة يكمن الجواب على السؤال حول دور كلّ من "العلمانـيّ والإكليروس" في الكنيسة.
لا شكّ أنّ للعلمانـيّ دوراً في حياة الكنيسة، وأنّ للإكليروس دوراً أيضاً، لكن ما هو الفارق؟ وهل هناك من تمييز؟ وما هي الممارسة الأرثوذكسيّة الحقيقيّّة التي لا ترى في الدورَين من تناقض أو صراع، وإنّما ترى ضرورة إحياء دور كلّ مسيحي معمّد ككاهن للعليّ؟ هل هناك تقاسم على الأدوار، أم هناك تناغم، أو تكامل؟ أو تراتبيّة؟ وهل الحلول المطروحة هي مسألة "إداريّة" أم أنّها ذات بعد عميق كنسيّ (إكليزيولوجيّ)؟ هذه وغيرها، أسئلة عديدة تستحقّ منّا التأمّل بمفهوم الأسرار الإلهيّة التي تكوّن حياتنا وتعطينا موقعنا في الكنيسة، وبالتالي تحدّد دور كلّ منا.
إنّ سرّ المعموديّة هو الحدث الذي يضمّنا بنعمة الروح القدس إلى جسد المسيح- الكنيسة. ولقد رأت الكنيسة أن تغذّي أعضاءها بدم السيّد وجسده الكريمَين منذ لحظة دخولهم إل هذا الجسد، لأنّه بهذا الغذاء "نحيا ونتحرّك ونوجد". ولسنا هنا بصدد مناقشة ضرورة البدء بالمناولة من يوم المعموديّة، وإنّما تتطلّب خصوصيّة موضوعنا التوقّف عند ممارسة الكنيسة الأرثوذكسيّة الفريدة في منح سرّ مسحة الميرون المقدّس مباشرة مع المعموديّة.
إنّ بطرس الرسول يكرّر عبارةً من سفر الخروج: "تكونون لي مملكة كهنة وأمّة مقدّسة"[1]. ورغم ذلك كان الكهنوت في العهد القديم عملاً وقفاً على سبط لاوي[2]. ولم يصرْ هذا الكهنوت عامّاً إلاّ في زمن العهد الجديد. هكذا جميع المؤمنين يصيرون الآن بعد متقدّمهم (يسوع) كهنةً للعليّ. "وهو (يسوع) مرساةٌ للنفس مؤتمنةٌ وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كـ"سابق" لأجلنا صائراً على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد"[3]. لهذا يعمّم بطرسُ هذا الكهنوت على جميع المؤمنين: "أنتم" كهنوت ملوكيّ أمّة مقدّسة"[4]. هكذا بحسب بطرس وبولس يشترك كلّ المؤمنين في المذبح مع يسوع رئيس الكهنة الأعظم على رتبة ملكي صادق.
كان سرّ المسحة في العهد القديم محصوراً بالملوك أو الكهنة أو الأنبياء من بين جميع الشعب! لكن العهد الجديد وممارسة كنيستنا الأرثوذكسيّة جعلا من جمع سرّ المعموديّة والشكر والميرون معاً دليلاً على أنّ كلّ معتمد صار على الفور (أو مفروزاً ليصير) كاهناً وملكاً ونبيّاً. ولم تعدْ هذه المواهب فراداتٍ لبعض الأفراد من الشعب، ويوحنا الحبيب يفرز غير المؤمنين عن المؤمنين قائلاً "ليظهروا أنّهم ليسوا جميعهم منّا" وذلك بناء على سرّ المسحة "أمّا أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كلّ شيء"[5]. وهنا تشير "أنتم" إلى كلّ المؤمنين وليس إلى الرسل أو الكهنة حصراً. لقد صار "شعب الله" في العهد الجديد كلّه كهنة وملوكاً وأنبياء؛ يشاركون يسوع في كهنوتهم الملوكيّ.
إنّ سرّ مسحة الميرون المقدس هو سرّ تكريس "المعتمد" إلى "كاهن" في رتبة الكهنوت الملوكيّ، وسرّ يهب المعتمد حقّاً "ملوكيّاً" وموهبة "نبوءة"، ولكن بالوقت ذاته، يجلب هذا التكريس معه كلّ المسؤولية التي تلحقه. ومن "مسحاء الربّ" أي شعب الله يخرج البعض إلى "خدمة" مخصّصة في الكنيسة تعتني بالتعليم والطقوس، فيصيرون "كهنة" بالمعنى الخاصّ والطقسيّ للكلمة. فما يميّز الكاهن عن المؤمن هو نوع الخدمة وليس فرقاً أنطولوجيّاً. لهذا على سبيل المثال، إذا ما ترك أحد الكهنة الأرثوذكس الكهنوت لسبب ما، فهو عندها يفقد هذه "الخدمة" وبالتالي يفقد مباشرة الموهبة والنعمة، ولهذا فهو لا يحمل بعد "كهنوتاً"، ويمكنه أن يتزوّج، بينما إذا ترك أحد كهنة الغربيّين هذه الخدمة، فإنّه بالنسبة لهم يحافظ على هذه الصفة الكهنوتيّة (أنطولوجياً) ويعتبر كاهناً متوقّفاً عن الخدمة، ولا يحقّ له بعدُ الزواج! فالكهنوت لدينا هو موهبة بمعنى الخدمة.
لا تشكّل هذه المواهب الثلاثة -"ملك، كاهن، نبيّ"- كلمات شعريّة جميلة أو لغة ليتورجيّة مبهمة. لكنّها تعبّر تماماً عن طبيعة وواجبات وحقوق كلّ معتمِد ومؤمن في الكنيسة. إنّها الكلمات الوحيدة التي تجيب على الأسئلة العديدة حول دور الاكليروس ودور العلمانيّين في الخدمة. علماً أنّ لاهوتنا الأرثوذكسيّ لا يستخدم هذه الكلمات (علمانيّ، اكليروس). هناك الكهنة وهناك "شعب الله" المؤمن، وهذا الشعب يحمل نعمةَ ومسؤوليةَ الملك والكاهن والنبي. "اذهبوا وبشّروا الأمم" هي عبارة من يسوع موجَّهة لكلّ الشعب. ولكن "من غفرتم خطاياهم تغفر لهم..." موجهة للرسل ومن شرطنوهم بوضع الأيدي. كلّ معمّد نال مسحة الروح صار رسولاً بمعنى "المرسَل"، إنه إنسان بشاري بطريقته الخاصّة، وهذه البشارة هي غاية حياته وهي شهادته في العالم الذي يعمل ويعيش فيه، وهذا العالم المبُشَّر منه هو القربان الذي يرفعه المؤمن لله "ذبيحةَ التسبيح" ككاهن في كلّ قدّاس إلهيّ.
"كما كانت المسحة تُعطى للأنبياء لتجعلهم ملوكاً أنبياء، هكذا يُمسح الآن المسيحيّون بالمسحة الإلهيّة ليصيروا ملوكاً وأنبياء وخَدَمَة أسرار سماويّة"، يقول القدّيس مكاريوس[6]ومعه أيضاً الحارث أسقف قيصريّة[7]. هكذا إذن يعطي سرّ المسحة ثلاثة مواهب، الملكيّة والكهنوتيّة والنبويّة.

الموهبة الملكيّة
يعتبر القدّيس يوحنا الذهبيّ الفمّ أنّ "صورة الله" في الإنسان هي "ملوكيّته". فكما أنّ الله هو ملك السماء والأرض والمنظورات وغير المنظورات، كذلك الإنسان هو على صورته ملك الأرضيّات وكلّ المنظورات. ويعتمد على كلمات الكتاب المقدّس، أنّه بعد أن يقول "لنصنعنّ الإنسان على صورتنا ومثالنا" يتابع "فيتسلّط على طير السماء وسمك البحار...". وهو يعتبر هذه السلطة الملكيّة سلطة له على العالم الماديّ وعلى عالمه الروحيّ أيضاً. إنّها سلطة على الخليقة من جهة وعلى الذّات (الرغبات والأهواء) من جهة أخرى. لهذا يرِد في "تقدمة القدّاس" الإنطاكيّ القديم عبارة "البهاء الملوكيّ". وهذا البهاء يعني السلطة على المادّة والرغبات، أي التحرّر من عبوديّة العالم والعالميّات. فالعالم كلّه في خدمة حياة الإنسان الروحيّة، والرغبات البشريّة كلّها موجّهة في سبيل إرواء العطش الإنسانـيّ الحقيقيّ والروحيّ. إنّها ملوكيّة غلبة الروح على المادّة، عكس عبوديّة الإنسان للمادّيات. يسوع ملكٌ إذ قال: "يأتي الشيطان ولا يجد سلطان فـيَّّ شيئاً". إنّها السلطة الملكيّة التي تأتي من حريّة أبناء الله، أي من طهارة الحياة. للإنسان سلطة ملكيّة بقدر ما يستطيع أن يسود على العالم الذي حوله والذي داخله[8]. وكذلك يقول القدّيس غريغوريوس النصيصيّ: "تظهر ملوكيّة النفس بمقدار تحرّر رغباتها من العالم، لأن الحريّة هي صفة السادة الملوك". إن الإنسان هو "ملك" العالم وسيّده، خُلق ليسود فيه ويتملّك عليه ويجعله مملكةً لله. عندما يتعلّق الإنسان بالعالم يسود العالمُ عليه، ولكنه عندما يقود العالمَ إلى غايته يصير ملِكاً فيه؛ هكذا عندما يتحرّر من غوايته يملك عليه، وإذا ما انخدع به يؤول إلى عبدٍ فيه. الإنسان الروحانـيّ يتحرّر من العالميّات وبحريّة خياره يسير بالعالم كسيّد له إلى غايته الأخيرة ليجعله ملكوتاً لله. وهذه السلطة الملكيّة (الحرية والسيادة) وحدَها تؤهّل الإنسانَ لأن يعود بالعالم الذي وهبه إيّاه الله إلى واهبه (الله)، في تسبحة شكر، لذلك فإنّ ملوكيّة الإنسان تؤهّله إلى كهنوته.

الموهبة الكهنوتيّة
يرى الكهنوت الملوكيّ في "كلّ شيء" من الدنيا "شيئاً لله". لذلك إنّ سرّ جمال هذا الكهنوت أنّه يعتبر كلّ شيء يحمل إمكانيّة "علاقة" وليس هو مجرّد مادّة عمياء! والكهنوت الذي للإنسان هو كهنوت المحبّة. لا شيء في العالم مستقلّ بحدّ ذاته، وقيمته لا تكمن في مقداره أو فائدته وحسب. إنّ معيار قيمة أيّ شيء في الدنيا هو المحبّة التي يمكننا أن نوجدها بيننا وبينه. كلّ أمر في الدنيا وكلّ شيء فيها موجود لكي نقيم بيننا وبينه "علاقة محبّة"، هذا في إطار مواد العالم، فكم بالحريّ في الخليقة العقلانيّة والحرّة التي فيه، الإنسان! هذا هو سرّ الكهنوت الذي بدأ من عند الله أنّه أحبّنا ونحن بعد غير مستحقّين وخطأة، "لم نحبّه نحن لكنّه هو أحبّنا أوّلاً". كلّ شيء في الدنيا ليس موضوعَ استخدام واستهلاك، بل بالأولى فرصة محبّة. ومحبّة كهنوتيّة كهذه تجعل لكلّ شيء وجوداً كريماً وتعطي لهذا الوجود معنى حقيقيّاً. لهذا يطلق الإنسان على الأشياء أسماءً لها، ليعبّر عن علاقته بها. الإنسان على صورة الله، لذلك هو الكائن الذي يدخل في شركة- علاقة مع كلّ شيء ومع كلّ كائن حوله. وتأخذ هذه العلاقة بين الإنسان وكلّ شيء حوله شكلها الأسمى حين تصير تعبيراً عن شكره لله. لهذا إنّ عبارة التقدمة في القدّاس الإلهيّ تلخّص كلّ معنى الحياة البشريّة وتصوّر كامل حقيقة العلاقة الإنسانيّة بالعالم: "كلّ هذا لك وهو مما لك، ونقدّمه لك شكراً على كلّ شيء ومن جهة كلّ شيء". ليس الإنسان كائناً حرّاً وحسب، أو عقلانيّاً مفكّراً أيضاً، إنّه بالتعريف الانثروبولوجيّ المسيحيّ هو كائن ليتورجيّ. أي يُحيي الشكر من كلّ شيء ومن جهة كلّ شيء في العالم.
المؤمن هو كاهن يقدّم أوّلاً ذاته، وبحسب قول بولس الرسول[9]: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدّموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدّسة مرضيّة لله عبادتكم العقليّة..."، هذا ما يقدّمه كلّ مؤمن في القدّاس الإلهيّ. بحسب "الرسالة إلى الذين في طرسوس": "إن الرهبان حين يقدّمون بتوليّتهم تقدمة (ذبيحة لله) يقومون بعمل كهنوتـيّ". ويورد Minucius Felix (القرن الثاني): "إنّ كلّ من ينقذ نفساً من خطر يكهن لله. وهاكم العبادة الحقيقيّة عند الله: تقدمة الطهارة وبذل المحبّة وحبّ الحقيقة"[10]؛ وبحسب أوريجنّس: "إنّ كلّ من نال مسحة الميرون صار كاهناً ويقدّم ذبيحته المحرقة داخله مُشعلاً بيده نار المذبح... فإذا ما أنكرنا ما لنا، أو حملنا صليبنا لنتبع المسيح، عندها نقدّم ذبيحة كاملة محرقة. أو إذا ما بذلتُ جسدي... أو أحببت الإخوة لحدِّ بذل ذاتي من أجلهم، أو إذا ما جاهدت من أجل الحقيقة والعدالة حتّى الموت... وإذا ما مات العالم لي ومتُّ أنا للعالم، حينها أقدّم الذبيحة الحقيقيّة على المذبح الإلهيّ وأصير كاهناً للعليّ"[11].
إنّ "التقديس" الذي يذكره بولس الرسول، و"تطهير الذات" الذي يشير إليه دائماً الأدب النسكيّ يعني تقديم الإنسان لذاته ذبيحة، فيصير هكذا كاهناً. يسمّي الذهبيّ الفمّ أمُّ المكابيّين السبعة "كاهنة" شرطنتْها تقدمتُها لأولادها السبعة كذبيحة محرقة الواحد بعد الآخر. إنّ قوانين هيبوليتس (القرن الثالث والرابع) تسمح للمعترفين والشهداء بإتمام الأسرار الإلهيّة كالكهنة (كهنوت خاص) وذلك بشكل استثنائيّ[12]. ويقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتـيّ: "لا يستحقّ أحدٌ الذبيحة والذابح ورئيس الكهنة الأعظم إلاّ مَن قدّم ذاته قبلاً لله ذبيحة حيّة"[13].
يشبّه القدّيس يوحنا الدمشقيّ السيف الذي يجوز داخل العذراء[14] بما يورده سفر نشيد الأنشاد "دهناً مهراقاً"[15]. القدّاس الإلهيّ، الذي يتمّ فيه العمل الكهنوتـيّ بشكله المطلق، ليس عملَ مجموعة من الكهنة (الاكليروس) بل هو عمل الشعب (Λειτουργία)، يقدّم فيه كلّ المؤمنون عالمهم لله تقدمةً وذبيحة شكر، رحمة سلام. إنّ تحويل العالم إلى ملكوت هو مهمّة كهنوتيّة، كهنتها هم كلّ المؤمنين. والإنسان هو "كائن شكريّ" أي كاهن يأخذ العالم كلّه ليعيده إلى الله تقدمة وذبيحة.


[1]19، 6.

[2]تثنية10، 8.

[3]عبرانين 6، 19.

[4]1 بطرس 2، 5-9.

[5]1 يوحنا 2، 20.

[6]العظة 17، 10 [PG 34, 624].

[7] PG 106, 509.

[8]أيكومينيوس، "في شرح الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس"، [PG 118, 932].

[9]رومية 12، 1-2.

[10] Octavius C32 PL 3, 339-40.

[11]"في شرح تثنية الاشتراع"، 9.9[PG 12, 521-5].

[12]أنظر باليونانيّة: بول أفدوكيموف، "الأرثوذكسيّة"، ص 387.

[13] Hoskier, The complete commentary of Oecumenios in the Apocalypse, Michigan 1928, p.37.

[14]لوقا 2، 35.

[15]1، 3.