الـروح .. النفـس



اختلطَ على الناس أمْرُ النفس والروح اختلاطًا عظيمًا ، وأخذ كلٌ يتوغَّلُ في هذه الصحراء باحثًا ومنقبًا ، يتَلَمَّسُ كلَّ شيء ، علَّه يَجِدُ ضالَّتَه التي يُنشدُها ، فيطوف هنا وهناك ، والطريقُ تنطَمِسُ أمامَه ، فيقفُ حائرًا ، ثُمَّ، عند اشتداد الأمر، في ما هو للروح ،وما هو للنفس من فاعليةٍ وقوى. ومِن هنا انقسَمَ النَّاسُ ، ما بين منكرٍ للنفس وما بين مؤمن ...
إنَّ البحثَ في النَّفْس والروح قد اتَّخذَ كتبًا عديدةً ، لا بل مُجلَّداتٍ ، كتبَها جهابذة في العلم والفلسفة ، قبل الْمسيح بقرون ، ولكنَّهم لَم يتوصَّلوا إلى تَحْديد ذلك على وجه الحقيقة ، بل راحوا يَخْبطون خبطَ عشواء في ذلك الإدلِهمام الطامس ، والصحراء الْمتحركة رمالُها تَتَحَرَّك بِهم ، فأخذَ كلٌ في فلكه يدور ...
جاء الكتبة الْمسيحيون يكتبون عن النَّفس والروح ، ويُعَلِّمون بِخلود هذه النَّفس ، ووقوفها أمام الدَّيان لتدان ( جا 11/9) على ضوء الكتاب الْمقدَّس ، ووضعوا أبْحاثًا شيِّقَة ذات قيِمَةٍ

1 : النَّفـــس والــــروح
قد جاء عن النفس : « النفس هي مبدأُ الْحياة في الْجَسد ، توجَد مُتَّحِدَة به طول الْحياة ، وتنفصلُ عنه عند الْموت ...» وقد عرَّفَ عنها أرسطو (384-322 ق.م.) بِمُختصر قوله : « النفس صورة البدن ، وأنَّها تَتَمَيَّز عن الصُّوَر الأخرى الْمتصلة بالْمادة ، فلا تفنى بفناء الأجساد » وقال أيضًا : « إنَّ النفس البشرية بِمَا أنَّها عاقلة تَتَضَمَّن القوَّتَين : النباتية والْحيوانية والإنسانية...» . كَما قال عن الروح « بأنَّه الْمُحَرِّك الثابت الذي يَعقل ذاته فقط ، وهو روح بعيد عن الْمادة ...»
( راجع دائرة معارف القرن العشرين مُجلد 10 ص 324 مادة نفس ) وذكرت الدائرة نفسها في الْمجلَّد الرابع ص 321 : بأن الروح هي ذات النفس : « مسألة الروح الإنسانية وخلودِها من أكبر الْمسائل الفلسفية ، وقد تنازعتْها الفلسفات قرونًا طويلةً ... منهم مَن أنكر خلودَها ومِنْهم من قال بِخلودِها ...»
جاء في قاموس « الْمنجد » ص 826 عمود أول في كلمة « نفس » :« النفس ، الروح ، العَين ، الدَّم ، لأنَّه (الدم) إذا فُقِدَ من بَدَن الإنسان فَقَدَ نفسَه...» وعن الروح : « الروح : ما به حياة الأنفُس » ( منجد ص 286 عمود أول مادة راح). وفي القاموس الفرنسي « لاروس larousse : « النفس مبدأ الْحياة والفكر في الإنسان ، إتِّحاد النفس بالْجسد .» وعن الروح يقول : « الروح مبدأ حيَوي غير مادي ، مادة غير متجَسِّمَة ، النفس (بالنسبة إلى الْجسد) » . قال ماني الفارسي ( وُلِدَ بِهَمَدان قتله بَهرام الأول سنة 274 ؟ وكان أبوه من الْمغتَسِلة ، وهي بدعة مسيحية تقول بِمَبدأَين : « الله وهو الْمسيح : مبدأ خير . والشيطان مبدأ شر ) : « إنَّ الله خلقَ الأرواح ، فَجاء الشيطان وخلَقَ الأجساد وسَجَنَ الأرواح فيها ، وبذلك حصل الصِّراع بين هذين الْمبدأَين أو الأصلَيْن إلى ما لا نِهاية له »
أمَّا النَّظرية الْهندية فتقول : « إنَّ الروح تَنْتَقِل من جسد إلى آخر ( تناسخ الأرواح )، وإنَّ الأرواح غير مائتة ولا متَغِّيِرَة » ( الْمرجع السابق ص 25)
قال أفلاطون ( 427 – 347 ) عن النَّفس : « إنَّ النفس أقدَم من الْجسد ، وهي أزلية ، كانت في عالَم غير مَحسوس ، في العالَم الْمعقول ، فَعَلِمَت كل شيء ، أما لَمَّا دَخَلَت الْجسد نَسِيَتْ كل شيء ، لذلك يَجِب إستدراجُها بالْمادة لتَتَذَكَّر ... وأنَّ النفس هي مبدأ الْحركة في الْجسد ، وكل مبدأ هو حركة لا يَقَع عليه الفناء...»
قال فَخْر الدِّين الرازي الْمتوفي سنة 1210م – 606 ه : « للنفس قوى نباتية وقوى حيوانية وقِوى إنسانية ، فالقوى النباتية هي : إنَّ الْجسد الإنساني مَخلوق من الْمَنِّي ودم الطمث ، وهما جوهران حاران رطبان ، فبدن الإنسان ما دام يكون حيًا يكون حارًا رطبًا... والقوى الْحيوانية إمَّا أن تكون مُحَرِّكَة أو مدركة . فإن كانت مُحَرِّكة ، فهي إمَّا مباشرة للتحريك أو باعثة عليه ، فالْمباشرة للتحريك فهي القوى الْموجودة في العضلات... والباعثة على الْتَّحْريك فلَها مراتب : منها: الإرادة الْجازمة التي تَتَولَّد من شهوة القوَّة ... أمَّا القِوى الْمدركَة فهي إمَّا ظاهرة وهي الْحواس الْخمس وإمَّا باطنة وهي عند الفلاسفة خَمسة : فإمَّا مدركة وإمَّا متصرفة...فالْمدركة تدرك صور الْمحسوسات والْمتصرفة فهي القوة التي تتصرف في الصور ... وهي القوة الْمفكِّرَة ...
أمَّا النفس الإنسانية فلَهَا قوتان : نظرية وهي التي يستعد جوهر النفس لقبول الصوَر الكلية الْمُجرَّدَة ... وعملية وهي القوة التي يستعد جوهر النفس لتدبير البدن... » ( راجع كتاب النفس والروح وشرح قواهما للإمام فخر الدين محمد بن عُمر الرازي ص74-77)
وجاء أيضًا : « جوهر النَّفس كالْملك والبدن مَمْلكته ، ولِهذا الْملك جندان : جند يرى الأبصار وهو الأعضاء الظاهرة وجند يرى بالبصائر وهي القوى الْمذكورة....» (المرجع ذاته ص 79 الخ)0بتصرف)

2 : الكـتـاب الْـمـقَـدَّس بِـعَـهْـدَيـه
بعد أن تَجَلَّى الله لِموسى ، وأخذت الديانة اليهودية تَتَطَوَّر ، إنقسمَ علَماء اليهود إلى أقسام : 1: الآسينيون وهم جَماعـة مـن اليهود الغيورين (مت 10/4 مر 3/18 لو 6/15) ظهروا في عهد الإحتلال الروماني لليهودية ، فاعتَزَلوا بعيدًا ؛ وكانوا ضد الإحتلال الروماني . لَم يُعَلِّم هؤلاء شيئًا ، بل اعتَزَلوا في البرية حول البحر الْميت يعملون في نسخ الكتاب الْمقدَّس ...
2 : الصادوقيون : وهم أتباع صادوق الكاهن ، الذي كان في أيام داوود وسليمان ( راجع 4أو 2ملو4/4) هؤلاء ينكرون خلود النفس والـقيامـة والـثـواب والعقاب...كزمرة يَهوه اليوم (راجع مت 22/23-33 وأع 23/6-9)
: الفريسيون : هُم جَماعة من اليهود ، قد ظهروا فـي عهـد هـركـانـــوس (135- 105 ق.م ) ، وكانوا متشدَّدين متصلبين في الْحفاظ على شريعة موسى ... يؤمنون بِخلود النفس والقيامة ووجود الْملائكة والأرواح و الخ ( أع 23/6-14 ) .
جاء في التعليم المسيحي عن الروح : « الروح كائن غير مادي قد يلبس أو لا يلبس الْجسد ، أي أنَّه : حالة تَعْتري الْجسم من : فرح وحزن وابتهاج ، كقول العذراء : تَبتَهِجُ روحي بالله مُخَلِّصي » ( لو 1/47) . وقوله : « الله روح » ( يو 4/24 ) . إنَّ لله وجودًا مُتَرَفِّعًا عن الْمادة ، ويُسَيطِرُ على الْمادة . ثُمَّ قوله عن الْملائكة الغير مُجَسَّمين بأنَّهم : « أرواح تُرْسَل لِخِدْمَة الذين يرثون الْخلاص » ( عبر 1/14) وقوله : « الصانع ملائكتَه أرواحًا وخدامَه لَهيبَ نار » ( مز 103 أو 104/4 وعبر 1/7) . أي أنَّ لِهذه الْمَخلوقات قوة على فعلٍ ما ، دون رؤية جسدِها . أمَّا وقد رأى أشعيا الْملائكة بأجسامٍ ، ورأى السيدَ بِجسْمٍ جالسًا ،(أش 6/2-4 ) فدلالة على القوة التي تعمل في الإنسان ، وعلى الْحالة والكينونة ، وعلى التَّجَسد الذي اتَّخَذه الرب يسوع لِخلاص البشر ...
3 : الإنســـان : الإنسان يتكوَّن من عنصر ثلاثة : روح ، نفس ، جسد ( عبر 4/12 ) . وقد جاء هذا القول لبولس الفريسي الْمذهب ( أع 23/6) : « وإله السلام... يَحْفَطكُم سالمين روحًا ونَفسًا وجسدًا » ( 1 تسا 5/23) . الْجَسَد : هو العنصر الْمادي في تكوين الإنسان . ولِهذا نرى أنَّ الله خَلَقَ الْجسد « ترابًا من الأرض ونفَخَ في أنفه نسمةَ الْحياة ، فصار الإنسان نفسًا حيةً » ( تك 2/7 ) .وعلى ضوء الوحي : « الكلِمَة صار جسدًا » (يو 1/14) ؛ وهذا الْجسد ارتفع وتسامَى بروح الله . لذلك نقول مقرِّين : « نؤمن بقيامة الأجساد » ( قانون إيِمان الرسل ). وقد يأتي الْجسد بِمَعنـى الإنسـان بكامله :
« ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت لأن كل « جسد » قد أفسدَ طريقَه عليها (تك 6/12 ). ويستعْمِل الكتاب الْمقدَّس كلِمَة « نفس » للتعبير عن الْخليقة الْحيَّة : « ها أنا آتٍ بطوفان مياه على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة » ( تك 6/17). وصاحب الْمزامير يقول ، ذاكرًا الْجسد الْحي القائم كلَّه : « ويرزق كل جسد طعامَه...» ( مز 136 أو 135 أو 136/25) . وإبن سيراخ يشرك، في الْجسد الْمادي: الحيوان والإنسان : « هذا حال كل ذي جسد من الإنسـان إلــى البهيمـة ...»
( سير40/8 ). والإنسان ينتهي بِجسده الْمادي إلى العالَم الترابي : «... إنك تراب وإلى التراب تعود » ( تك 3/19) ، وأيضا :«وينطلق الإنسان إلى دار أبديته...»( جا 12/5) هذا بالنسبة إلى النفس ، وليس إلى الْجسد ، لأن الْمادة تفسد بِماديتها وتنحل ...
أمَّا النفس فَنَفهَمُها بِمعانٍ ثلاثة : الأول: الْحياة الْحيوانية ، وهي ما يسمِّيها العلماء بالحياة الْبكماء ، التي لا تعي ، ما لَم تقترن به الْمعرفة : « وجبلَ الرب الإله الإنسان ترابًا من الأرض ونفخَ في أنفه نسمةَ الْحياة ، فصار الإنسان نفسًا حيةً » (تك 2/7) أي أن جسد الإنسان هو مادة يشترك فيه مع الْحيوان ، باعتبار اللحم والدم ، ويفترق الإنسان عن الْحيوان بالعقل الذي ينمو بنمو الإنسان ، في حين أن للحيوان غريزة تَخْلق معه فلا تنمو ولا تقل ، وهذا ما نراه بالإختبار ؛ وما نراه في قوله : « وقال الله لِتُخرج الأرض ذوات أنفس حيَّة ... بَهائِم ... ووحوش » ( تك 1/24 ) . ونرى ، أَيضًا ، أن الإنسان يشترك مع الْحيوان بالْحياة ، إذ في كليهما التنفس الدال على الْحياة في الكائن الْحي . ولكن يفترق الإنسان عن الْحيوان بالنفس العاقلة التي هي على صورة الله ، كما جاء في قوله : « لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا ...» ( تك 1/26) أي: بالعقل والْمعرفة والإرادة الْحرة ... .قال الفلاسفة عن النفس : أنَّها آتية من مُثُلٍ عُليا ، أعلى من انفس الحيوانات الْمتنفسة . وهذا الفرق آتٍ من تسلط الإنسان على سائر الْمخلوقات التي هي دون الإنسان قيمَة وثَمَنًا . : « ليتسلط ( الإنسان) على جَميع البهائم والدبابات وطيور السَّماء ووحوش الأرض وأسماك البحر » ( تك 1/26) . وبولس رأى هذا الرأي ، فَجَعَل مع النفس حياةً حيوانية ، وجعل الروح الْحياة العاقلة في الإنسان : « إنَّ كلام الله حيٌّ ناجعٌ ، أمضى من كل سيف ذي حدَّين ، ينفذ إلى ما بين النَّفس ( الْحركة ) والروح ( العقل والْمعرفة والإرادة الْحرة ) ، ومــا بـين الأوصــال والْمِخـاخ ... » (عبر 4/12) . وبطرس يَجعل خَلق النفس العاقلة من زرع غير فاسد : « فإنَّكم وُلِدتُم ولادة ثانية ، لا من زرعٍ فاسد ، بل من زرع غير فاسد ، مــن كلمـة الْحـي الباقـي » ( 1 بط 1/23) ثم يَجعل بطرس الْجسد الْمادي كالعشب يَيْــبَس ... أمَّا « كلمة الله فتبقى إلى الأبد » ( 1 بط 1/24 ) . والكتاب الْمقدَّس يعطي للنفس البشرية أوصافًا كثيرة ، وجعلَ لَها قيمَةً عظيمة : « ماذا ينفع الإنسان لو ربحَ العالَم كلَّه وخسرَ نفسَه ؟ وبِماذا يفدي الإنسانُ نفسَه ؟ » ( مت 16/26) ، وبالتالي يَجِب خلاص النفس ، وهذا الخلاص لا يكون إلا للنفس العاقلة : « لا تَخافوا مِمَّن يقتل الْجسد الْمادة ) ولا يقدر أن يقتل النَّفس ( الغير مادية ) ، بل خافوا خاصة مِن الذي يقدر أن يَهلك النفس (العاقلة الْحساسة ) والْجسد ( المادة ) معًا في جهنم » ( مت 10/28 ) . وهنا جاءَت النفس بِمعنى الكيان العاقل الْمدرك والذي يراد به في الإنسان . أمَّا كيف نُنكرها ؟ ؟ إذ تأْتي بِمعنى أن نَجعل كيانَنا البشري خاضعًا للعقل ، الذي هو النفس العاقلة ذات الإرادة الحرة والْمعرفة ، أي : التواضع ، والزهد عن كل ما في العالَم من خيرات مادية ، ونلتفت إلى ما يرفع هذه النفس ونعود بِها إلى علو مصدَرِها الأول ، أي إلى الله : « مَن أراد يتبعني فلينكر نفسَه ويَحْمِل صليبَه كل يوم ويَتبعني » ( لو 9/23) . كَما يَجب أن يكون ذلك... وتأتي النفس ، أيضًا ، بِمَعنى « الروح » : « وكان قبل أن تفيضَ «نفسُها » عند موتِها ... » ( تك 35/18). وقد يأتي « الروح » بِمَعنى « النفس » : « قد ذَبلَت والدة السبعة وفاضَت « روحُها» وغابت شَمْسُهــا ...» ( إر 15/9) . وتكــون « النفـس » بِمَعْنـى « الروح » : « مَن ردَّ عن طريق ضلاله خلَّصَ « نَفسًا » (روحًا ) من الْهلاك وستَرَ جَمًا من الْخطايا » ( يع 5/20 ) ...
وإن كانت النفس علامة الْحياة ، فهي ليسَت منبعها ، لكنَّها تَتَماثل مع الروح وتُعْتَبَر ، نوعًا ما ، نابعة من الروح ، إذ أنَّها تعطي الإنسان إستقلالاً داخليًا حقيقيًا ، وقد يكون ، أيضًا، إستقلالاً ظاهريًا ...
تأتي « النفس » ، أيضًا ، بِمَعْنى الشخص أو الذات : « بنفسي أقسَمْتُ يقول الرب الإله...» ( تك 22/16) وقوله ، أيضا : « بذاتي أقسَمت ومِن فَمي خرج الصـدقُ...» ( أش 45/23 إر 22/5)...
الثاني : ما ليس له عقل ولا حكمة ، له غريزة وطبيعة وشهوة وهو الحيوان
الثالث : ليس له عقل ولا حكمة ولا شهوة وهي النبات والْجمـاد
4 : الـــــــروح

إنَّ كلِمَة « روح » تَحْمِلُ معانٍ كثيرةً ، سواء في الإستعمال الفلسفي ، أم في الكتاب الْمقدَّس ، فيقال ، مثلا : « روح الْخَمر ، روح الزئبق ، روح الْحديد إلخ » فَمعناه : الْجوهر أو الْخواص في الشيء الذي نذكره ، كما يُقال : « روح الإنسان » . يرى الْجامعة : أنَّ الإنسان والْحيوان مُتَماثلان من حيث الْجسد المادي ( اللحم والدم والعظام الخ) : « ... كلاهُما من التراب ، وكلاهُمـا يعـودان إلى التــراب » ( جا 3/20) ، ثُمَّ يعود فيفصلهُما ، جوهرًا ، عن بعضِهِما : « مَن يَرى « روح » بني البشر الذي يصعد إلى العلاء ، و« روح » البهيمَة الذي يَنْزل إلـى أسفـَل الأرض » ( جا 3/21 ) . ثُمَّ يعود الْجامعة فَيرى في الروح الْجوهر الواعي العاقل الْمدرك لأعْماله : « آخر الأمر خيرٌ من أولِه وطول الأناة خير من تَجَبُّر « الروح » ( جا 7/9) ، ويرى الْجامعة ، أيضا ، : أنَّ « الروح » هو العنصر الفعَّال في الإنسان ، بِمعنى « النفس » الْجوهرية ، وأنَّه هو الذي ينفصل عن الْجسد « ليعود إلى الله الذي وهبه ، والْجسد يعود إلى التراب » ( جا 12/7 )
« الروح » هو النَّسْمَة الإلَهية في جسم الإنسان ، فتجعل هذه النَّسْمة منه كائنًا عاقلاً ، « ونَفسًا » حيَّةً ( تك 2/7 ). وقد يظهر على الْجسد والنَّفس معًا تأثيرات « الروح » كالْخوف ، « فَلَمَّا دَنَتِ الغداةُ انزعجَت « نفسُه » ( تك 41/8 ) ، والغضب :
« ... فسكنَ غضبهُم عنه ...» ( قض 8/3). والفرح : « ثُمَّ كلَّموه بِجميع كلام يوسف ... فعاشَت « روح » يعقوب أبيهِم .» ( تك 45/27) . وعليه نرى كــلِمَة « روح » لَفْظًا مُعَبِّرًا عن الْحياة النفسية في الإنسان . فـ«الروح» هو التأثيرات والإنفعالات . وجاء في الكتاب الْمقدس : إنَّ « الروح» أو « النفس» هـي في الدم : « أي رَجُلٍ من آل إسرائيل ومن الغرباء الدخلاء ... أكل دمًا أجعل وجهي ضد النفس
( الإنسان) الآكل الدم ... لأن نفس (روح) الْجسد هي في الدم لذلك جعلته على الْمذبح ... لأن الدم يكفِّر عن النفس ( الذات ). (أح 17/10-11) . وتأتي الروح بِمَعنى القوة ، كما نرى في رؤيا حزقيال ، « إنَّ روح الْحيوان في الدواليب » ( حز 10/17).
نرى ، في الواقع ، أنَّه في عَمَليَّة نقل دم من إنسان إلى أنسان تنتقل ، نوعًا ما ، نفسية الإنسان الْمأخوذ منه الدم ، أو بعض من نفسيته إلى الآخذ الدم ، أو الْمنقول إليه الدم ، وعليه قد تكون النفس هنا بِمَعنى النَّفسية وليست ، هنا ، بِمعنى الروح في الإنسان ...
جاء عن الروح معانٍ عديدة ، فهي : الْهواء الْمتَحَرِّك : « فَمَدَّ موسى عصاه ... فساق الربُ ريِحًا شرقيةً على الأرض ... » ( خر 10/13) ويدل الروح على القوة الْحياتية
كما رأينا في حزقيال ، ويدل على الأفكار والْمشاعر التي تظهَر فيها هذه القوة : « إنَّه ما دام نفسي فيَّ وروح الله في أنفي » ( أي 27/3) ، ويأتي الروح بِمَعنى : عطية من الله :
« جَدِّد فيَّ روحًا مستقيمًا » ( مز 50 أو 51/10 ) إلخ... والروح هو القدرة التي بِه يعمِل الله في رعاية الْخليقة : « روح الله هو الذي صنعني ونسمــة القـدير أحيَتْني » ( أي 33/4 ) ، ويأتي بِمَعنى الْحكمَة : « وملأتُه من روح حكمة وفَهْمًا ومَعْرِفَة ... » (خر 31/3 ) . ويكون هذا الروح ، أي الْحكمة ، مع القضاة ( راجع مُحاضرتي في الروح القدس – وراجع أش 11/1) .
لَم يكن في مفهوم العهد العتيق أن يتوغَّل في أعماق الشيطان ، فقَسَمَ الأرواح إلى أقسام منها : أرواح شريرة وأرواح خَيِّرَة ، فالروح الشريرة ، مثلا ، هي : روح الغيرة ، أو إنفعالات إنسان ظنَّ ظنًا شريرًا فثار، كغيرة الرجل على زوجته فأوصلهما إلى الطـلاق (عد 5/14-30) ، أو يكون روحَ الحقد ، فيثير الْحقد في قلب الإنسان : « وبَعَثَ الله روح الشر بين أبيمَلِك وأهل شكيم فغدَرَ أهل شكيم بأبيمَلِك »( قض 9/23) وقد يكون روح إنتقام ،كما انتقَمَ شِمعون ولاوي من حَمور وشكيم إبنِه ( تك 34/25-31) أو روح دعارة أو روح إنْحِراف عن الإيِمَان : « شعبي يسأل بِخشبَتِه وعصاه تُخْبِرُه لأن روح الزنى أضلَّهُم فزنوا عن إلَهِهِم »( هو 4/12 ) أو أرواح نَجاسة : « ويكون في ذلك اليوم، يقول رب الْجنود ... وأُزيلُ الأنبياء والروح النَّجس عن الأرض » ( زك 13/2) . في كل هذا أرى أنَّها الشهوات والعواطف التي دعاها الكتاب الْمقدَّس « روح » . وقد يكون هذا الروح أو ما دعيته إنفعالات أو شهوات . والأرواح الْخَيَّرَة ، هي : « روح حكم (عدالة ( لِمَن يَجْلـِس لِلْحكم ... » ( أش 28/6 ) ويكون : « روح التَّضَرُع » : « وأُفيض على بيت داوود ... روح النِّعْمَة والتضرعات فينظرون إليَّ أنا الذي طعنوه ...» (زك 12/10 ورؤ 1/7 ) ...
أمَّا بعد أن تَجَسَّد الرب يسوع فقد كشفَ القناع عن وجه الشيطان والأرواح الشريرة وكشفَ حِيَلَهم وضُعْفَهم ، وأعلنَ سلطانَه عليهم ، وبقدرة الروح القدس يطرد الشياطين ، الذين لا قدرة لَهم على مقاومة قداسته : « وأمَّا إذا كنتُ بروح الله أطرد الشياطين فقد حلَّ بينكم مَلكوت الله » ( مت 12/28) . « وكان هناك رجلٌ فيه روح نَجِسٌ فأخذَ يصيح : ما لنا ولك يا يسوع النَّاصري ... أنتَ قدوس الله ، فانتهرَه يسوع وقال له : إخْرَس واخرُج منه ... وصرَخ صرحَةً عظيمَةً وخرج منه » ( مر 1/23-27) . وآيات كثيرةٌ تدلُ على وجود الأرواح ، والتي لَها شَخْصية غير متَجَسِّمة ، كالشيطان مثلا ، والأرواح الطَّاهرة ...
جاء في الْخلاصة اللاهوتية ، لتوما الإكويني ، الْمجلَّد الثاني ، الفصل الأول من الْبَحْث 75 ص 250 ، ما يلي : « طبيعة النَّفْس : إنَّ النفس هي الْمبدأ الأول للحياة ، في كل مَن هو حي ، والْحي هو مَن كان له نَفس ، أمَّا ما لا نَفْسَ له فإنَّه عارٍ عن الْحياة ، وأخص مَظهَرٍ للحياة فِعْلان : الإدراك والْحركة . أمَّا الْحيوان فالقلب مبدأ حياتِه لأنَّه مَجْمَع الدم ، وفيه الْحركة ، ولكن ليس فيه الإدراك . وكل مُتَحَرِّك يُحَرِّكُه آخر ، والإنسان تُحَرِّكُه النَّفس ... »
قال الإكويني ، أيضًا ، في الْمجلَّد الثاني ص 255 الفصل 3 من الْبَحث نفسه :
« الإنسان وحده ذو نَفْسٍ جوهريةٍ تعي وتدرك ، أمَّا نفوس الْحيوانات فليسَت جوهرية ، إنَّما هي عرضية ، ولئن رافق الإنسانُ الْحيوانَ في الْجنس » -باعتبار الأجساد المادية - « ولكنَّه يُخالفها في النَّوع » باعتبار الإدراك والتَّعَقُل ...
وقال أيضا : « الذي ليس هيولي فهو صورة ، والْهيولي هو فعل ، أمَّا الفعل الصرف فَهو الله » ( الْمرجع ذاته ص 258-259 بحث 75 فصل 5 ) . وفي الفصل السادس من الْبَحث نفسه : « إنَّ النُّفوس البشرية قد نالت من الْجودة الإلهية كونَها عقلية وذات حياة جوهرية غير فانية ، وعليه يستحيل أن تكون النَّفس البشرية فاسدة ...»
الـــخـــلاصـــة :
النفس والروح هُما واحد : فإذا قلنا مع بولس: « إن كان إنسانُنا الظاهر ينهدم ، فإنسانُنا الباطن يَتَجَدَّد يومًا فيومًا » ( 2 قور 4/16 ) فالنفس هي إنسانُنا الباطني ،
والروح نفسية أو روحانية النفس مع العلم إنَّ النفس والروح هُما واحد في نظر الْجميع ...