الذكرى الثالثة
لاستشهاد جبران تويني ورفيقيه
المطران الياس عودة: جبران تويني لم يلتفت إلا إلى فوق وكان حقيقياً... وأهل الحق والحرية يُقتلون





[frame="14 95"]بعد قراءة من رسالة القديس بولس الى اهل افسس (5/8-19)، تلا المطران عودة فصلا من بشارة القديس يوحنا "التلميذ الحبيب" (12/19-26)، ثم القى عظة قال فيها: "الارض ساحة، معظم الناس فيها ممثلون. الاشخاص الحقيقيون الصادقون قلة نادرة. هؤلاء يتماهون مع الحق والحرية. أهل الحق يغتالون، أهل الحرية يقتلون، لان الحرية والحق يغيظان من لا يعرفهما. الحق والحرية متلازمان. الحق يظهر عندما تكشف ذاتك، والحرية عندما تطلق ذاتك لتحقيقها. الممثلون لا يُقتلون، ولا يُغتالون. [/frame]
[frame="14 95"]

قال الرب يسوع: "لهذا قد اتيت الى العالم لاشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي (يو 18:37). قال له بيلاطس: ما الحق؟ الرب لم يعط جوابا، لان بيلاطس لم يكن في استطاعته ان يفهم، لانه كان خادم الطاغية وعبد الظالم. كل يوم في حياة الحر يوم ابداع، كل يوم آخر جديد يرتبط بالقضية ويغنيها. قضية هذا الحر ههنا هي لبنان. كلما فكر فيها، اغتنت بها انسانيته وعظمت بها نفسه، هذه النفس التي تعتبر ان رسالتها هي انقاذ لبنان من أسر وعبودية، معتمدة على ايمانها بالله وقدرته.
النفوس الكبيرة تكافح ولا تفكر في المستقبل. الحاضر هو الموجود، ويثرى هذا الحاضر بقدر ما نحياه في الحق والحرية. حركة الزمن ليست في أيدينا. ما هو في متناولنا ان نملأ الحاضر بما هو من مكونات الحق للزمن الحاضر. الانسان الحر المستقل المبدع هو الذي يجعل في اللحظة حياة. هذا الانسان ثائر في كل لحظة، ثائر على الموت، ثائر على العبودية، ثائر على كل حد يعوقه عن الابداع في اللحظة التالية. انه ساكن "الأين واللاأين".
هذا الانسان هو الانسان الذي يحب. وعظمة الانسان تأتي من محبته. يتجاوز نفسه ويفضح الكذب والرياء والنفاق في اولئك الممثلين المرائين. في اليونانية القديمة عند ارستوفانس وافلاطون وآخرين، الممثل الذي يلعب على المسرح هو Hypocrite التي تعني اليوم المرائي.
جبران كان بعيدا عن ان يكون مرائيا. كان انسانا حقيقيا مؤمنا صادقا، شفافا، بسيطا، طيبا، جريئا، محبا، رقيقا، عطوفا، كريما، دائم الابتسام والفرح. كان طفلا يحمل في قلبه هذه الصفات التي هي من ثمار الروح، ونحن نردد مع ربنا يسوع المسيح: "ان لم ترجعوا وتصيروا كالاطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات"(متى 18:9).
محبا للحياة كان جبران، وحالما كبيرا ومتمردا على كل ذلّ. كان ثروة حقيقية لبلاده، هذا ما يؤكده كل من عرفه. لم يكن يفتش عما لنفسه، بل عما لوطنه. كان يسعى باستمرار الى اعلاء شأن وطنه وشأن الشباب فيه. كان يطمح الى وطن عزيز سيد حر مستقل مزدهر بكل طاقاته، والشبابية منها خصوصا. وقد عمل جاهدا من اجل اعطاء الشباب فرصة للتعبير عن أنفسهم.
لا يذكر جبران من دون رفيقيه نقولا واندريه الوفيين الواثقين بجبران من اجل جبران. هذان الشابان اللذان هزمت المحبة التي لا حدود لها "انا" هما لتندمج بمحبته التي لا زيف فيها، بالمحبة التي تنمو الى ان تتحقق في الخلاص، في خلاص بلاد تنحدر نحو الانهيار، تنحدر من علو الاخلاق والقيم والوطنية والانتماء الى اسفل مراتب الكذب والرياء والاستعباد والاستزلام.
يصدق قول الشاعر على هذه الحال حين يصرخ: على الارض هذا الحطام، قياصرة وأباطرة وعساكر وعسس، عبر هذا المتاه كلهم يا الهي اله. كان جبران يعرف عن يقين ان الكثيرين لا يرون الوطن، انهم يرون الصنم فيهم.
[/frame]
[frame="14 95"]


وكان يجد ان لا خلاص للبنان بهم، لان
هناك اكثر من يهوذا واحد بينهم. هؤلاء الذين يبيعون ضمائرهم والوطن، لكنهم غافلون عن ان الله يكشف اخفى نياتهم، واقوالهم تصل عرش الرب وتحكم على شر افعالهم (الحكمة 1:9). أما الذين يسمعون صوت الرب ويفهمون الحق، فتكون النعمة والرحمة معهم، وإن ماتوا شبابا، فسيجدون الراحة ويحيون الى الابد (الحكمة 4 و5).
أدرك جبران ان لا مكان لليأس، ولا للرجوع، وان من وضع يده على المحراث لا يلتفت الى الوراء. جبران لم يلتفت الا الى الصوت الآتي من فوق، الآتي من أمامه وهو يتبعه، الصوت الذي يقول: "ان لم تقع حبة الحنطة في الارض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن ان ماتت تأتي بثمر كثير" (يو 12:24). جبران لم يحب نفسه ليهلكها، بل ضحى بنفسه من اجل اخوته والوطن ليحفظها الى حياة أبدية، آمين


[/frame]


".

ذكرهم الى الابد . آمين