الحب أقوى من الموت
الأب جان كريسافجيس
الأب جان أسترالي من أصل يوناني يعمل الآن أستاذاً في علم آباء الكنيسة لدى معهد الصليب المقدس للاهوت الأرثوذكسي في بوسطن بعد أن كان مُدَّرساً في معهد رئاسة أبرشية أوستراليا اليونانية, وهو مؤلف أطروحة الدكتوراه في لاهوت القديس يوحنا السلمي في جامعة أكسفورد, ونشر مؤلفاً بعنوان " صوت الآباء, البحث في فكر آباء الكنيسة " مع العديد من المقالات في اللاهوت والروحانية الأرثوذكسيين, وهو متزوج ورب عائلة.


وهذا قسم من مقال له بعنوان: "الحب والزواج والطبيعة الجنسية" كان منشوراً في نشرة دير مار جرجس الحميراء وأعجبني فأحببت أن أنقله لكم

من وجهة نظر إنسانية, معنى الحب لا يمكن على الإطلاق أن يفهم بطريقة واحدة. إنه يذكر بالعديد من المعاني ومن الأوضاع النفسية. سواء أتناول الحديث ممارسة الجنس التي يمكن أن تعني عملاً عضوياً خالياً من الحب, أو الالتزام العميق لدى زوجين متقدمين في السن, وسواء أكان المقصود به المبررات الأنانية أو العطاء النزيه, أو نعومة طفل يمسك بيد واحد من أهله أو مودة صديقين يمد كل منهما يده للآخر. الكائنات البشرية وجدت ليحب واحدها الآخر ولينظر واحدها في وجه الآخر.
تجربة الحب هي تجربة السماء والحياة, وغياب الحب هو الجحيم والموت. كان القديس مكاريوس المصري, في معرض رؤيته للجحيم, يتحدث عن شخصين ملتصقين ظهراً على ظهر بحيث لا يتمكن أي منهما أن يرى الآخر مهما طال الزمن. الحب يقطع سلاسل العزلة ويدك جدران الأنانية. لن نكون يوماً أقوى من ذلك اليوم الذي نكون فيه قابلين لأن يتملكنا الحب. الحب يطرد الخوف, إنه أقوى من الموت, فإذا قلت لأحد: "أحبك" تكون كمن يصرح تصريحاً غبياً, كمن يقول له: "لن تموت". وعياً منهم لقوة الحب هذه فإن آباء الكنيسة لا يخشون مقارنتها بغريزة الحب أو الشهوة.
يصف ديونيسيوس الأريوباغي الله بأنه مهووس الحب وحامٍ نشيط لخليقته. الحب قوي لدرجة أن تعبيراً حقيقياً واحداً عنه ينم عن انفتاح يغير وجه العالم بأسره. إذا نظرت أنت بمحبة في عيني شخص آخر تكون قد رأيت روح العالم بكامله وتكون قد رأيت صورة الله ذاتها. إن حباً كهذا الحب هو هبة من الله لكنه يتطلب كذلك أن يُعنى به وأن يُبذل فيه جهد كبير. الحب يحتاج إلى الوقت والرقة كما إلى المسؤولية والاحترام. إنه يستدعي أن يثق المرء بنفسه ليغمر الآخر باستمرار. عندما يحين الأجل لن نحاسب إلا على أساس الحب. هذا الحب هو أكثر من مجرد عواطف, إنه قرار والتزام. إذا شئت أن تحب, عليك أن تخلق هذا الحب لا أن تنتظر أن يأتي به إليك زوجتك أو زوجك. يقدم لنا لله في الحب والزواج فرصة رائعة لأن نولد من جديد ونبلغ النضوج. وهو بالنتيجة " سر عظيم " (أفسس 5 :32). الحياة هي السر العظيم, السر الكبير بأن نحيا وأن نحيا برجاء. إذا نحن عملنا على هذا الحب, إذا تعهدنا الحب بعناية, إذا خفَّضنا درجة الاحتفاظ بحذرنا, إذا ناضلنا للدخول في علاقة, فإننا سنلاحظ شيئاً فشيئاً أن العالم بكامله يتغير وأن العالم كله جميل. بالحقيقة وبكل تأكيد سنكون نحن من تغيَّر, ونحن من سنرى الأشياء ذاتها بعيون أخرى.