.....و بعد أن عاقب الله الإنسان أولاً – بطرق كثيرة ، لأن خطاياه كانت كثيرة (من التي نبتت من جذر الشر، و التي نشأت من أسباب مختلفة و في أزمنة متفرقة)، أدبه الله بالكلمة و الناموس و الأنبياء و الإحسانات و التهديد و الفيضانات و النيران و الحروب و الانتصارات و الهزائم و العلامات في السماء و علامات في الهواء و في الأرض و في البحر ، و بتغييرات مفاجئة للأمم و المدن و الشعوب – كل هذه الأمور كانت تهدف إلى إبادة الشر .
و أخيراً احتاج الإنسان لدواء أكثر قوة لأن أمراضه كانت تزداد سوءاً : مثل قتل الأخ و الزنى و القسم الكاذب و الجرائم الشاذة ، و أول و آخر كل الشرور أي عبادة الأصنام و تحويل العبادة تجاه المخلوقات بدلاً من الخالق .
و بما أن هذه كانت تحتاج إلى معونة أكبر،لذلك حصلت على ما هو أعظم......
ذلك هو كلمة الله ذاته – الأبدي الذي قبل الدهور، و هو غير المنظور، غير المفحوص، غير الجسدي، البدء الذي من البدء ، النور الذي من النور، مصدر الحياة الخلود، صورة الجمال الأصلي الأول، الختم الذي لا يزول، الصورة التي لا تتغير ، كلمة ألآب و إعلانه، هذا الذي أتى إلى صورته، و أخذ جسداً لأجل جسدنا، ووحد ذاته بنفس عاقلة لأجل نفسي لكي يطهر الشبه بواسطة شبهه ، و صار إنسانا مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية إذ ولد من العذراء التي طهرت أولاً نفساً و جسداً، بالروح القدس (لأنه كان يجب أن تكرم ولادة البنين و أيضاً أن تنال العذراوية كرامة أعظم)،
و هكذا حتى بعد أن اتخذ جسداً ظل إلهاً، إذ هو شخص واحد من الاثنين، يا له من اتحاد عجيب، الكائن بذاته يأتي إلى الوجود، غير المخلوق يُخلق (بناسوت خلقه هو في أحشاء العذراء)، غير المحوى يحوى بواسطة نفس عاقلة تتوسط بين الألوهة و الجسد المادي. ذاك الذي يمنح الغنى صار فقيراً، فقد أخذ على نفسه فقر جسدي، لكي آخذ غنى ألوهيته. ذاك الذي هو ملء يخلى نفسه، لأنه أخلى نفسه فترة قصيرة، ليكون لي نصيب في ملئه. أي صلاحٍ هذا؟! و أي سر يحيط بى؟! اشتركت في الصورة و لم أصنها، فاشترك في جسدي لكي يخلص الصورة و لكي يجعل الجسد عديم الموت. هو يدخل في شركة ثانية معي أعجب كثيراً من الأولى، و بقدر ما أعطى حينئذ الطبيعة الأفضل، فهو الآن يشترك في الأسوأ.
هذا العمل الأخير (التجسد) يليق بالله أكثر من الأول، و هو سامي جداً في نظر الفاهمين.
المفضلات