[align=justify]

المحبّة المنقِذة

كان الأب أنسطاسيوس (القرن الرابع) يملك نسخة غالية الثمن من الكتاب المقدّس. وفي أحد الأيّام، زاره شخص، واستطاع أن يسرقه. بعد خروج السارق، أراد الأب أن يقرأ في كتابه، فلم يجده. وعرف أنّ زائره سرقه. فكّر في أن يذهب إليه، ويصارحه. ولكنّه شعر بأنّ هذه المحاولة لن تجدي نفعاً، وقد تجعل السارق يضيف الكذب إلى سرقته. فعدل عن فكرته. أمّا السارق فعرض الكتاب للبيع. وطلب فيه ستّ عشرة قطعة ذهبيّة. أتى إليه مشترٍ، وطلب منه أن يعطيه الكتاب بعض الوقت لكي يرى إن كان يستحقّ هذا الثمن. فوافق. أخذه المشتري، وذهب به إلى الأب أنسطاسيوس ليستشيره في أمر الكتاب. فلمّا وقع نظره عليه عرف أنّه كتابه المسروق. وإذ لم يرد أن يفضح السارق، قال لسائله: هذا كتاب حسن، ويستحقّ الثمن المطلوب. عاد المشتري إلى السارق، وقال له: ها القطع الذهبيّة التي طلبتها، فلقد استشرت الأب أنسطاسيوس لخبرته، ووجد أنّ الثمن مناسب. ذُهل السارق بعد أن سمع العبارة الأخيرة، وقال للمشتري: ألم يقل لك شيئًا آخر؟ فأجاب المشتري: كلاّ، ولا كلمة واحدة. ذُهل السارق أكثر. إذ إنّه اكتشف محبّة الأب العجيبة التي سترت عيوبه. فلقد ضحّى بكتاب ثمين كي لا يفضحه! أثّرت فيه هذه المحبّة كثيراً، وأيقظت ضميره، وقال للمشتري: لقد غيّرت رأيي، هذا الكتاب ليس للبيع. ثمّ انطلق بسرعة إلى الأب أنسطاسيوس ليعيد إليه كتابه. ولمّا وصل، واعترف أمامه بما فعله، رفض الأب أن يأخذ منه الكتاب، وقال له بلطف كبير: امضِ بسلام، كنْ هادئ البال، لقد أهديتك الكتاب. لم يمضِ. فقد أسَرَته هذه المحبّة. وقرّر أن يحيا حياة جديدة، حياة لله الذي وضع، في الأب أنسطاسيوس، محبّة ليست من العالم.
[/align]