[frame="14 10"]

في الظهور الإلهي
للقديس يوحنا الذهبي الفم
ترجمها عن اليونانية الشماس إغناطيوس الحوشي
لماذا يُدعى يومُ معموديَّةِ الرَّبِّ، وليس يومُ ميلادِهِ، الظهورَ الإلهيَّ؟ لأنَّهُ اليومُ الذي اعتمدَ فيهِ وقدَّسَ طبيعَةَ المياه. ولهذا جميعُنا نُحضِرُ الماءَ ونَضَعُهُ في وَسَطِ البيتِ في منتصَفِ ليلَةِ العيدِ حافِظينَ إيَّاهُ طيلَةَ العَام، لأنَّ المياه تقدَّسَتْ في هذا اليوم. وعجيبةُ الماءِ المُقدَّسِ تظهَرُ جَلِيَّةً من عَدَمِ تغيُّرِ طبيعةِ الماءِ بمُرورِ الزَّمَنِ، إذ ينقضي عامٌ كامِلٌ وفي كثيرٍ منَ الأحيانِ عامَانِ أو ثلاثةٌ يبقى الماءُ أثناءَها نقيّاً ولذيذاً كما لو كُنّا ملأْناهُ منَ الينبوعِ للتوِّ. فلماذا إذاً يُدعى هذا اليومُ يومَ الظُّهور؟ لأنَّ المسيحَ أعلنَ ذاتَهُ للجميع عندما اعتَمَدَ وليسَ عندما وُلِدَ، وإلى يومِ معموديَّتِهِ كان غيرَ معروفٍ لدى الكثيرين، وكانوا يجهلُونَ مَنْ يَكُون. وهذا هو بالضبط ما يكشِفُهُ لنا يوحنا المعمدانُ بقولِهِ: "في وسَطِكُم قائمٌ الذي لستم تعرفُونَهُ".(يو1: 26)
ولكن لماذا نَعجَبُ من أنَّ الآخرين كانُوا يجهلُونَهُ في حين أنَّ يوحنا المعمدانَ نفسَهُ كان يجهلُهُ[1] إلى ذلكَ اليومِ الذي اعتمَدَ فيهِ، إذْ يقولُ: "وأنا لم أكُنْ أعرِفُهُ، ولكنَّ ذاك الذي أرسلَني لأُعمِّدَ في المياه هو قالَ لي: الذي ترى الرُّوحَ نازلاً ومُستقراً عليهِ، فهذا هو الذي يُعمِّدُ بالرُّوحِ القُدُس". (يو1: 33). ولكنْ لماذا جاءَ المسيحُ ليعتَمِدَ؟ وما هي المعموديةُ التي اقتَبَلَها؟ لكيْ نُجيبَ عن السُؤال الأوَّل يجبُ أنْ نُجيبَ أولاً عن السُؤالِ الثّاني، وهذا ما سأفعلُهُ للحَال.
المعموديةُ كانَتْ معروفَةً عندَ اليَهُودِ ولكنَّها لم تكُنْ تُعتِقُهُم مِنْ خطاياهُم وإنّما كانَتْ تُنقِّيهِم فقط مِنْ أدناسِهِمْ. فمثلاً إذا زنى أحدُهُم أو ارتكَبَ سَرِقَةً أو أيَّةَ خطيئَةٍ أُخرى فإنَّ المعمُوديَّةَ[2] لم تكُنْ تُخلِّصُهُ من خطيئَتِهِ. أمّا إذا مَسَّ عظامَ مَوتى أو أَكَلَ طعاماً مُحرَّماً أو قَامَ بدَفنِ مَوتى أو اقترَبَ منهُم فكانَ يغتَسِلُ وكان يبقى غيرَ طاهِرٍ حتّى المَساء، وفيما بَعدُ كان يَطْهُرُ. لأنَّهُ يقولُ: "ويَستحِمُّ بماءٍ نقيٍّ ويكُونُ نجِساً إلى المسَاء" (لا 15: 5) وفيما بَعدُ يَطهُرُ، لأنَّه في الواقعِ هذه كُلُّها لم تَكُنْ أدناساً، وإنَّما أَرادَ اللهُ بهذهِ الإجراءاتِ أنْ يُعلِّمَ اليهودَ التَّقوى ويُهَيِّئَهُم منذُ البدايةِ لإدراكِ أُمورٍ أَسْمى، إذْ كانُوا بَعدُ غيرَ كاملينَ رُوحيّاً.
فالتَّطهيرُ اليهوديُّ لم يَكُنْ يُعتِقُ منَ الخطَايا إذاً بَلْ كانَ يُنقِّي فقطْ مِنَ الأدناس، على العكسِ منْ مَعموديَّتِنا نحنُ، التي هي أَكثَرُ سُموّاً وأَوفَرُ نِعمَةً، كَونَها تُعتِقُ منَ الخطيئَةِ، وتُنقِّي النفسَ، وتَمنَحُ الرُّوحَ القُدُسَ. مَعمودِيَّةُ يوحنّا بالطَّبعِ كانَتْ أَسمَى من المعمُوديَّةِ اليَهُوديَّةِ، ولكنَّها في الوقْتِ نَفسِهِ أَقَلُّ مكانةً مِنْ معموديَّتِنا، وكأَنَّها كانَتْ تُشكِّلُ جسراً بين هاتين المعموديَّتين، ناقِلَةً إيّانا مِنَ الأُولى إلى الثانية. إذ إنَّ هَدَفَها لمْ يكُنْ تطهيرَ اليَهودِ مِنْ أَدناسِهِم وإنَّما حثَّهُم على الابتعَادِ عن الأفعالِ الدَّنسَةِ والالتفاتِ إلى الفضيلةِ بَدَلاً من الرَّذيلَة، وأَنْ يُؤسِّسوا رجاءَهُم بالخلاصِ على الأفعالِ الحَسَنَةِ وليسَ على نامُوسِ التَّطهير والاغتسَالِ بالمَاء[3]. لأنَّهُ لم يَكُنْ يقولُ لليهُودِ: إغسِلُوا ثيابَكُم واستَحمُّوا فتطْهُروا، وإنَّما كان يقولُ: "إصنعُوا ثماراً[4] تَليقُ بالتوبَة" (متى 3: 5). لهذا كانت معمُوديَّةُ يوحنّا أَسمى من المَعموديَّةِ اليهوديَّة. أمّا بالمُقارَنةِ مع معمُوديَّتِنا فكانَتْ أدنى منها، لأنَّها لم تكُن تَهَبُ الرُّوحَ القُدُسَ ولا كانَتْ تَمنَحُ الصَّفحَ الذي تَمنَحُهُ النِّعمَةُ الإلهيَّةُ، بلْ كانت تُحرِّضُ على التَّوبةِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لها السُّلطَةُ على الصَّفحِ عن الخَطَايا، ولهَذا السَّببِ بالضَّبط كان يُعلِنُ: "أنا أُعمِّدُكُم بمَاءٍ، أمّا ذاكَ فَسيُعمِّدُكُم بالرُّوحِ القُدُسِ والنّار" (متى 3: 11). فمِنَ الجَليِّ إذاً أَنَّهُ[5] لم يَكُنْ يُعَمِّدُ بالرُّوحِ القُدُس. ولكنْ ما المقصُودُ بالعِبَارَةِ "بالرُّوحِ القُدُس والنَّار"، تذكَّرُوا مِنْ فضْلِكُم ذلكَ اليومَ الذي فيهِ انحَدَرَتْ الألسِنَةُ النارِيَّةُ المُنقسمَةُ على الرُّسُلِ واستَقَرَّتْ على كُلِّ واحدٍ منهُم.
أمّا عَدَمُ كمَالِ معموديَّةِ يوحنّا، لكَونِها لا تَستَطيعُ أنْ تَمنَحَ الرُّوحَ القُدُسَ ولا أنْ تَحُلَّ الخطايا، فيظْهَرُ واضحاً مِنْ سُؤالِ بولُسَ الرَّسُولِ بعضَ التلاميذِ عِندَ التِقائِهِ بهِم قائلاً: "هلْ أخذْتُم الرُّوحَ القُدُسَ عندما آمنتُم؟ فأجابُوهُ: إننا لم نَسمَعْ قَطُّ أنَّهُ يوجَدُ رُوحٌ قُدُسٌ. عندها قالَ لهُم: وبماذا اعتمَدْتُم إذاً؟ فأجابُوهُ: بمعموديَّةِ يوحنّا. فقالَ لَهُم بولُسُ: إنَّ يوحنّا كانَ يُعمِّدُ بمعموديَّةِ التَّوبَة" (أع 19: 2-4). إذاً كانت معموديَّةً للتَّوبَةِ وليسَ لغفرانِ الخَطايا. ولكنْ ماذا كانَ هدَفُها؟ "كانَ يقولُ للشعبِ أنْ يُؤمِنوا بالذي سَيأتي بَعدَهُ، أيْ بالمَسيحِ يسوعَ. ولمّا وَضَعَ بُولُسُ يديهِ عليهم حَلَّ عليهم الرُّوحُ القُدُس" (أع 19: 4-6). أرأيتُم كيفَ كانَتْ معموديةُ يوحنّا ناقِصَةً؟ لأنّها لو لم تكُنْ كذلك، لما كانَ بولُسُ عَمَّدَهُم مرَّةً أُخرى، وما كانَ وَضَعَ يديهِ علَيهِم. فبعمَلِهِ هذا أظهَرَ أنَّ معمُوديَّةَ الرُّسُلِ كانَتْ تَفُوقُ بكثيرٍ معموديةَ السَّابِقِ، وأنَّ الأخيرةَ كانتْ أدنى بكثيرٍ منَ الأُولى[6].
ها قد أَوضَحنا لكُم الفرقَ بين المعمُوديَّتينِ، ويَبقى علينا أَنْ نُخبِرَكُمْ ما هو السَّببُ الذي منْ أجلِهِ اعتمَدَ المسيحُ، وأيَّةَ معمُودِيَّةٍ اقتَبَلَ. إنَّ المَسيحَ لم يَعتَمِدْ بحسبِ المعموديَّةِ اليهوديَّةِ، ولا اعتمدَ بحسبِ معموديَّتِنا نحنُ، التي صِرْنا نُمارسُها فيما بَعدُ. لأنَّهُ لم يكُنْ بحاجَةٍ إلى مغفرةِ الخطايا، ذاكَ الذي لمْ يعرِفْ خطيئَةً، إذْ يَقُولُ: "الذي لَمْ يفعَلْ خطيئَةً ولا وُجِدَ في فَمِهِ مَكْرٌ" (بط 2: 22) وأيضاً: "مَنْ منكُمْ يُمسِكُ عليَّ خطيئَةً" (يو8: 46)، ولم يَكُنْ جسدُهُ مَحرُوماً منَ الرُّوحِ القُدُس، إذْ كيفَ يُمكِنُ أنْ يكونَ ذلكَ الجَسَدُ محروماً منهُ وهو الذي حُبِلَ بِهِ بالرُّوحِ القُدُسِ؟ فإذا كانَ ذلكَ الجَسَدُ غيرَ محرومٍ من الرُّوحِ القُدُس[7]، ولم يرتَكِبْ أيَّةَ خطيئَةٍ، فمَا كانَتْ حاجَتُهُ إذاً إلى المعمُوديَّة؟. دَعُونا أوَّلاً نعرفْ ما هيَ المعمُودِيَّةُ التي اعتَمَدَها ومِنْ ثَمَّ سيُصبِحُ من السَّهلِ علَينا أَنْ نَفهَمَ لماذا اعتَمَد.
إنَّهُ لمْ يَعتَمِدْ بحسَبِ المعمُودِيَّةِ اليهوديَّة ولا بحَسبِ معموديَّتِنا نحنُ، لكنَّهُ اعتَمَدَ معموديَّةَ يوحنّا. لماذا؟ لكَيْ نتَيَقَّنَ نحنُ من طبيعَةِ هذِهِ المَعموديَّةِ، كيفَ أنَّهُ لم يعتَمدْ بسببِ خطايَا كانَ قد ارتَكَبَها ولا لكَيْ ينالَ الرُّوحَ القُدُسَ، ولكنْ ماذا إذاً؟هلْ كانَ بحاجَةٍ إلى التَّوبَة حتَّى أنَّهُ جاءَ إلى الأُردُنِّ ليعتَمِدَ معمُوديَّةَ التَّوبَة منْ يوحنّا المعمَدان مثلَ الآخَرينَ؟ لاحِظُوا الفَرقَ بينَ المَسيحِ وبينَ الآخَرِينَ مِمَّنْ كانُوا يطلُبُونَ المعموديَّةَ مِنْ خِلالِ كلامِ المَعمَدانِ نَفسِهِ، إذْ إنَّ يُوحنَّا كانَ يَهتفُ باليَهودِ قائِلاً: "إِصنَعُوا ثِماراً تَليقُ بالتَّوبة" (متى3: 8)، أمّا أمَامَ الرَّبِّ فقالَ: "إنَّني أنا بحَاجَةٍ أنْ أَعتَمِدَ منكَ، أفأَنتَ تأْتي إليَّ؟" (متى3: 14). لقد أرادَ المعمدانُ أنْ يُظهِرَ بكلامِهِ هذا أنَّ المَسيحَ لم يأَتِ إليهِ بنَفسِ الهَدَفِ الذي كانَ الآخرونَ يبتَغُونَهُ من المعمُوديَّةِ، وأنَّهُ لم يَكُنْ أصلاً بحاجَةٍ إليها، كونَهُ أعلى مَكَانَةً وأكثَرُ طهَارَةً بما لا يُقارَنُ مِنْ يوحنّا المعمَدان. لماذا اعتَمَدَ إذاً، طالما أنَّهُ لم يكنْ بحاجَةٍ لا إلى التَّوبَةِ ولا إلى غُفرانِ الخطايا ولا إلى اقْتِنَاءِ الرُّوحِ القُدُسِ؟ لقد اعتَمَدَ لسَببينِ آخَرَينِ. يُخبِرُنا التِّلميذُ[8] بأحَدِهِما، والآخَرُ هو ما يقولُهُ المسيحُ للمعمدان.
ماذا يقولُ إذاً يوحنّا عنْ سبَبِ المعموديَّةِ؟ لِكَيْ يَعلَمَ الجميعُ، كما يقولُ بولُسُ الرَّسولُ أنَّ "يوحنّا عَمَّدَ بمعمودِيَّةِ التَّوبةِ قائِلاً للشعبِ أنْ يُؤمِنوا بالذي يأتِي بَعدَهُ" (أع19: 4). هذا كانَ الإنجازُ الذي حقَّقَتْهُ المعمودِيَّةُ. لأنَّهُ لو أخَذَ يَجُولُ على منازِلِ الشَّعبِ مُصطَحِباً المسيحَ مَعَهُ وصارَ يستَدعي سُكَّانَ كُلِّ بَيتٍ إلى الخارِجِ ليقولَ لهُم هذا هُوَ ابنُ الله، لَظَهَرَتْ شهادَتُهُ مشبُوهَةً، أَضِفْ إلى صُعُوبَةِ تحقيقِ هذا العَمَل. ولو فَعَلَ الأمرَ نفسَهُ في المجَامِعِ، لظَهَرَتْ أيضاً شهادَتُهُ مشبوهَةً. ولكنْ أنْ يأْتِيَ المسيحُ إلى يوحنّا ليعتَمِدَ، في الوقتِ الذي كانَ يندَفِعُ فيهِ كُلُّ الشَّعبِ إلى الأُردُنِّ من كُلِّ مدينَةٍ، وكانَ يُقيمُ على ضِفَافِ النَّهرِ، وأنْ يقتَبِلَ هُناكَ الشَّهادَةَ السَّماويَّةَ التي تَمَّتْ بأقوالِ الآبِ، وبانحدارِ الرُّوحِ القُدُسِ بهَيئَةِ حمَامَةٍ، هذا كانَ يُؤكِّدُ شهادَةَ يوحنّا عن المَسيحِ، لهذا كانَ يقولُ: "وأنا لمْ أكُنْ أعرِفُهُ"، مُظهِراً صِدْقَ شهادَتِهِ. وحيثُ أنَّ كليْهما كانا أقرباءً بحَسَبِ الجَسدِ، (لأنَّ الملاكَ يقولُ لمَريَمَ عنْ والِدَةِ يوحنّا المعمَدان: "هوذا أليصاباتُ نسيبَتُكِ، هي أيضاً حُبلى بابنٍ" (لو1: 36). فبما أنَّ صِلَةَ القرابَةِ كانَتْ بينَ الأُمَّهات، فالأَولادُ أيضاً كانَتْ تَربُطُهُم صِلَةُ القرابَةِ)، ولكي لا يَبدُوَ أنَّ المعمدانَ يَشهَدُ لقَريبِهِ بالجَسَدِ، دَبَّرَتْ نِعمَةُ الرُّوحِ القُدُسِ أنْ يقضِيَ سِنينَ حياتِهِ السابقَةَ في البَرِّيَّةِ، دُونَ أنْ تربُطَهُ بقَريبِهِ أَيَّةُ صَداقَةٍ أو علاقَةٍ أُخرى مُشابهة، بلْ أَعلَنَ شَهَادَتَهُ للعَالَمِ كما أُعلِمَ بها منَ الله. لهذا يقولُ: "وأنا لم أَكُنْ أعرِفُهُ". وماذا قالَ لَكَ؟ "الذي تَرى الرُّوحَ نازِلاً بهيئَةِ حمَامَةٍ، ومُستَقِرّاً عليهِ، فهذا هُوَ الذي يُعَمِّدُ بالرُّوحِ القُدُس" (يو1: 33).
أَفَهمتُمْ لماذا جَاءَ الرُّوحُ القُدُسُ؟ لم ينزِلْ الرُّوحُ القُدُسُ في تلك اللحظَةِ وكأنَّهُ ينحَدِرُ للمَرَّةِ الأُولى، ولكنَّهُ نَزلَ ليُظهِرَ ذاكَ الذي كانَ يُكرزُ بهِ، مُعرِّفاً إيَّاهُ بذلكَ للجميعِ، وكأَنَّهُ يُشيرُ إليهِ بالإصْبَعْ عندما طارَ بهَيئَةِ حمَامَةٍ. لأجلِ هذا إذاً جَاءَ ليعتَمِدَ[9]، ولكنْ لسَببٍ آخرَ أيضاً يَكشِفُهُ لنا هُوَ ذاتُهُ، إذْ عندما قالَ يوحنّا: "إنَّني أنا بحاجَةٍ أنْ أعتَمِدَ منكَ، أفأَنتَ تأتي إليَّ؟"، أجابَهُ المسيحُ قائلاً: "إسمَحِ الآنَ. لأنَّهُ هكذا يَليقُ بنا أنْ نُكمِّلَ كُلَّ بِرٍّ" (متى3: 14-15). أرأيتُم اعترافَ العَبدِ؟ أرأَيتُم تَواضُعَ السيِّد؟ وماذا يعني أنْ نُتمِّمَ كُلَّ بِرٍّ؟ البِرُّ هُوَ أنْ نُتَمِّمَ جميعَ الوصايا، بالضبطِ كما يقولُ: "وكانا كِلاهُما بارَّينِ أمامَ اللهِ، سالِكَينِ في جَميعِ وصايا الرَّبِّ وأحكَامِهِ بِلا عَيبٍ" (لو1: 6) فواجِبٌ على جميعِ النّاسِ أنْ يُتمِّمُوا هذه الوصايا، ولكنَّ أحداً لمْ يستطِعْ إتمَامَهَا بشكلٍ كامِلٍ، ولهذا يأْتي المَسيحُ ليُحقِّقَها بأكْمَلِها.
وأَيَّةَ وصيَّةٍ يُتَمِّمُ المسيحُ بمعموديَّتِهِ؟ الوصيَّةُ كانَتْ أنْ يَخضَعَ للنبيّ. فكَما أنَّهُ خُتِنَ، وقَدَّمَ ذبيحَةً، وحَفِظَ السُّبوتَ، وشَارَكَ في الأعيادِ اليهُودِيَّةِ، هكذا بَقيَ عليهِ أنْ يخضَعَ للنَّبيِّ الذي عَمَّدَهُ. لأنَّ المعمُودِيَّةَ من يُوحنّا كانَتْ وصيَّةً إلهيَّةً أيضاً، إذْ يُعلِنُ هُوَ نفسُهُ قائِلاً: "الذي أرسَلَني لأُعَمِّدَ بالمَاء" (يو1: 33) والمَسيحُ يقولُ: "العشَّارونَ وجميعُ الشَّعبِ حَفِظُوا وصيةَ اللهِ واعتَمَدُوا من يُوحنّا، وأمّا الفَرِّيسيُّونَ والناموسِيُّونَ فرفَضُوا مشورَةَ اللهِ غيرَ مُعتَمدين مِنهُ" (لو7: 29-30). فإذا كانَ الخُضُوعُ للهِ هُوَ إحدى الوصايا، فها هُو اللهُ يُرسِلُ يوحنّا ليُعَمِّدَ الشَّعبَ، وها هو المسيحُ يُتَمِّمُ هذه الوصيَّةَ أيضاً مع بَقيَّةِ الوصَايا. فإذا افتَرَضنا أنَّ كُلَّ وصَايا النَّامُوسِ كانَتْ بقيمَةِ مِئَتَيْ دينارٍ، كانَ يجِبُ على جِنسِ البَشَرِ أنْ يُسدِّدَ هذا الدَّينَ، ولِكَونِنا لمْ نُسَدِّدْهُ استطاعَ المَوتُ أنْ يتسلَّطَ علينا، كَونَنَا نحنُ كُنَّا المَسؤُولينَ عنهُ. وعندَما جاءَ المَسيحُ ووَجَدَنا رازِحينَ تَحتَ سُلطَةِ المَوت، سدَّدَ هُوَ هذا الدَّينَ ودَفَعَ الثمن وحرَّرَ أُولئِكَ الذينَ لم يَكُنْ لَهُمْ أنْ يَدفَعوا. لذلِكَ لم يأْمُرْنا بأنْ نفعَلَ هذا ونُتَمِّمَ ذاك، وإنَّما "لأُكمِّلَ كُلَّ بِرٍّ" (متى3: 15)، فأَنا السيِّدُ الثَّريُّ، يَجبُ علَيَّ أنْ أُسدِّدَ دَينَ أُولئِكَ الذينَ ليسَ لَهُم أنْ يَدفَعُوا.
فهذا هو إذاً سَبَبُ اعتِمَادِهِ، أَنْ يُظهِرَ حِفظَهُ لكَافَّةِ وَصَايا النَّامُوس، ولكنْ أيضاً للسَّبَبِ الآخَرِ الذي ذكَرنَاهُ سَابقاً. ولهذا ينحَدِرُ الرُّوحُ بهيئَةِ حَمَامَةٍ، لأنَّهُ حيثُ يُوجَدُ مُصالَحَةٌ مع اللهِ تَظهَرُ الحَمامَةُ. فكَما جاءَت الحمَامَةُ إلى نُوحَ في الفُلكِ مُمْسِكَةً غُصنَ زيتُونٍ رمزاً لعَطْفِ اللهِ على البَشَرِ والخلاصِ منَ الطُّوفانِ، هكذا هُنا أيضاً يَظهَرُ الرُّوحُ القُدُسُ بهيئَةِ حمَامَةٍ وليسَ بِجِسْمِ حمامَةٍ (إذْ يجِبُ علينا أنْ نَعرفَ هذه الأُمورَ أيضاً بشَكلٍ صَحيحْ)، مُعلِناً مَحَبَّةَ اللهِ للمَسكُونَةِ، ومُعلِّماً الإنسانَ الرُّوحيَّ أَلا يكونَ شِريراً، بلْ أنْ يكُونَ نقيّاً صالِحاً، كمَا يَقُولُ المسِيحُ بالضَّبط: "إنْ لم تَتُوبُوا وتصيرُوا مثلَ الأَولادِ فَلَنْ تدخُلُوا ملكُوتَ السموات" (متى18: 3). فذلك الفُلكُ[10] استقرَّ على الأرضِ بعدَ انتِهَاءِ الطُّوفان، أمّا هذا الفُلكُ[11] فقدْ صَعِدَ إلى السَّماءِ بعدَ أنْ سَكَنَ غَضَبُ الله، أعني بهِ الجَسَدَ الطاهِرَ غيرَ المُلوَّثِ الذي يُوجَدُ الآن عن يَمينِ الآب. وكَوني ذَكَرتُ الجسدَ السيِّديَّ أَرى منَ الضَّرورَةِ بمَكَانٍ أنْ أتَكلَّمَ عنْهُ كَلِمتَين ثُمَّ أُنهي حديثِي.
أنا أعلَمُ أنَّ الكثيرينَ مِنكُم يقتَرِبُونَ من هذهِ المائِدَةِ المُقدَّسَةِ بِداعِي هذا العِيد[12]، ولكنْ مِنَ الأفضَلِ ألا نُميِّزَ الأعيادَعندَما نَشعُرُ بالحاجَةِ إلى تَناوُلِ الأسرارِ المُقدَّسَة[13]، بلْ أنْ نهتَمَّ بتَنقيَةِ ضَميرِنا وبعدَ ذلكَ فلْنَقتَرِبْ من الذَّبيحةِ المُقدَّسَة. لأنَّ غيرَ النَّقِيِّ والملوَّثَ لا يَحِقُّ لهُ الاشتراكُ في ذلكِ الجَسَدِ الرَّهيبِ والمُقدَّسِ ولا حتّى في الأعيَاد. أما الطاهِرُ الذي نَقَّى ذاتَهُ من الخَطَايا بِتَوبَةٍ صادِقَة فيَحِقُّ لهُ أنْ يشتَرِكَ في سِرِّ الشُّكرِ الإلهيِّ في الأعيَادِ وفي كُلِّ حينٍ وأنْ يَتَمتَّعَ بكُلِّ استحقاقٍ بالمَواهِبِ الإلهيَّة. وإنّي لأَعجَبُ من أُولئِكَ الذين يَستهينُونَ بذلك، إذ أَراهُم عندما يَحينُ يومُ العيدِ، ينْدَفعُونَ في الاقترابِ من سِرِّ الشُّكرِ الإلهيِّ، في حينِ أنَّهُم مُمتلِئُونَ من المَساوِئِ التي لا تُحصى، ولا يَحِقُّ لأمثَالِهِم حتّى أنْ يَنظُرُوهُ. وأنا بنفسِيْ سأَمنَعُ الذينَ أعرِفُ أنَّهُمْ غيرُ مستحقِّينَ، وأمّا الذينَ أَشُكُّ باستحقاقِهِمْ فسأَدَعُهُم لأحكَامِ اللهِ الذي يَعرِفُ خفايا القُلوب. أمّا خطيئَتُهُم فسأُحاوِلُ إصلاحَها اليومَ.
ما هيَ هذهِ الخطيئةُ؟ إنَّها اقتِرابُكُم إلى المُناوَلَةِ الإلهيَّةِ دُونَ وَرَعٍ، وإنَّما بمُزاحَمَةٍ ومُشاجَرة، مُمتلئينَ غَضَباً، صارِخينَ، مُتَشَكِّينَ، مُتدافِعينَ ومُسبِّبينَ فوضى هائِلَة. وأنا قدْ نبَّهتُكُم مرّاتٍ كثيرةً إلى كُلِّ ذلكَ وسأَستمرُّ في تَنبيهِكُم. ألا تَرَونَ ماذا يَحدُثُ في السُّوقِ خلالَ الألعابِ الأُولمبيَّةِ، عندما يَعبُرُ أَحدُ مُنظِّمي المُباريات واضِعاً الإكليلَ على رأْسِهِ، مُرتدياً حُلَّتَهُ ومُمسِكاً العَصا بيدِهِ، كمْ مِنَ الانضِبَاطِ يُسودُ عندما يَصرُخُ المُنادي[14] كَيْ يَسُودَ الصَّمتُ والاحترامُ؟ أليس من العَجيبِ أنْ يَسُودَ الهُدوءُ عندَ مُرورِ مَوكِبِ الشيطانِ هذا[15]، وأمّا عندَ مُرورِ المسِيحِ داعياً إيّانا إلى جِوارِهِ تَسُودُ الفَوضَى؟ أَيسُودُ في السُّوقِ الهُدوءُ وفي الكنيسَةِ الصَّخَبُ؟ أَفي خِضَمِّ البحرِ تعُمُّ السَّكينَةُ وفي الميناءِ تتخبَّطُ الأمواجُ؟ أخبرني أيُّها الإنسانُ لماذا الصَّخَبُ ولِمَ العَجَلَةُ؟ هل تُناديكَ الضَّرُورَةُ إلى الحاجاتِ العالَميَّةِ؟ أَتفطَنُ في تلكَ اللحظَةِ الرَّهيبَةِ لواجِباتِكَ الدُّنيويَّةِ؟ أتَذكُرُ في تلكَ السَّاعَةِ[16] أنَّكَ موجُودٌ على الأرضِ؟ أتَظُنُّ أنَّكَ في حَضرَةِ بَشَرٍ؟ وكيفَ لا يكُونُ كُلُّ ما ذَكرْنا دليلاً على تحجُّرِ القَلبِ، أنْ تظُنَّ في تلكَ الساعَةِ أنَّكَ تقِفُ على الأرضِ، دُونَ أنْ تنضمَّ إلى جَوقِ المَلائِكَةِ مُنشِداً مَعهُم ذلكَ النَّشيدَ السرِّيَّ، ودُونَ أنْ تُقدِّمَ معهم للهِ تسبيحَ الظَّفر؟ لقد سَمَّانا المسيحُ نُسوراً بقولِهِ: "حيثُ تكُونُ الجُثَّةُ، هُناكَ تجتَمِعُ النُّسورُ" (لو17: 37) مُستدْعياً إيّانا لِكَي نَطَأَ عتَبَةَ السَّماءِ، ونُحَلِّقَ في الأَعالي مُكتسبينَ الخِفَّةَ بأجنِحَةِ الرُّوح. أمّا نحنُ فَننجَذِبُ إلى أَسفَل ونأْكلُ التُّرابَ كالحيّات.
أتعرفُونَ من أينَ يَنشَأُ الصخَبُ والفوضَى؟ من أنَّنا لا نُقفِلُ عليكُم داخلَ الكنيسَةِ بلْ نَدَعُ أبوابَها مفتُوحَةً خلالَ إقامَةِ القُداس الإلهيِّ، ونترُكُ لكُمُ الحرِّيَّةَ في المُغادَرةِ والذهابِ إلى منازِلِكُم حتّى قبلَ المُناولَة، الأمرُ الذي يُظهِرُ ازدراءَكُم لَها. ماذا تفعلُ أيُّها الإنسانُ؟ أفي اللحظَةِ التي يكُونُ فيها المسيحُ حاضِراً، مُحاطاً مِنَ الملائِكَة، وهذه المائدةُ الرَّهيبةُ موضُوعَةً أمامَكَ، وإخوتُكَ يشتَرِكُونَ فيها، تترُكُ أنتَ كُلَّ ذلكَ وتُغادرُ؟ لو كُنتَ مَدعُواً إلى العشاءِ لدى الأصدقاءِ، أَتجرُؤُ أنْ تنهَضَ عن المائِدَةِ وتغادِرَ المَكانَ قبلَ أَنْ ينهَضَ الآخرُونَ حتّى لو شَبِعْتَ قَبلهُم؟ لكنَّكَ هُنا بينما نحنُ نحتفِلُ بأسرارِ المسيحِ الرهيبَة، ولا يزالُ العَشاءُ قائِماً في الوَسَط، تَترُكُ كُلَّ شيءٍ وتُغادِرُ! كيفَ يُمكِنُ الصَّفحُ عن هذا التصرُّفِ؟ وما هيَ الحُجَّةُ التي ستُقدِّمُها دِفاعاً عنْ نَفسِكَ؟
أَتُريدونَ أنْ أُخبرَكُم أيَّ عَمَلٍ يعملُ أُولئِكَ الذينَ يُغادِرُونَ الكنيسةَ قبلَ انتهاءِ القدّاسِ الإلهيِّ وقبْلَ تقديمِ التَّسابيحِ الشُّكرِيَّةِ في نهايةِ المائدَة؟ قد يكُونُ ما سأَقُولُ قاسياً بعضَ الشَّيءِ، ولكنْ يجبُ عليَّ أنْ أقولَهُ بسبَبِ لا مُبالاةِ الكثيرينَ. عندما كانَ يهوذا حاضِراً في العَشاءِ الأخيرِ، وبينمَا كان لا يَزالُ الجَميعُ جالسِينَ إلى المَائدةِ، نَهَضَ وغادَرَ قَبْلَ الكُلِّ. إنَّ الذينَ يُغادِرُونَ قبلَ انتهاءِ الشُّكرِ يُماثلُونَ ذاكَ. لأنَّهُ لو أنَّ ذاكَ لمْ يُغادِرْ لما صارَ مُسَلِّماً للمسيح. لو لم يَهجُرْ رُفَقاءَهُ التلاميذَ لما ضاعَ. لو لم يَفصِلْ نفسَهُ عن الرَّعيَّةِ لما وَجَدَهُ الذِّئبُ وحدَهُ وافتَرَسَهُ. لو لم ينفَصِلْ عن الرّاعي لما كانَ الوحشُ اصطَادَهُ. فلهذا إذاً كانَتْ نهايَتُهُ أنَّهُ ذَهَبَ مع اليهُود في حينِ أنَّ التّلاميذَ غادَروا معَ الرَّبِّ بعدَ أنْ قَدَّمُوا لله التَّسابيحَ الشُّكريَّةَ. أتَرى الآنَ كيفَ أنَّ الصَّلاةَ الخِتامِيَّةَ في نِهايَةِ القُداسِ تَتِمُّ بالضبط على شاكلَةِ تلكَ التي عَمِلَها التّلاميذُ؟
والآنَ يا أحبَّائِي فلْنتفَكَّرْ بِكُلِّ هذا ولنَضَعْهُ في حِسبانِنا، مُرتَعدِينَ مِنَ الحُكمِ الصَّادِرِ عنهُ. هُوَ يُقدِّمُ لكَ جَسَدَهُ وأنتَ لا تُكافِئُهُ على عطِيَّتِهِ لا بالأَقوالِ، ولا حتَّى بالتَّشكُّرات. بينما تَشكُرُ ذاكَ الذي يُقَدِّمُ لكَ طعاماً أَرضيّاً بعدَ أنْ تَتَمتَّعَ بتناوُلِهِ، ترفُضُ أيُّها الإنسانُ الوضيعُ، أن تبقَى إلى نِهايَةِ القُدّاسِ كيْ تشكُرَ الرَّبَّ بالأقوالِ والأعمَالِ على الطعامِ الرُّوحيِّ الذي يَفُوقُ كُلَّ الخليقَةِ المنظُورَةِ وغيرِ المنظورَة. وكيفَ لا يستحقُّ كُلُّ ذلكَ العقوبةَ؟ لستُ أقولُ لكُم ذلكَ لكيْ تَمدحُوني وتُصفِّقوا لي، ولكنْ لكَيْ تتذكَّروا كلامي دائِماً في تلكَ اللحظَةِ الرَّهيبةِ وتُظهِروا اللَّياقَةَ الواجِبَةَ. إنَّها تُدعى أسراراً وهي كذلكَ بالفِعلِ، فحيثُ تُتَمَّمُ يجبُ أن يَسُودَ الهُدوءُ. فلْنَتَقَدَّمْ إذاً إلى هذه الذَّبيحَةِ المُقدَّسَة بكلِّ هُدوءٍ، وانضباطٍ كامِلٍ، وخُشوعٍ لائِقٍ حتّى نحظى بِرِضى الله وعطفِهِ، مُنقِّينَ ذواتَنا ومُحرِزينَ الخَيراتِ الأَبديَّةَ التي أَرجُو أنْ ننالَها جميعُنا بنِعمَةِ ربِّنا يَسُوعَ المسيحِ ومحبَّتِهِ للبَشَر الذي لهُ المجدُ معَ الآبِ والرُّوحِ القُدُسِ الآنَ وكُلَّ أوانٍ وإلى دَهرِ الدَّاهرينَ آمين.

[/frame]