كانت الناصرة منذ القدم قرية زراعية لا أهمية خاصة لها, لبعدها عن شبكات المواصلات وطرق القوافل وبالتالي لبعدها عن مواقع اتخاذ القرارات. وكانت قد سبقت الناصرة من حيث الشهرة يافة الناصرة من جهة, وصفورية من الجهة الأخرى... الا ان اكتسابها للشهرة اتاها من كونها بلدة يسوع المسيح الذي يعرف بالناصري, الأمر الذي جعلها قبلة انظار المسيحيين من كل ارجاء المعمورة, وهكذا منذ مطلع ال************** اصبحت موضوع اهتمام الرحالة والكتّاب الذين قاموا بزيارتها, وخلدوا هذه الزيارات بالكلمة او الصورة او بكلتيهما معا . وقد وصفتها القديسة باولا في بداية القرن الخامس بالوردة اذ رأتها وهي قادمة اليها من جبل سيخ آتية من قانا الجليل "كفر كنا" فكتبت تصفها باوراق الوردة المحيطة بالكأس وكانت البلدة في تلك الأونة تتربع على التلة التي تقوم عليها كنيسة البشارة ودير الفرنسيسكان وما أستطرد ولكن في صلب الموضوع لأن التنوير الذي أنا في صدده يعطي المعنى رونقا ولونا كي نعرف عن ناصرتنا جملا لا بد من معرفتها.
جاء في دواني القطوف لعيسى اسكندر المعلوف ما ملخصه ان الناصرة "المنفصلة" وقيل "المختبأة" موقعها في واد من جهة مرج ابن عامر شمالا وهو هلالي الشكل, طوله ميل وعرضه ربع ميل يحيط به نحو خمسة عشر تلا ذات تضاريس بديعة يختلف علوها من اربع مئة الى خمس مئة قدم ومنظرها في الربيع من أبدع المشاهد الطبعية... وقد تغنى كتاب كثيرون بجمال مشاهدها ومنهم من كتب " منظر خلاب يبهر العيون ويحبس الأنفاس, حين تشاهد المرتفعات المحيطة بالناصرة كالسوار المحيط بالمعصم.. انه احد المشاهد الأكثر جمالا في فلسطين"...


* عين العذراء*
كانت عيون الماء دائما وابدا محط انظار الناس حيث الماء هناك الكلاْ والحياة للناس والبهائم...
فالماء هو من اهم الثروات الطبيعية, ومن الشروط الأساسية للأستيطان , لذلك لا غرابة ان توجد في آداب الشعوب وفي تاريخها قصص ونوادر تتعلق بعيون الماء.
نقرأ في العهد القديم ان الأنفصال قد تم بين ابراهيم وابن اخيه لوط لسبب خلاف رعاتهما على سقي المواشي... ونقرأ ايضا عن ابراهيم انه عندما تقدمت به السن, أرسل كبير خدمه الى بلاده الأصلية ليجلب زوجة من بنات اهله وعشيرته لأبنه اسحاق ووقع اختياره على رفقة ابنه اخ ابراهيم وهي على العين تملأ جرتها. وقد جاء في التقليد المسيحي ان الملاك قد بشر مريم بيسوع وهي تنشل ماء من البئر.. وقد ورد ذلك في الأيقونات القديمة التي تصور ميم والملاك والبئر وجرة ماء ..... كانت عيون الماء مواقع لقاء ومخالطة بالنسبة للنساء اللواتي سرن على طريق العين زرافات ووحدانا يتبادلن الأحاديث في شتى المواضيع اليومية. وكان مسارهن مشوبا بخفة الدم والدعابة احيانا وبالخصام والشقاق احيانا اخرى, خاصة في مواسم الجفاف حين تشح مياه العيون. كذلك كان الزوار وعابرو السبيل يتوقفون على العين بغية الشرب او تعبئة اوعيتهم ... وكان الرعاة يقودون قطعانهم الى الجابية التي تشبه بحد ذاتها قناة او وعاء من الحجر بنيت خصيصا لسقي المواشي. كذلك كانت عيون الماء مسرحا للكثير من القصص والأغاني الشعبية التي تتغزل بالفتاة حاملة الجرة وبطلعتها البهية والتي تشفى العليل بمائها. اما ما فاض من مياه العين فقد جرى في قنوات لري البساتين المجاورة وبعض هذه القنوات بني بالحجر لمنع تسرب الماء وضياعته.
ومن ابرز عيون الماء في التاريخ " عي العذراء" في الناصرة التي حازت على اهتمام كثيرين من الرسامين وامصورين وكتاب الأسفار والرحاله. وهي الشعار الرسمي لبلدية الناصرة الحالي.
تم ترميم مجرى العين في سنة 1911 من النبع الواقع في سفح " جبل القشله" الى موقع العين, وتم استبدال المجرى المصنوع من الحجارة بقصاطل مصنوعة من الحديد, وذلك لمنع تسرب المياه, وجعلت لها ثلاثة فتحات, كما وتم بناء هيكل جديد للعين.
تم تدشين " خزان الماء" سنة 1925, ضخّتالمياه اليه من ينبوع في قرية الرينه , وأضيف أليه ايضا خزان آخر سنة 1929 لهذا يقال عن الماء المنساب من الحنفيات الى يومنا هذا"مياه الرينة" للتمييز بين هذا الماء وماء العين , او المياه المجمعة من الآبار... ورغم هذا التطور بقي الكثير من البيوت والأحياء غير مرتبطة بشبكة " مياه الرينه " , الاْ ان ما تم ربطه تزايد مع الزمن وكان يكفي لتخفيف الضغط عن عين العذراء وبالتالي التقليل من اهميتها. وفي أواخر الخمسينات من القرن العشرين تم ربط كل أحياء المدينة بهذه الشبكة العامّة , عندها فقدت العين حيويتها بالنسبة لسكان المدينة, فاقتصرت هذه على الناحية التاريخية - الأثرية - الدينية.