الأنجيل الذي سنتكلم عنه اليوم هو إنجيل مرقس,اخترناه لأنه صغير ويستطيع الشخص قراءته في مدة قصيرة, وهو أيضاً أساس كل الأناجيل الأخرى,الإطلاع عليه يعني عملياً الإطلاع على كافة الأناجيل الأخرى, فالكتاب المقدس مهم جداً في العمل الإرشادي خاصة في التعامل مع الولد,إيصال كلمة يسوع, استخدامه في المواضيع الإرشادية.
من هو مرقس؟
مرقس لم يكن من التلاميذ الأثني عشر, ومع ذلك كتب أنجيله, ولكن من أين أتى بالمعلومات وهو لم يكن على احتكاك كبير مع المسيح هذا يعني أن المعلومات التي عنده ليست من المصدر الأساسي أي من المسيح, هذه إحدى النقاط التي يضعها دارسوا الكتاب المقدس الذين يختصون بموضوع الأناجيل, وكما نعلم لدينا أربعة روايات للإنجيل لذلك نقول الإنجيل بحسب رواية مرقس أو الإنجيل بحسب رواية متى... فالإنجيل واحد ومعناه البشرى السارة, الإنجيل و البشرى السارة هي واحدة ولكن الروايات هي متعددة ومختلفة.
حديثنا الآن عن مرقس والسؤال المهم والأساسي من أين أتت الرواية لمرقس؟ حتى يكتب هذه البشرى السارة, أغلبية الدارسين للكتاب المقدس يؤكدون وكما هو معلوم من الكتاب المقدس نفسه أن المعلومات أتت إليه مباشرة.
كيف ومن هو مرقس ومن أين أتت المعلومات عن مرقس؟؟؟؟
1.من إنجيله.
2.من رسائل القديس بولس فهو رافقه لفترة قصيرة.
3.من أعمال الرسل الذي يتكلم عن بشارة التلاميذ في كل أنحاء المسكونة.
مرقس برحلاته التبشيرية رافق شخصين هما في البداية بولس ومن ثم بطرس, إذاً مرافقته لبطرس هي التي جعلته يسمع ويأخذ البشارة أي المعلومات فأخذها من المصدر الأول, مرقس ساعد بطرس جداً وساعد بولس أيضاً إلا أنه لم يبقى معه إلا لفترة قصيرة وأكمل الفترة الثانية مع بطرس, إذاً معلوماته أخذها من بطرس بداية من بولس ولكن المعلومات الأساسية وتعليم المسيح أخذه من بطرس, فكما نعلم أن بطرس يوصف في الكتاب أنه الشاهد الأول على البشارة أي القيامة, حيث يتحدث الإنجيل عندما يتكلم عن القيامة عن اثنين ركضا إلى القبر بعد ظهور المسيح للمجدلية هما بطرس ويوحنا, بالرغم من أن يوحنا ركض مسرعاً ووصل إلى القبر إلا أنه لم يدخل فدخل بطرس وأصبح هو الشاهد الأول بأم عينيه على القيامة(القبر الفارغ), إذاً مرقس أخذ معلوماته من الشاهد الأول بطرس وبالتالي إنجيله يكون تدوين لرواية بطرس فالذي كان يقوله بطرس أثناء تبشيره كتبه مرقس, ولكن لماذا كتبه مرقس؟؟ لأن بعد انتهاء البشارة واستشهاد بطرس في روما, سأل الرومانيون مرقس عن كيفية الاحتفاظ بهذه البشارة خوفاً من النسيان فطلبوا إليه تدوين الإنجيل الذي وعظ به بطرس.
إذاً من هو مرقس ؟
من أعمال الرسل نجد أن مرقس ابن عائلة تقية جداً جداً, أمه اسمها مريم, خاله برنابا مشهور جداً في الكتاب, رافق بولس في رحلاته التبشيرية.
و مرقس له اسمان كما وردت العادة في تلك الفترة بفعل الحكم الروماني هذان الاسمان هما يوحنا و مرقس.يوحنا اسمه العبري و مرقس اسمه الروماني.
في (أع 15,39) يرد الاسم مرقس. بينما في (أع 12,12) حيث يتكلم عن خروج بطرس من السجن بفضل ملاك الرب الذي ظهر له و فك له السلاسل,فكان على بطرس أن يفكر في مكان آمن ففكر بالذهاب إلى بيت مريم أم يوحنا مرقس.
هذه العادة كانت معروفة في تلك الفترة بحكم وجود الرومان فهناك أسماء واردة في الإنجيل مثل سمعان الملقب بالقيرواني, بولس شاول, متى لاوي... لكن ذهاب بطرس لدى خروجه من السجن إلى بيت آمن يدل على أن بيت مرقس كان بيت للصلاة وهنا يُذكر أن الجماعة المسيحية الأولى كانت تصلي وتقيم كسر الخبز في بيت مرقس, إذاً مرقس لم يكن من التلاميذ الأثني عشر فبسبب صغر سنه لم يكن مثل بطرس وبولس لكنه اعتاد في بيته على سماع الكلمة وكسر الخبز الذي أوصى به السيد تلاميذه, وأغلب الدارسين يؤكدون أن العشاء الأخير حصل في بيت مرقس حيث أمه كانت من الجماعة المسيحية الأولى وخاله برنابا كان على احتكاك دائم مع المسيح وتلاميذه.
هناك حادثة لا يذكرها سوى مرقس في إنجيله (مر 14,51) فهو يتكلم عن نفسه دون أن يذكر ذلك, يتكلم عن شاب كان متزراً ذهب إلى بستان الزيتون عند تسليم يسوع فلما رآه الجنود حاولوا القبض عليه ألا أنه ترك الأزر وركض عارياً, هذه الحادثة حصلت معه شخصياً لذلك انفرد بذكرها, وهي تدل على أن مرقس كان من الجماعة الأولى فكان يذهب و يتابع التعليم وعندما يأتون إلى منزله كان يسمع المسيح وهو يعظ التلاميذ وعندما تم القبض عليه في بستان الزيتون.إذاً الكثير من الأحداث رآها مرقس بأم عينيه وكثير من الأشياء سمعها من الشاهد الأول بطرس, وبالتالي لديه القدرة على كتابة إنجيله.
ثقافة مرقس:
مرقس من بيت جداً مثقف, ثقافته مزدوجة, هي العبرانية(فهو يهودي) وهي رومانية ويونانية,البلد عبري إلا أن اللغة اليونانية هي اللغة العالمية آنذاك كما الإنكليزية اليوم, بالإضافة إلى الرومانية(بحكم الاحتلال) هذه الحضارة أو ما تسمى بالحضارة الهيليستينية(هي مزيج من الحضارة اليونانية وحضارة البلاد), هذه الحضارة كانت عند مرقس لذلك فيما بعد حصل نزاع بين بولس و بطرس حول من سيرافق مرقس؟؟ فهو شخصية مهمة مثقف جداً قادر أن ينقل الكلام ويترجمه, رافق بولس في البداية وبسبب بعض المشاكل رافق بطرس وكان معه في رحلاته التبشيرية.
متى كتب الإنجيل:
في الحقيقة لا يوجد دقة في تحديد وقت كتابة أي إنجيل أو حتى الرسائل,ولتحديد وقت الكتابة غالباً يوجد هناك بعض الاستدلالات من الكتب التاريخية التي كتبت في تلك الفترة وهي ليست موجودة في الإنجيل أو الرسائل,الآن حديثاً مع الليزر والإمكانيات المتقدمة التي تسمح بقراءة المخطوطات والتي يمكن معرفة أعمارها وفترة كتابتها أصبح التحديد أكثر دقة, وبناءً على الرحلات التي قام بها بطرس وبولس بدأ تحديد مواعيد كتابة الأناجيل بدقة أكبر.
أغلب الظن أن إنجيل مرقس كتب بين عام(55م) حتى عام(62 أو 63)م, ولكن إذا كانت هذه الفترة التي كُتب فيها الإنجيل هذا يعني أن بطرس كان لا يزال على قيد الحياة حيث استشهد عام(63م), وهذا لا يرجحه الكتاب المقدس. الأغلبية ترجح أنه كتب بعد استشهاد بطرس وذلك بطلب من أهل روما كما ورد سابقاً حيث تمت الكتابة بعد عام (63م).
الذي يؤكد أنه مكتوب بعد (63م) هو لغة الإنجيل, حيث أن لغة الإنجيل هي أضعف لغة في الكتاب المقدس. فهي ليست قوية وليست جزلة, لا تحوي تعابير وتراكيب غنية,بقية الأناجيل والرسائل الأخرى أقوى بكثير لغوياً من إنجيل مرقس, فهذا الإنجيل هش لغوياً بالرغم من أن مرقس من بيئة مثقفة جداً, ولكن لإنه يكتب لأجانب (للرومانيين في روما), وهؤلاء كانوا بعيدين عن الحدث أي البشارة, ليس لديهم إطلاع كافٍ على الأمور التي كانت تجري في فلسطين, فقط تمسكوا بالأمور التي رواها لهم بطرس لذلك حاول مرقس أن يكون بلغته بسيط, لا يعطي صور كبيرة, يعبر بجمل بسيطة جداً خالية من أدوات الربط التي تستخدم في ربط الجمل والانتقال من جملة إلى أخرى, إلا أنه يكرر حرف العطف /و/ كثيراً وهذا الحرف ضعيف جداً, بينما نلاحظ أن بقية الإنجيلين يستخدمون لغة أقوى بكثير هناك استنتاج للإحداث,فاستخدم هذا الحرف /و/ فقط للانتقال من قصة إلى أخرى, أو من عجيبة إلى أخرى, أو من مكان إلى آخر... استخدم أيضاً الحرفين /لكن/و/ثم/ بقلة شديدة جداً فهذين الحرفين لا يعتبران من أدوات الربط الثقيلة أو الاستنتاجية ولكن لا يستخدمهم أكثر من مرة أو مرتين.
عملياً نجد أن لغة مرقس ضعيفة قليلاً لإنه يكتب لأشخاص من خارج الفكر اليهودي, أي يكتب إلى أشخاص لا يعرفون أين حدثت العجيبة وما الذي كان يحصل, اللغة التي كتب فيها هي اللغة اليونانية(العالمية آنذاك), كما الإنكليزية اليوم.
لكي نفهم أن الإنجيل كتب إلى أشخاص غرباء(أجانب)، قد يكون الروماني لا يعرف اللغة العبرية أو لا يعرف العادات الموجودة هناك,نجد مرقس يشرح كثيراً لدرجة أن القارئ يقول لا معنى لهذا الشرح, لكن مرقس يفسر معتبراً القارئ لا يعرف, مثلاً في (مر3 , 17) نجد أنه يذكر أسماء الرسل, يذكر لقب يوحنا ويعقوب(بوانرجس) وفيما بعد يفسره(ابني الرعد), فهو كتب بوانرجس باللغة الآرامية التي كانت معروفة في فلسطين إلا أنه يشرحها حيث يرى ليس من الضروري أن يفهم الروماني هذه اللغة, كان عند مرقس هذا الاهتمام بالشرح والتفسير.أيضاً في (مر 14 , 12) نجده يتكلم عن عيد الفطير و يفسر للرومانيين معنى العيد في فلسطين, حيث يتم ذبح حمل الفصح. هذه المعلومة قد تكون سخيفة بالنسبة لليهودي, لذلك أرجح الظن أنه كتب إلى أشخاص أميين عن العادات اليهودية, لذلك كان على مرقس أن يشرح ويفسر في كل فترة للرومانيين البعيدين عن فلسطين لكي يفهموا ماذا كان يحصل أثناء وجود المسيح هناك.
مكان كتابة الإنجيل:
أغلب الظن أنه كتب في روما بعد استشهاد بطرس كما ذكرنا أعلاه, هناك من يقول أنه كتب في الإسكندرية, القديس يوحنا فم الذهب يقول أنه كُتب في إنطاكية أثناء زيارات البشارة مع بطرس وبولس إلى إنطاكية.
ولكن كيف كتب مرقس إنجيله في الإسكندرية؟؟ متى ذهب إلى هناك؟؟؟
في الحقيقة كنيسة الإسكندرية تعرف باسم الكرازة المرقسية حيث تعتبر أن مؤسس الكرسي الرسولي هناك هو مرقس الرسول(بالرغم أنه ليس من التلاميذ الأثني عشر إلا أن الكنيسة تعتبره ضمنياً أنه رسولاً لإنه كرز ببشارة الإنجيل التي أخذها من بطرس) والأقباط جداً فخورين بهذا حيث يقولون أنهم يتبعون هذا الكرسي الذي أسسه مرقس.
ذهب إلى هناك أثناء تركه لبولس وقبل التحاقه ببطرس حيث ذهب في هذه الفترة لأول مرة إلى السكندرية, ومن ثم أرسله بطرس إلى هناك ليعظ ما يسمعه منه تحديداً, فمعلوماته ليست كاملة عن السيد لذلك طلب منه بطرس أن يذهب إلى هناك ويقول لهم ما يسمعه منه عن المسيح.
أهم ميزة في إنجيل مرقس أنه يتكلم بشدة كبيرة جداً عما يسمى بسر المسيح أو ما يسمى حسب ذلك الوقت السر المسياني, حيث كان الشعب ينتظر مجيء المسيا(السيد), هناك ترقب لحضوره, فالعهد القديم كان يعرف عملياً بالمسيا ومجيئه, فعُرف هذا السر باسم السر المسياني عند مرقس, حيث نجد في القسم الأول من الإنجيل لا يوجد كشف أبداً على أن السيد هو المسيح المنتظر, هناك
ضبابية هناك سر لا يريد أن يفشيه,مع انه يذكر مثلاً عند شفاء الذي بداخله شياطين أن السيد يطلب من الروح النجس أن يسكت و لا يذكر ذلك, أيضاً عندما اعترف بطرس بالسيد انه ابن الله طلب منه السيد أن يصمت, نلاحظ لدى مرقس تغطية,فالسيد يعمل العجيبة وبنفس الوقت يطلب من صاحبها أن لا يتكلم وذلك لتغطية سر مسيحية المسيح, أي مسيانيته ذلك لأن السيد يريد أن يُكشف هذا السر للتلاميذ أولاً وليس للناس, فقد أراد أن التلاميذ يعرفوه أولاً وليس الأشخاص الذين سمعوا عنه أو عرفوه.لذلك كان مرقس يوضح لنا هذه الصورة التي يريدها يسوع فحاول تغطية هذا السر إلى أن ينكشف للتلاميذ ومن ثم للعالم بأسره عن طريق الرسل في البشارة.
إلا أن مرقس ذكي جداً, بالرغم من ضعف لغته, يبدأ إنجيله ليس كما في بقية الأناجيل, بل فوراً يبدأ هكذا(بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله), لا يريد أن الناس يقولون المسيح هو ابن الله وإنما أراد بقوله (ابن الله) أن يبدأ و يعطي إيمانه كرسول لأن البشارة يجب أن تخرج من الرسل.ثم يأتي إلى تغطية السر المسياني ومن ثم يختم إنجيله بذكاء فائق الوصف عند قائد المئة الذي يقول حقاً كان هذا ابن الله. إذاً في البداية يعترف أحد التلاميذ وبعدها هناك ضبابية حتى يعرف التلاميذ ومن ثم في النهاية يعترف الأمّم والوثنيين بالسيد أنه ابن الله, وهذا الاعتراف لم يعد مقتصراً على الرسل وليس نتيجة لكلام التلاميذ وإنما نتيجة شيء اختبره قائد المئة بذاته وشاهد بأم عينيه مما جعله يقول كان هذا ابن الله.
تقسيمات إنجيل مرقس:
يقسم إلى قسمين حيث تدور كل قصصه في مكانين أساسين هما الجليل حيث يدعي السيد تلاميذه ومن ثم ينتقل من خارج الجليل حتى يصل إلى أورشليم وهنا المحطة الأساسية والنهائية في مسيرة يسوع, حيث يتمم البشارة في الجليل ويكون الجماعة المسيحية الأولى ومن ثم ينتقل إلى أورشليم حيث يصلب, أي أنه ينتقل من الجماعة المسيحية الأولى إلى البشرية كلها حيث البشرى إلى كل العالم بعد القيامة من الجماعة المسيحية الأولى.
بنية الإنجيل:يقسم إلى قسمين:
1. من (1 ,1 حتى 8, 16).
2. من (8, 32 حتى 16, 8).
لماذا حتى الآية (16, 8) بالرغم أن الإنجيل ينتهي في الآية (16, 20). أغلب الظن أن مرقس كتب حتى (16, 8) بعد أن تمت القيامة وذهبت النسوة خائفات, ولكن فيما بعد أحد تلاميذ مرقس وهو غير معروف بعد أن تمت البشارة قال ليس من الممكن أن النسوة لم يقولوا لأحدٍ شيء بسبب الخوف حيث نلاحظ في هذه الآية يذكر أن النسوة خرجن من القبر ولم يقلن لأحدٍ شيئاً لأنهن كن خائفات, وهذا يعني أن البشارة لم تنتشر, لكنها في الواقع أنها انتشرت, لذلك أحد تلاميذ مرقس يكمل الإنجيل مبيناً أنه تراءى للمجدلية و الظهورات وإعطاء القوة للتلاميذ ليذهبوا ويعلموا, إذاً إنجيل مرقس على الأغلب ينتهي بتأكيد حدث القيامة في (16 , 8) دون البشارة وأحد تلاميذه بسبب انتقال الإنجيل والبشارة كفّى الإنجيل و من الآية 19 حتى 20, ويبين كيف أن المبشرين في البداية لم يؤمنوا وأن المسيح يوبخهم لعدم إيمانهم ويعطيهم القوة لنقل البشارة بذاتهم.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات