موقف أرثوذكسي من الشذوذ الجنسي
الأب أنطوان ملكي
المقصود بالشذوذ الجنسي هو اشتهاء المماثل بالجنس أي ما يُعرَف باللواط عند الذكور والسحاق عند الإناث. يقول العلم أن الشذوذ نوعان: مكتسَب وأصيل. فالأصيل سببه عطب في التركيب الجيني وهو حالة نادرة جداً ولكن الطب يقدم لها العلاج كأي مرض آخر. أما المكتَسَب فهو ناتج عن خطأ في التربية أو التعاطي الاجتماعي. لهذا يُحكى اليوم عن ميل (orientation) شاذ وممارسة شاذة.
الشذوذ الجنسي قديم قِدَم السقوط والخطيئة. ومع أن التعاطي معه تاريخياً اختلف إلا أن أغلب الحضارات والأديان اعتبرته خطأ. ليس من أهداف هذا المقال عرض مواقف الشعوب والحضارات المختلفة ولا حتى الأديان. لكن اليوم في الغرب ضجيج قائم حول رسامات أساقفة وكهنة شاذين، كما حول قبول زواج الشاذين، فهذه دولة تقبل وأخرى ترفض وهذه ديانة تبارك وأخرى تلعن. وبين المبارِكين جماعات من أصول بروتستانتية خلقت لنفسها مسيحاً يقبل كل أنواع الشذوذ من جنسي وغيره. أما الإعلام فيلعب دوراً مؤذياً في تصوير حالات الشذوذ، من جنسي وغيره، على أنها حالات طبيعية مستغلاً مبادئ المساواة والعدالة ليصوّر الشاذين على أنهم مظلومون وأن ما يمارسونه طبيعي ولا يتعدى كونه حباً كحب الناس الطبيعيين.
إن بناء مفهوم واضح عند الفرد المؤمن حول هذا الموضوع يجنبه دينونة قد يسببها موقفه من الشذوذ أو الشاذين. لذا ينبغي بهذا المفهوم أن يتحوّل موقفاً يحترم العلوم والقوانين ويبقى ملتزماً بالكتاب والتقليد. هناك بحر من المراجع التي تعالج موضوع الشذوذ الجنسي من وجهات نظر علوم الاجتماع والنفس والطب والقانون وغيرها، ليست هذه الدراسة المكان المناسب لعرضها. لذا سوف يكون التركيز على معالجة الموضوع من وجهة نظر أرثوذكسية بعد عرض عدد من المواقف المسيحية.
جولة في العالم المسيحي
يرى كارميلو ألفاريز، أحد أهم لاهوتيي التحرير[1]، أن هذا اللاهوت بحاجة إلى مراجعة عميقة وبحث عن نماذج جديدة استناداً إلى خبرة العقدين الأخيرين. فالأفضلية التي للفقراء تبقى، مع أن هذا المبدأ الاجتماعي صار محدوداً. لهذا على لاهوت التحرر أن يوسّع فئاته ليأخذ أبعاداً أكثر غنى كالثقافة والإثنيات والجنس[2]. بعض ممارسات الجمعيات والأفراد الذين يتبنون لاهوت التحرير قد تأخذ شكل الدفاع عن الشاذين وتغطيتهم. إن كلاماً من نوع ما قاله ألفاريز يساهم في تفسير هذه الممارسات.
من هذه الجمعيات مجلس الكنائس العالمي الذي لم يصدر عنه أي بيان رسمي يأخذ صفة الموقف من قضية الشذوذ الجنسي وإن يكن بعض المنادين بمباركة العلاقات الشاذة يتخذون من بعض جلسات هذا المجلس مكاناً للتعبير عن آرائهم وتصويرها على أنها موقف مسيحي. فقد صدر عن مجلس الكنائس العالمي، في 10 كانون الأول 1998، بيان صحفي يحمل الرقم 30 تحدث إيجابياً عن "لاهوت الشذوذ الجنسي" ودعا المعاهد اللاهوتية إلى إدخال مواد هذا اللاهوت في دراستها استناداً إلى أن الله خلق الجميع متساوين[3]. النقاش حول الشذوذ بدأ في مجلس الكنائس العالمي منذ 1968 في أوبسالا. وقد أثار هذا النقاش احتجاج بعض الأرثوذكس ومقاطعة البعض الآخر. الطروحات المتعاطفة مع الشاذين لم يتبناها المجلس رسمياً ولم يرفضها مشدداً على أنه مكان للقاء المسيحيين وليس لاتخاذ المواقف التي لا تلزم أعضاءه. من جهة أخرى، يوجد اليوم في المجلس ورشة عمل مشتركة مع الكنيسة الكاثوليكية تدرس هذا الموضوع لم يصدر عنها إلى اليوم سوى بيان عمومي لا يجيب على أي تساؤل. يلاحظ أحد الصحفيين أن برنامج الجمعية العمومية الأخيرة للمجلس في هاراري لم يتضمن أي إشارة إلى هذا النوع من المناقشات لأن رئيس زمبابواي هو من ألد أعداء الشاذين ويعتبرهم أدنى من الحيوانات[4]. لكن في المنتدى Padare كان هناك عدد كبير من الجمعيات التي تحمي الشاذين وتبحث لهم عن غطاء إنجيلي وقد صدر عنها عدد كبير من التصريحات. من الأمثلة على هذه التصريحات ما قالته واندا دايفلت إحدى ممثلي لوثريي البرازيل أن كل الناس يعكسون صورة الله بالاستقلال عن طبقتهم ولونهم وعرقهم وجنسهم وعمرهم وخيارهم الجنسي، في دعوة إلى مساواة الشاذين بغيرهم[5].
التجمع العالمي للطلاب المسيحيين (WSCF) هو من عرّابي لاهوت التحرير. من فروعه تجمع الطلاب المسيحيين فرع كندا (SCM Canada). نظّم هذا الفرع لقاءً لدعم اللواطيين والسحاقيات والثنائيي الجنس (bisexual) والذين غيّروا جنسهم(transgender). وقد اجتهد المجتمعون في إيجاد تفسير لبعض المقاطع الإنجيلية يختلف عمّا درجت المسيحية على تفسيره لمدة ألفي عام إضافةً إلى البحث عن شخصيات من الكتاب المقدس وإلصاق صفة الشذوذ بها كراعوث ونعمي (راعوث 1و2) وداود وصموئيل. وقد اعتبر المجتمعون في بيانهم الختامي أن الكنائس التي لا تبارك العلاقات الشاذة بسبب عقدة الخوف من اختيار الجنس المماثل (homophobia) ودعوا كافة الكنائس إلى الخروج من هذه العقدة[6]. من الأمثلة على تشويههم للمسيحية تصوير أيقونة للنبيين داود ويوناثان والمسيح فوقهما يباركهما إشارة إلى أن علاقة هذين النبيين كانت علاقة لواط على خلفية الآية الواردة في صموئيل 26:1 وهي في ندب داود ليوناثان: "قد تضايقت عليك يا أخي يوناثان. كنت حلواً لي جداً. محبتك لي أعجب من محبة النساء"[7]. وقد رعى WSCF مؤتمراً في أيلول 2001 في لوم، توغو، تحت عنوان "تحديات لاهوتية معاصرة: مواجهة الجنسانية (sexuality)، أمور ثقافية وأخلاقية في إطار العولمة". وقد كان بين المحاضرين لواطيون وأشخاص ثنائيو الجنس (bisexual) نادوا بلاهوت اللواطيين والسحاقيات (gay and lesbian theology) وبلاهوت الشذوذ (queer theology)[8]. إيراد هذه الوقائع لا يعني أن WSCF يتبنى فكر الشذوذ الجنسي لكنه يمنحهم شيئاً من الشرعية عن طريق إطلاق دعواتهم من على منبر مسيحي.
على محور آخر، يظهر موضوع التعاطي مع الشذوذ انشقاقات في عدد من الجماعات المسيحية. فقد رفض أساقفة أنكليكان العالم الثالث في لقائهم في آب 1998 ما أقره أساقفة أنكليكان الغرب في لامبرث من تقبل للشاذين. وقد شدد أساقفة العالم الثالث على أن الزواج يكون مدى الحياة بين الرجل والمرأة وهو المكان الوحيد للمارسة الجنسية، وأن ممارسة الشذوذ الجنسي غير متوافقة مع الكتاب المقدس وبأن زواج شخصين من جنس واحد مرفوض ولا يُبارَك[9]. كما أن الأسقفيين ساموا في أميركا الشمالية أسقفاً لوطياً مما أثار حفيظة الكثيرين من جماعته ودفعهم إلى الانشقاق.
أما الكنيسة الكاثوليكية فتتعرض لضغوط أكثر تنظيماً من جماعات وجمعيات تطالب بمباركة زواج اللواطيين والسماح بتغيير الجنس وغيره. لكن الكثلكة قد حزمت أمرها منذ الفاتيكان الثاني إذ صدرت وثيقة تمنع الشاذين جنسياً من كل السيامات وحتى من الزواج[10]. ومن ثم أصدرت لجنة عقيدة الإيمان في العام 1975 وثيقة أخرى دعت فيها الرعاة إلى التنبه والانتباه إلى الشاذين ورعايتهم بعد تفصيل موقف الكنيسة اللاهوتي[11]. وتحت تزايد ضغط المجموعات التي تنادي بتحرير الشاذين وتزايد اجتهاداتهم اللاهوتية، عادت اللجنة نفسها وأصدرت رسالة توصية إلى الأساقفة في الكنيسة الكاثوليكية تدعوهم إلى رعاية الشاذين ولكن في الوقت نفسه عدم التهاون مع مَن يثبت أنه سائر في هذه الضلالة خاصةً من الإكليروس[12]. لا بد من التوقف هنا عند حملة المحاكمات التي جرت وما زالت تجري في الكنيسة الكاثوليكية في أميركا الشمالية والتي استُجوِب خلالها كرادلة وأساقفة وكهنة ورهبان بتهم التحرش بأطفال أو براشدين. وقد صدر بنتيجة هذه الحملة عدد كبير من الكتب والبيانات والدراسات. وقد قدّر أحد الصحافيين المهتمين بالأمر أن نسبة اللواطيين بين رجال الكنيسة الكاثوليكية في أميركا الشمالية تفوق 30 بالمئة[13]. ويعيد غيره ارتفاع هذه النسبة إلى إلزامية تبتل الكهنة ويدعم رأيه بعدد من الإحصاءات ونتائج الاستطلاعات ومن بينها النسبة العالية من الكهنة الذين يتخلون عن كهنوتهم أو طلاب المعاهد اللاهوتية الذين يرفضون السيامة رغبة بالزواج. وفيما يرى كثيرون أن كل هذه الأمور هي حملة ضد الكنيسة يدافع آخرون ومن بينهم كهنة كاثوليك أن الوقائع تشير إلى ثبوت التهم[14]. الأسقف ويلتون غريغوري، رئيس مجلس الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة، عزا كل الفضائح التي جرت في العام الفائت إلى سيطرة جو من الشذوذ على المعاهد اللاهوتية الكاثوليكية يلزم الشاب العادي على التفكير مراراً قبل الدخول إلى المعهد[15].
ماذا عن الكنيسة الأرثوذكسية؟ هل هي خارج هذه النقاشات وهذه التجربة؟ هذا ما يُرجى. لا تعترف الكنائس الأرثوذكسية بالزواج بين الشاذين وبالطبع لا تباركه. ولكن يُسمَع هنا وهناك عن شذوذ عند هذا الأسقف أو ذاك الكاهن ولكن لم نعثر على أي وثيقة تدين إكليريكياً بتهمة الشذوذ إلا عند الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خارج أميركا حيث جُرّد عدد من الإكليريكيين بعد ثبوت التهمة. تهمة الشذوذ يستعملها أعداء الرهبنة للنيل منها والتجريح بها كما كان يفعل شيوعيو اليونان في اتهامهم لرهبان الجبل المقدس.
أصدرت الكنيسة الروسية في مجمعها الموسع عام 2000 عدداً من الوثائق التي تحدد علاقة الكنيسة بالمجتمع. وقد أدانت في إحداها اعتبار الشذوذ الجنسي مجرد ميل وبالتالي رفضت إعطاءه الاحترام والحقوق التي لغيره. كما أكدت الكنيسة على مسؤوليتها في رعاية الأشخاص وطالبت بمنع مَن يثبت شذوذه من ممارسة بعض الوظائف كالتعليم في المدارس أو المسؤولية في السجون أو الجيش[16].
خلال البحث، عثرنا على صفحة على الإنترنت يسمي أصحابها أنفسهم أرثوذكسيين من الكنيسة اليونانية في أميركا الشمالية. وهم يتبنون دعوة الكنيسة الأرثوذكسية إلى مباركة علاقة اللواطيين والسحاقيين[17]. وهم يستندون إلى الآيات التي ذكرناها سابقاً من (راعوث 1و2) وغيرها كالآية 11:4 من سفر الجامعة: "إن اضطجع إثنان يكون لهما دفء أما الوحد فكيف يدفأ". ويتمادون في التفسير على هواهم مضيفين بعض الاستشهادات كالتالي المأخوذ من القطعة الأولى في إينوس سحر عيد القديسين سرجيوس وباخوس (7 تشرين الأول): "لا مرتبطَين بعلاقة الطبيعة بل بطريقة الإيمان". فيفسرون أن عدم الارتباط بعلاقة الطبيعة هو إشارة إلى أن القديسين قد جمعتهما علاقة من نوع آخر ويستنتجون أنها علاقة لواط. كما أنهم يستندون إلى خدمة اتخاذ الإخوة التي ترد في إحدى نسخ الإفخولوجي المعروفة بنسخة Goar. هذه النسخة تعود إلى القرن السادس عشر. أما الخدمة فالأرجح أنها دخلت الإفخولوجي اليوناني في بعض المناطق، والمرجح في ألبانيا، تحت الضغط الشعبي كما دخلت الصلاة ضد العين الحاسدة. وهذه الخدمة قد نقلها الأب أفانغلوس مانتزونياس عام 1982 إلى اليونانية الحديثة وكتب عنها دراسة أكد فيها أن هذه الخدمة لم تعتمدها الكنيسة وهي لا تعني بأي شكل من الأشكال مباركة لعلاقة حب بين رجلين[18]. فاتخاذ الإخوة هي عادة كانت معروفة في أوروبا على أساسها يتآخى شخصان أو أكثر ليسوا بالأصل إخوة بالدم. وهي تتم في بعض المناطق بأن يمصّ كل منهم من دم الآخر أو الآخرين، وينتج عنها أن يتكاتفوا على السراء والضراء[19]. وقد تكون مباركة الكاهن أضيفت إلى هذه العادة في بعض المناطق شأن مباركة الكهنة لسيوف الفرسان في الغرب أو غيرها من الأمور التي لم تدخل في الليتورجيا الأرثوذكسية.
المصدر :موقع التراث الإرثوذكسي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات