[frame="14 98"]
الكلام البطّال
ـــــــــــــــــــ
نطلب في صلاة التوبة التي ينسبها التراث الى القديس أفرام السرياني (وهي، بامتياز، صلاة الصوم الأربعيني)، قائلين: "أيها الرب وسيّد حياتي أعتقني من... الكلام البطّال". والكلام البطّال هو، في هذه الصلاة، آخر آفةنطلب أن يعتقنا الله منها، وذلك بعد: "روح البطالة، والفضول وحبّ الرئاسة". وتورد الصلاة عينها نعمًا أربعا تحضّ المؤمن على أن يرجوها من الله ليتخلص من هذه الآفات، وهي: "روح العفّة، واتضاع الفكر، والصبر والمحبة". وما نلاحظه، إذا قارنّا بين الأمراض الفتاكة التي تذكرها الصلاة وبين عطايا الروح، هو أن "المحبة"، التي هي دواء كل داء، هي بالأخص دواء "الكلام البطّال".

والكلام البطّال آفة حذّرنا الربّ منها في إنجيله، بقوله: "إنّ كل كلمة بطّالة يقولها الناس يحاسَبون عليها يوم الدينونة" (متى 12: 36-37). ونجد معنى هذا الكلام عينه في رسالة القديس يعقوب الجامعة، حيث نقرأ: "إذا كان أحد لا يزلّ في كلامه، فهو إنسان كامل قادر على إلجام جميع جسده... اللسان نار... وعالمُ الإثم. اللسان بين أعضائنا يدنس الجسم كلّه ويحرق الطبيعة في سيرها ويحترق هو بنار جهنم... انه بليّة لا تضبط ملؤه سمّ قاتل، به نبارك الربّ الآب وبه نلعن الناس المخلوقين على صورة الله..." (3 :1-12).

أن يجعل العهد الجديد الكلام البطّال سبّبا للدينونة أمر يجهله، عمومٍا، او يتجاهله الناس في مجتمعنا - وهنا لا أستبعد بعض المسيحيين - فترى الكثيرين، في وقت مقبول وغير مقبول،وتبجح واستعلاء فائقين، يتناولون الآخرين بالسوء في غيابهم، ويشتمون بعضهم البعض، ويلعنون ويكفرون... وما يؤسَف عليه هو أنهم لا يشعرون بخطر هذه الآفة، ويبرّرونها بقولهم: "إنّ هذا يخرج من أفواهنا ولا علاقة لقلوبنا به"، وفي هذا فصل للكيان البشري الواحد يناقض كلام الرب الذي قال: "الانسان الطيّب من الكنز الطيّب في قلبه يُخرج ما هو طيّب، والإنسان الخبيث من كنزه الخبيث يُخرج ما هو خبيث، فمن فيض قلبه يتكلّم لسانه" (لوقا 6 :45 وما يوازيها). ولعلّ ما قاله في إنجيل مرقس خير برهان أنّ كل شرّ يرتكبه الإنسان إنّما يصدر عن قلبه، وهو: "لأنه من باطن الناس، من قلوبهم، تنبعث المقاصد السيئة والفحش والسرقة والقتل والطمع والخبث والمكر والفجور والحسد والشتم والكبرياء والغباوة. جميع هذه المنكرات تخرج من باطن الإنسان فتنجّسه" (7: 21-22).

وما من شك في أنّ الإنسان يمكنه أن يقول الخير بفمه وقلبه مملوء غشًا وخداعًا. وهذا ما يسمى عادًة بـ "الرياء". والرياء آفة مخيفة، لأنه تشويه للحق وتهرّب من الالتزام به، كأن نقول للرب (وللآخر) إننا نحبّه، ولا يكون هذا شعورنا الداخلي الحقيقي. نقرأ في إنجيل مرقس: "فقال لهم: أيها المراؤوان، أحسن إشعيا في نبوءته عنكم... هذا الشعب يكرّمني بشفتيه وأما قلبه فبعيد منّي" (7: 7؛ انظر ايضا: متى 23؛ مرقس 12: 38-40؛ لوقا 11: 39-48و 20: 46؛ رومية 2 :17-24؛ 2 تيموثاوس 2 :14-16...).

والواقع أنّ خطر آفة الكلام البطّال هو أنها تشوّه إحدى أهمّ عطايا الله للإنسان، وأعني موهبة النطق، فالإنسان - وحده - من بين جميع الكائنات المخلوقة مَنَّ الله عليه بالنطق. والآباء جميعًا يرون في هذه الموهبة، كما يؤكد الأب ألكسندر شميمن: "ختم" الصورة الإلهية ذاته في الإنسان، لأن الله قد استعلن كـ "كلمة" (يوحنا 1:1). ويتابع بقوله: "وبما أنها الموهبة العظمى فهي، في الوقت ذاته، الخطر الأعظم. وبما أنّها التعبير الأصيل للإنسان، أداة تحقيق ذاته، هي للسبب عينه أداة سقوطه وتحطيم ذاته، أداة الخيانة والخطيئة. الكلمة تخلّص والكلمة تقتل، الكلمة توحي والكلمة تسمّم. إنها أداة الحقيقة وأداة الكذب الشيطاني...".

لقد وجدنا أعلاه (في صلاة القديس أفرام)، أن دواء الكلام البطّال هو المحبة. أهميّة المحبّة، في هذا السياق، وفي كل سياق، أنها الرباط بين السماء والأرض. فالمسيحيّ الحق هو الذي يستمد حياته من محبة الله له، ويجدها في محبّته إخوته جميعًا ومحافظته عليهم واحترامهم أموجودين كانوا أم غائبين. ولذلك هو لا ينمّ على أحد، لأنه لا يعرف قلب الانسان وما تكون توبته، ولأن ما يعرفه هو أن تجاوزاته للحق أكبر بما لا يقاس من تجاوزات البشر. وهو لا يشتم ولا يواجه الشر بالشر، لأنه بذلك يسقط بما لا نفع فيه ويخسر سلامه ويهمل إرادة الله الذي ينتظر منه أن يساعد إخوته على أن يصطلحوا...

وهو، في كلّ وضع، لا يكفر، لأن من يكفر يقطع كلّ علاقة بإلهه وينكر وجوده وحبّه وخلاصه... ولا ينتفع أحد إن برّر نفسه قائلا إن هذا يصدر عن فمي ولا علاقة لقلبي به، فهذا يسبي قائله بعيدًا عن الحقّ ويدينه كلام الربّ الذي أوردناه أعلاه.
غير أنّ الإنسان المؤمن مدعو، في كل حال، الى أن يوافق لسانُه قلبَه، وذلك ليدل على التزامه وإيمانه بخلاص الله، يقول الرسول: "فاذا شهدتَ بفمك أن يسوع رب ّ، وآمنت بقلبك أنّ الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص. فالإيمان بالقلب يؤدي الى البر، والشهادة بالفم تؤدي الى الخلاص" (رومية 10: 9-10). فلا نستعملنّ لساننا لغير هذا الهدف، لئلا تحرقه - وتحرقنا - نار جهنم، فإنه للشهادة الحق خُلق ومن أجل إحقاقها مُسح فمنا بالميرون المقدس.
[/frame]