مجنون يحكي وعاقل يسمع!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
"فإنّكم بسرور تحتملون الأغبياء إذ أنتم عقلاء" (2 كو 11: 19)!

يدعونني إلى الفضائل فأسعى إليها. إلى مَن أذهب؟ كلّ ما تحت الشمس باطل! هذا طريق الحياة. لكنّ مشكلة صعبة تواجهني. كلّما ظننت أنّي اقتنيت إحداها أجدها فضيلة في الظاهر ولكن رذيلة أو شبه رذيلة في الداخل. غريب! ماذا أفعل! أكاد أقتنع وأيأس أنّه ليس بإمكاني أن أصنع الصلاح. كلام الرسول بولس يثقِّل عليّ بواقعيته لما قال: "لست أفعل الصالح الذي أُريده بل الشرّ الذي لست أُريده فإيّاه أفعل" (رو 7: 19).

علَّموني أن "اهتمّ بالفقير". حسناً!اهتممت به. ظننت أنّي ملكت حجر الزاوية لاقتناء الملكوت. ساعدت وأُساعد الفقراء. سرّني الأمر! فلما سرت قدُماً ونظرت في دوافع قلبي وجدتني انتقائياً في مساعدتي لهم. أختار قوماً وأغضّ الطرف عن غيرهم. لا بالضرورة لأنّ هؤلاء محتاجون وأولئك غير محتاجين. وهذا باطل! لي مقاييسي. لا يمكنني أن أستعير مقاييس غيري. هذا أحسبه بحاجة فأعينه وذاك ليس بحاجة فأُعرض عنه. وهذا باطل أيضاً! أحياناً أمدّ يد المساعدة للناس لأسباب مزاجيّة وأحياناً أخرى أُمسك لأسباب مزاجيّة أيضاً. هذا باطل أيضاً! أحياناً يحدوني حبّ الظهور إلى العطاء وأحياناً شعوري بحركة حبّ الظهور في نفسي يدفعني إلى الاحتجاب، فأَحرم الفقير العطاء. أصالحٌ هذا الأمر أم غير صالح؟ لا أعرف تماماً! ويحدث أن أُساعد أحداً لأسباب أكتشف أنّها غير نقيّة. لأنّه يخصّ شخصاً أعرفه ويهمّني أن أقدِّم له خدمة لأنّ لي منفعة منه. أليس هذا باطلاً أيضاً؟ ولست أُنكر أنّي أستهتر بقوم، ربما كانوا بحاجة، لأنّي، بيسرٍ، أحكم عليهم بحسب الظاهر. لباسهم المرتّب ينفّرني منهم. أقول ليس عليهم مظهر الفقر.

نظرتهم. أسلوبهم. تصرّفهم. إلحاحهم. دبقهم... يتعبني ضميري أحياناً، وأحياناً أخرى أجدني لا أبالي. لا شكّ أنّي أُعاني! ظننت الأمر أسهل من ذلك! عليّ أن أعترف أنّ أموري تتأزّم. ثمّ أعود وأُقسِّي قلبي وأدع الأمور تجري كيفما اتّفق. هذا أيضاً لا يحلّ المشكلة. لست مرتاحاً مهما فعلت. نواياي تزعجني! لا إذا أعطيت أجدني مرتاحاً ولا إذا لم أُعطِ. مساعدتي للآخرين أكثر ما أجدها رهناً بمشيئتي. لأنّي أُريد أحياناً أمتدّ ولأنّي لا أُريد، أحياناً أخرى، لا أمتدّ.

عملياً لست أُعطي لأجل الله بصورة نقيّة ولا لأجل الآخرين. بالأكثر أُعطي لأجل نفسي. لأنّي أنا أُريد ذلك. إذا أعطيتُ أُسَرُّ لأنّي أحسب أنّي سلكت في الوصيّة. ثمّ أعود وأكتشف أنّ سروري ليس نقيّاً لأنّي قلّما أغصب نفسي ساعة لا أُريد ذلك بل أتقاعس أو أُبرِّر نفسي.

حتى إنْ غصبتُ نفسي أُطوِّبها لأنّي غصبت نفسي. كأنّي اجترحت معجزة! هذا يجعلني أشعر بالرضى، والرضى، بيسر، يدغدغ ميلي إلى السبح الباطل، ويجمِّل صورتي عن نفسي في عينيّ فأجدني فجأة في عمق النرجسيّة أو أكاد. كيفما تحرّكتُ أجد كبريائي جاثمة على صدري والسبحَ الباطل عن يميني وأنانيّتي وراحتي عن يساري وأنا قاعد على أرضيّة مزاجيتي. من خارجي تحدّيات ومتطلبات ومن داخلي أفكار لصوصيّة تأكل لحمي ولا تشبع ولا تنام. كلّما سعيت إلى جمع حبّات الفضيلة الحنطويّة ونمت قرير العين كلّما وجدتني، متى صحوت فجأة، أُلاحظ أنواعَ نملِ الأهواء في داخلي يسرقني حبّة حبّة ما جمعته. في نهاية المطاف أجدني أتعب لأجمعَ ما تيسّر في أكياس مثقوبة، فأذكر قول الجامعة: "التفتّ إلى كلّ أعمالي التي عملتها يداي وإلى التعب الذي تعبتُه في عمله فإذا الكلّ باطل وقبض ريح ولا منفعة تحت الشمس" (2: 11). ثمّ يأتيني قول موجع للرسول المصطفى بولس وصرخة من الأعماق: "ويحي أنا الإنسان الشقيّ. مَن ينقذني من جسد هذا الموت" (رو 7: 24)؟!

أعطيتكم، يا عقلاء، مثلاً واحداً في الإحسان إلى الفقراء. بإمكاني أن أُعطيكم أمثلة أخرى. ولكن ما الجدوى؟! مشكلتي هي إيّاها أنّي كلّما عرفت نفسي أجدني غبيّاً. فقط أكشف لكم إذا لم تكتشفوا سرّ غبائي – وغبائكم أنتم أيضاً – بعدُ، أنّي في العمق، العمق، لا أحبّ أحداً. فقط أحبّ نفسي وكلّ ما أطحنه من تعبي أطحنه في طاحونة عشقي لذاتي. فلا عجب إن قال الجامعة: "رأيت كل التعب وكل فلاح على أنّه حسد الإنسان من قريبه" (4: 4). الإنسان، في العمق، كاذب!
ويحي مَن ينقِّيني من أهواء نفسي؟! الصلاح لست أفعله ولا أنا قادر على فعله. "ليس صالحاً إلاّ الله" (مت 19: 17). كيف أصير مسيحيّاً إذاً؟ بالحقيقة العميقة لا أصير مسيحيّاً بأعمال صالحة آتيها بل بنعمة مجّانيّة من الله. لذا قيل: "بالنعمة أنتم مخلَّصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطيّة الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أف 2: 8 – 9). ألا دور لنا إذاً؟ في الخلاص لا دور لنا على الإطلاق. الخلاص حقّقه يسوع ووحده يسوع. نحن لنا دور في تقبّل الخلاص، في امتصاص الخلاص، في تمثّل الخلاص. وهذا يتسنّى لنا إذا وعى كلّ واحد منّا أنّه بالخطيئة ولدته أمّه. بالخطيئة معناه أنّ الطبيعة الداخليّة للإنسان ملوّثة. هذا التلوّث في الأرض وذاك التلوّث في الأخلاق هو من تلوّث الطبيعة الداخليّة للإنسان. كلّ واحد يُولد ملوَّثاً في داخل نفسه. لا أتكلّم على الوعي بمعنى الإدراك العقلي بل على الوعي بمعنى الحالة الكيانيّة التي تجعل الإنسان يحسّ بأنّه عاجز، في العمق، عن الإتيان بعمل صالح واحد بمعنى الكلمة. "بالخطيئة ولدتني أمّي". ليس في طاقتي، مهما فعلت، أن أنقّي نفسي. التلوّث داخل في خلاياي، في لحمي وعظامي، في وعيي وفي فكري، في دمي، في ذاكرتي ومخيّلتي، في كلّ ما هو لي وفيّ ومنّي. أنا، في ذاتي، مقفَل عليّ. أنا مائت وكلّ ما تتعاطاه يداي مائت. وحده يسوع نزل إلى مثوى الأموات في أعماق أعماقي وأخرجني من كبوتي، من ظلمتي، من مواتيتي إلى النور، إلى الحياة الأبديّة، إلى المحبّة، إليه. ليس هناك شيء قائم بذاته اسمه "المحبّة". هناك يسوع. المحبّة هي يسوع. نحن نعرف المحبّة ونختبر المحبّة ونتعاطى المحبّة إذا ما كان يسوع مقيماً فينا. هو الذي يعمل فينا ومن خلالنا. بكلام وخبرة ومعرفة الرسول بولس على هذا الصعيد: "لست أنا بعد أحيا بل المسيح يحيا فيّ" (غلا 2: 20). وبكلام آخر للرسول بولس حول الأعمال الصالحة التي يمكن أن نأتيها وقد سبق الله فأعدّها: "نحن عملُه مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدّها لكي نسلك فيها" (أف 2: 10).
المسيح تمّم كلّ شيء. "قد تمّ". نحن فقط نقبل ما حقّقه يسوع، نستدعيه، بالإيمان به، بالتسليم له، بالثقة به، وكذلك، بالوعي العميق أنّه "بالخطيئة ولدتني أمّي"، أي، عملياً، بتواضع القلب، بالإقرار بإزاء أنفسنا والاعتراف لديه، أننا من دونه لسنا شيئاً ولا ننفع شيئاً، أنّنا كتلة طين لا قيمة لها. تواضع القلب هو أن يعرف المرء ويتبنّى ذاته، أمام الله، أنّه عدم. الباقي يأتينا من يسوع. يخلقنا جديداً بالماء والروح. يجعلنا كائنات من لحم ونور. "حطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين". "مَن وضع نفسه ارتفع". "تواضعوا تحت يد الله القويّة لكي يرفعكم في حينه ملقين كلّ همّكم عليه لأنّه هو يعتني بكم" (1 بط 5: 6 – 7). "الله يعزّي المتّضعين" (2 كو 7: 6). "القلب الخاشع المتواضع، هذا لا يرذله الله".
بالتواضع نتنقّى لأنّ النعمة، إذ ذاك، تفعل فينا. فتأخذ أعمالُنا تتنقّى. نصير صالحين بصلاح الله. نحبّ بمحبّة الله. نثمر ثمار الإنسان الجديد والحياة الجديدة في يسوع لأنّه "كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرون أبراراً" (رو 5: 19). وكما قيل في المزمور الخمسين إنّه "بالخطيئة ولدتني أمّي"، بات القول في المزمور الجديد لصليب المسيح وقيامته "بالبرّ تلدني النعمة"! هكذا يصير المجنون بخطيئة نفسه عاقلاً بتدبير الله! فالمجد لله على ما صنع!