المؤمن ومصطلح التعميد


ربيع نصور



لقد ساد على لسان الكثير من المسيحيين وبالتحديد العاملون في الحقل الكنسي تعبيراً ربما وجدوه ملاذاً في مواجهة التساؤلات حول استخدام كلّ جديد من نتاج التطور العلمي الحاصل على كافة الصعد. فنراهم يكررون عبارة " فلنعمّد الأمر هذا ..." ، " فلنعمّد الطريقة هذه..." وهذا معناه أن نعطي الأمر أو الاختراع أو الاكتشاف الصبغة المسيحية، فيمكننا عندئذ استخدامه بحرية لخدمة عملنا. والمشكلة تكمن في هذا الفهم الخاطئ، فما أسبابه ؟ وأين الخطأ الفكري واللاهوتي فيه؟

إن المسيحي الحقيقي أصبح يحذر من كل شيء جديد لأنه صار يشعر بالوحدة في حلبة الصراع الروحي الإيماني والأخلاقي وحتى الحياتي، في ظل تغير القيم وتبدل الأخلاق، فهو على حافة الهاوية الروحية يخاف السقوط في منزلق الفساد والانحلال الأخلاقي. ولكن حذره هذا انقلب إلى خوف وهذا الخوف جعل المسحيين عامة والفعّالين منهم خاصة يحاولون اللف والدوران حول كل ما هو جديد لإعطائه بحسب تعبيرهم الروح المسيحية. من هنا أصبحوا يطلقون كلمة " تعميد" على أساس فهمهم للعماد المسيحي من حيث هو "لبس المسيح" و"ولادة روحية فيه" فتصبح كل الأمور لها الروحانية المسيحية. وفي هذا الأمر يكمن خطأ لاهوتي كبير، لأنه ما من شيء وجد على هذه الدنيا إلا بمشيئة الله وبالحقيقة كان حسناً، وحتى الأمور التي توجد الآن هي بمشيئة الله بحسب إيماننا المسيحي، فالمسيح قال لنا " أبي يعمل وأنا أعمل إلى الآن" ، " أنا معكم إلى انقضاء الدهر". وبحسب الفكر المسيحي لا يمكن أن يوجد شيء إلا بمشيئة الله وسماحه، ومن غير الممكن أن يسمح الله الصالح بوجود شيء غير صالح. فمن الصالح لا يخرج إلا كل صلاح وخير، فكيف يمكن أن يوجد شيء على وجه المسكونة وغير المسكونة لا يحوي على الصلاح وهو بمشيئة الصالح؟!!. إذاً لم ولن يوجد أو يكتشف شيء في هذه الدنيا لو لم يرد الله وجوده أو اكتشافه ونحن نعلم أن إرادته "أن يقبل الكل إلى معرفة الحق". لذا يجب علينا إعادة قراءتنا لكل جديد على هذا الأساس، فليس المطلوب الخوف وتجنب الأمور أو تعميدها بل على العكس يجب علينا أن ننظر إليها بطريقة صحيحة وأن ننقي بصرنا وبصيرتنا لكي ندرك النفحة الإلهية (مشيئة الله) فيها ، علينا البحث والتفتيش في أعماق كل جديد فمن المؤكد أنه طاهر لنا نحن الطاهرين بنعمة ربنا يسوع المسيح.

أمّا أمر التعميد فهو سرّ مقدس لنا نحن الذين نملك الإرادة بلبس المسيح والولادة الروحية فيه أو الابتعاد عنه، هذه الإرادة الحرة التي أعطانا إياها الخالق لنكون باكورة خلائقه وعلى صورته كمثاله. وميّزنا فيها لتكون أداتنا الرئيسية للاستخدام الصحيح لما هو بين أيدينا.

عيبنا أننا كثيراً ما نجد أنفسنا في ميدان الحياة هذا متأخرين عن غيرنا في تقبل الأمور الجديدة، لذلك فلننهض ولنكن السبّاقين دائماً لاقتناء الجديد وإتقانه فهو ما وجد إلا لنا، لخدمتنا، لأجل خلاصنا. ولو وجد العابثون المشوهون له الذين بدلوا استخدامه الطبيعي والصحيح بالاستخدام الشرير الخاطئ.