لمحة تاريخية عن حياة أوريجنس


العلاَّمة أوريجنس (185-253م)، هو من أشهر علماء الكنيسة خلال قرونها الثلاثة الأولى. نشأ أوريجنس نشأة مسيحية في الإسكندرية وأخذ مبادىء العلوم العامة والدينية، عن والده ليونيذاس وعن اقليمس الإسكندري الذي تتلمذ على يديه حين استلم رئاسة المدرسة إلى حين عودة بنتينوس رئيس المدرسة بصفته مساعداً له (190م). في السنة (202م) وقع اضطهاد الإمبراطور سيبتيميوس على الكنيسة، فاعتُقل والده ليونيذاس، فبدأ أوريجنس بالكتابة إلى أبيه يحثه على الثبات في الإيمان. لكن فيما بعد أعدم ليونيذاس وصودرت أمواله فلزم أوريجنس أمه وإخوته الستة الأصغر منه.
بعد فرار اقليمس من الإضطهاد أقام ديميتريوس أسقف الإسكندرية، أوريجنس مدرساً في مدرسة الموعوظين وهو في الثامنة عشرة من عمره فعلَّم وتعلَّم في آن واحد.
وعلَّم أوريجنس في الإسكندرية مدة 30 عاماً على وجه التقريب، وقام أوريجنس ببعض الرحلات، ومنها رحلته إلى رومية سنة (212م) أثناء أسقفية زفيرينوس، وفي أثناء وجوده هناك ألقى الشيخ اللاهوتي الشهير هيبوليتوس مقالاً عن كرامة المخلص، وهناك تعرف عليه، ومن ثم عاد إلى الإسكندرية.
و قام بعدة رحلات إلى العربية أيضاً، أولها حوالي عام(214م)، حيث ذهب إليها بناء على دعوة حاكم تلك البلاد الذي كان يرغب في التعرف على تعاليمه، كما دعي إلى العربية عدت مرات ليتناقش مع الأساقفة، وقد أشار يوسابيوس القيصري إلى اثنين من هذه المناقشات، نذكر منها:
" أنه في عام (244م) انعقد مجمع عربي لمناقشة وجهة نظر الأسقف بريلوس في شخص السيد المسيح". هذا المجمع أدان الأسقف بسبب قوله أن الله أقنوم واحد. فأسرع أوريجنس إلى العربية ونجح في إقناع الأسقف.
حوالي سنة (216م) إذ نهب الإمبراطور كاركلا مدينة الإسكندرية وأغلق مدارسها واضطهد معلميها وذبحهم، قرر أوريجنس أن يذهب إلى فلسطين هناك رحب به صديقه القديم الإسكندر أسقف أورشليم كما رحب به ثيوكتستس أسقف فلسطين، الذين دعاه أن يشرح الكتاب المقدس في اجتماعات المسيحيين في حضرتهما. فغضب عندها البابا ديميتريوس الإسكندري، لأنه حسب عادة الكنيسة الإسكندرية لا يستطيع العلماني أن يعظ في حضرة الأسقف. فأمره بعودته إلى الإسكندرية سريعاً. و بالفعل أطاع أوريجنس بطريركه في خضوع.
مع بداية حكم أسكندر ساويرس (222-235م)، أرسلت ماميا Mammaea والدة الإمبراطور حامية حربية تستدعي أوريجانس لأنطاكيا كي يشرح لها بعض الأسئلة. فأوضح لها سمو التعاليم الإلهية، و أسرع في العودة إلى مدرسته.
أُرسل العلامة أوريجنس أيضاً إلى اليونان بسبب انتشار بعض البدع هناك، فبقي عامين غائباً عن الإسكندرية. كما أنه ذهب إلى آخائية ليعمل صلحاً، و كان يحمل تفويضاً كتابياً من بطريركه. وفي طريقه إلى فلسطين، وفي قيصرية بالتحديد سيم قساً بواسطة أسقفها. هذا وقد أرادوا أن يتجنبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديميتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو علماني في حضرتهم.
وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطأ من التصرف السابق، حاسباً إياها سيامة باطلة لسببين:
1.أن أوريجنس قد قبل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له.
2.و أنه أيضاً كان قد أخصى نفسه و مما رواه افسافيوس القيصري "أن أوريجانس أخذ في هذه الفترة من حياته بظاهر الآية الثانية عشر من الفصل التاسع عشر من إنجيل متى فخصى نفسه من أجل ملكوت السماوات". فهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتية، فإنه حتى اليوم لا يجوز سيامة من يخصي نفسه. فقال إفسافيوس القيصري "إن ديمتريوس شكى من ضعف من بشري حين رأى مرؤوسه عطيماً شهيراً". ومضى ديمتريوس في غيه فدعى مجمعه إلى الإنعقاد وقطع أوريجنس، ثم جاء هيراقلاس خلفاً لديمتريوس فجرد أوريجنس في السنة (232م) من رتبته الكهنوتية.
عندها خرج أوريجنس من الاسكندرية وأقام في قيصرية فلسطين، فطُلب منه أن يتابع عمله التعليمي هناك، فأنشأ مدرسة وأشرف عليها مدة عشرين عاماً، و في تلك الفترة انحرف بيرلس أسقف بصرى وحوران عن طريق الصواب وقال بالمونارخية فزاره أوريجنس في سنة (244م) وأعاده إلى الصواب. من ثم اصاب الكنيسة اضطهاد الامبراطور داكيوس (249-251م)، فذاق أوريجنس ألواناً من العذاب أنهكته، و في عام (245م) رقد في مدينة صور بفلسطين بعد خروجه من السجن و كان عمره في ذلك الحين 69عاماً.