لِمَ ليس الإيمان للجميع؟
(2 تسا 3: 2)
العدد الخامس والعشرون– الأحد 30 تشرين الأول 2005
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
لا، بل الإيمان، من جهّة الله، هو للجميع لأنّه يشاء الخلاص للجميع ولأنّه لا أحد يُرضي الله من دون إيمان. لكن الإيمان ليس للجميع من جهّة الناس. ثمّة مَن يقبل شهادتنا وثمّة مَن لا يقبلها. والذين لا يقبلونها لا يقبلونها لعدم نقاوة طويّتهم. نواياهم غير صافية. هؤلاء لهم أهواؤهم سيرةً وأفكارهم ديناً. لا يحبّون الحقّ أو قل الحقُّ عندهم ما يناسب رغباتهم وما ينسجم وتطلّعاتهم. رؤيتهم للأمور عكرة لذلك طرقهم ملتوية ونفوسهم في بلبال. مستعدّون لأن يصدّقوا الكذب إذا ما كان في خطّ ما يعتقدون. الحقّ والباطل عندهم وجهان لعملة واحدة.
هؤلاء يعمل فيهم روح الضلال "بكل خديعة الإثم في الهالكين لأنّهم لم يقبلوا محبّة الحقّ حتى يخلصوا. لأجل هذا يُرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدّقوا الكذب، لكي يُدان جميع الذين لم يصدّقوا الحقّ بل سُرُّوا بالإثم" (2 تسا 2: 10 – 11).
الإحساس بالحقّ عند أمثال هؤلاء يعتريه الضمور. شرط الإيمان، من جهّة الناس، أن تكون لديهم محبّة للحقّ. فإذا ما ضمر الإحساس بالحقّ لديهم ما أمكنهم أن يؤمنوا ولو أُحيطوا بكل أسباب الإيمان. ولا إن قام واحد من بين الأموات يؤمنون. أمّا الحقّ فلا مكان له فيهم لأنّه لا مكان للمحبّة فيهم. الحقّ، كما استلمناه، مشروع محبّة والمحبّة حقّ متجسّد. لذلك مَن لا يحبّ لا يمكنه أن يكون في الحقّ ومَن كان في الحقّ لا يمكنه إلاّ أن يحبّ وإلاّ كان الحقّ فيه ادّعاء وزيفاً.
مأساة الذين لا يعرفون الحقّ ولا يحبّون الحقّ أنّهم لا يحبّون إلاّ ذواتهم. هم ممتلئون من أنفسهم. مهما تظاهروا بالحبّ ومهما عبّروا عن مشاعر الودّ لا مطرح، في أنفسهم، لسواهم، لا لله ولا للناس. الإنسان، بهؤلاء وأمثالهم، حيوان ممثِّل. وجود الآخر، لديهم، عَرَضي، وهم، كيانياً، المعتَزِلون بأنفسهم.
أمّا الذين يشهدون للحقّ حيثما طالعهم فلهم غير حكاية. هؤلاء تلقاهم، بتواتر وتلقائية، يمتدّون صوب الله وخليقته. العلاقات عندهم ليست في مستوى اللحم والدم ولا في مستوى هذا الدهر أو شؤون هذا الدهر ولا يحابون الوجوه. العلاقات عندهم في مستوى الحقّ المقيم هنا وثمّة. مهما كان الإنسان في عيونهم حاوياً من أباطيل فإنّه يبقى عظيم القيمة لأنّه إناء للحقّ أيضاً ولو مخنوقاً.
لذا كانت محبّتهم لسواهم لا من جرّى ما يعملون بل لشخصهم. "لست أَطلب ما لكم بل إيّاكم". قيمتهم أنّهم ناس لا أنّهم صالحون. محبّة محبّي الحقّ للضالين أعظم عظيماً تكون حتى يعودوا إلى الحقّ المبين. "هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة" (لو 15: 7). لأنّ الإنسان قَبَع في الظلمة وظلال الموت، لأنّه ذهب إلى بلاد بعيدة، لأنّه صار مطبَقاً عليه في الأسى، احتدّت روح الربّ في الله غيرةً فكان تجسّد الكلمة من مريم البتول وكانت صرخة يسوع ابن الله والإنسان: "تعالَوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".
محبّة الحقّ وما تتضمّنه وتستتبعه هي إيّاه مَطَلُّ الإيمان بيسوع. كل الذين لم تبلغْهم الكرازة بالإنجيل إنْ اعتملت في نفوسهم محبّة الحقّ كانوا أدنى إلى يسوع لأنّ أحشاءهم مهيّأة، في الروح، لاقتبال بذار الكلمة الإلهي. والله سمّاع لأنّات الناس مهما وهنت وحيثما كانت: "أيّها الربّ يسوع، تعالَ!" لم يحصر الربّ خلاص العالَمين بالناس ولو رسلاً وأنبياء ومبشِّرين. روح الربّ باق عاملاً فيهم ومن خلالهم. كثيرون وهنوا ولم يَعُدْ نشرُ كلمة الإنجيل يعنيهم بل اكتفوا بما هم فيه. هذا صحيح ومؤسف. ثمّة كنائس ماتت فيها البشارة أو كادت. لكنْ هناك سبعة آلاف لم يحنوا ركبة لبعل. هؤلاء هم رهن إشارةٍ من فوق ان اذهبوا إلى هناك فيذهبوا وعودوا إلى هنا فيعودوا. لا مسيح الربّ في غياب ولا روحه. ونحن ولو عرفنا بعض ما يختصّ بعملنا في كنيسة المسيح فلا نعرف إلاّ نتفاً مما يختصّ بعمل الله.
هداية شاول، الذي صار بولس المصطفى فيما بعد، لم تكن بتدبير الناس بل بتدبير الله. الربّ، علاّم القلوب، أَمر وثمّة مَن أطاع فكان. وكذا هداية وزير كنداكة لم تكن بمبادرة فيليبس أو سواه. ملاك الربّ هو الذي تكلّم وفيليبس سمع وأطاع. هو الربّ دائماً المبادِر في عمل الحقّ ولا قيمة لعمل، في الكنيسة، أيّاً كان، إن لم يكن إصبع الله فيه. الربّ يسأل الصوّامين القوّامين: "مَن أُرسِل ومَن يذهب من أجلنا" (إش 6: 8)، فيأتيه جواب عبده: "هاءنذا أَرسلني". لذا لا خوف على أحد في الدنيا ألاّ يُعطَى فرصة للخلاص لأنّه "هكذا قال ربّ الجنود ستأتي شعوب بعد وسكان مدن كثيرة... قائلين لنذهب ذهاباً لنترضّى وجه الربّ ونطلب ربّ الجنود. أنا أيضاً أذهب" (زك 8: 20 – 21).
لذلك الحاجة هي لأن تقيم قبائلُ الأرض في الحقّ وتتمرّس في الحقّ ذلالاً بمثابة استدعاء لروح الحقّ حتى يأتيها القائل "أنا هو الطريق والحقّ والحياة". طوبى لمَن عرف أن يقول "أخطأتُ" متى أخطأ. طوبى لمَن عرف أن يفرح بالحقّ لدى الآخرين كما يفرح بالحقّ لدى نفسه. طوبى لمَن عرف أن يكابد المشاق من أجل الحقّ. ويل لمَن سكت عن الحقّ أو قال غير الحقّ خنوعاً أو تزلّفاً حفاظاً على نفسه ومصلحته. طوبى لمَن قال للظالِم: "ظالمٌ أنت" ولمّا يكرهْه. ما يلحقُه إذ ذاك من ضيم يقيمه شاهداً للحقّ إلى أن يقيم الحقّ فيه. ما أُعطي أحدٌ أن يكره الناس، ظالمين أو مظلومين، بل الظلمَ لدى مَن ظَلموا والخنوعَ لدى مَن ظُلموا. الظالم أيضاً مظلوم بظلم نفسه وهو الأجدر بالرحمة لأنّه في الظلمة المطبقة. مَن أقام في محبّة الحقّ ثابتاً راسخاً أتاه ملاك الربّ، ولو كان في أقصى الأرض، مبشِّراً بيسوع الحقّ.
لا ليست الحاجة إلى مسيح آخر ولا إلى دين آخر ليخلُص الناس، كل الناس أينما كانوا. اسم واحد أُعطي لنا، تحت السماء، لنخلُص به أجميعن: مسيح الربّ! الحاجة هي إلى موقف أصيل من الحقّ في صدور الناس. هذا كفيل باستدعاء روح الربّ كائناً مَن كان اللاهجُ بالحقّ، الشاهدُ للحقّ. المأساة أنّ محبّة الحقّ بين الناس آخذة في التضاؤل. كلٌ يعتبر نفسه على حقّ. والميل إلى تزكية الناس كلاً فيما يعتبره حقّاً له. هذه حيلة روح الضلال أن لا يعود هناك فرق بين الحقّ والباطل. كلٌ إذ ذاك يمجِّد نفسه والكل يمجِّد الكل. فتأتيهم الكلمة: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض والمجد الذي من الله الواحد لستم تطلبونه" (يو 5: 44). أليس في هذا الاتجاه يسير رَكْبُ العالم اليوم؟
"تُرى متى جاء ابن الإنسان ألعلّه يجد الإيمان على الأرض؟" (لو 18: 8).

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات