طعام الصوم
"لا يكفي أن نبتعد عن المأكولات فقط لكي يكون الصوم أهلاً للمديح، بل علينا أن نمارس صومًا مقبولاً ومرضيّا لله. فالصوم الحقيقيّ هو في التغرّب عن الشرّ، وضبط اللسان، والابتعاد عن الغضب، والانفصال عن الشهوات: الاغتياب، الكذب ويمين الزور. حفظ النفس من هذه الأمور هو الصوم الحقيقيّ" (القديس باسيليوس الكبير، في الصوم).
لا يكفي، إذًا، الامتناع عن بعض المأكولات المحدّدة لكي يبلغ الصوم غايته، لكنّ هذا الامتناع هو عنصر ضروريّ للتعبير عن المضمون الروحيّ للصوم. فالإنسان كلّه يصوم ولا تفصل الكنيسة بين الجسد والروح، لأنّ الصوم ليس ضدّ الجسد، بل من أجل قداسة الجسد والروح معًا، وغلبتهما على الشيطان.
بالنسبة للمأكولات المسموح بها في الصوم، يذكر القدّيس باسيليوس الكبير في حديثه عن الصوم: "المسلك في الفردوس هو صورة عن الصوم لا لأنّ الإنسان شارك الملائكة نمط حياتهم ويمكن تاليًا أن يطمح، بفضل زهده، إلى التشبّه بهم أكثر فأكثر، فحسب، بل لأنّ كلّ ما أبدع، في ما بعد، بمهارة الإنسان، لم يكن معروفًا بعد لسكّان الفردوس. لم يكن ثمّة بعد استهلاك للخمر ولا ذبيحة حيوانيّة ولا ما يغشي روح الإنسان".
كما ينصّ القانون 50 من مجمع اللاذقيّة (القرن الرابع) على أنّه "يجب أن نصوم كلّ فصل الصيام الكبير ولا نتناول فيه إلاّ الأطعمة الجافّة". إنّ التعبير اليوناني الذي تُرجم "الأطعمة الجافّة" لا يعني فقط نوع الطعام بل عدد الوجبات أيضًا، فمعناه الدقيق هو أن يتناول المرء طعامًا جافّا مرّة واحدة في اليوم عند الساعة الثالثة بعد الظهر.
طُبّق هذا النظام أيضًا في ما يختصّ بصوم يومي الأربعاء والجمعة كما يوضح القديس إبيفانيوس القبرصيّ (+403) عندما يذكر أنّ هذا الصوم "لم يمارَس فقط في فترة الصوم الكبير بل طيلة السنة أيضًا، وأقصد هنا كلّ أربعاء واليوم الذي يسبق السبت إلى الساعة التاسعة".
صوم الفصح (الأسبوع العظيم) كان منذ البدء أكثر صرامة. يدعم هذا القول ما نقرأه في كتاب "التقليد الرسوليّ" المنسوب إلى هيبوليتس (+236): "لا يؤكل شيء في الفصح قبل تقديم القرابين، لأنّه من يتصرّف بخلاف ذلك فلا يُحسب له الصيام؛ على أنّه إذا كانت هناك امرأة حبلى ومريضة، ولا يمكنها أن تصوم يومين فلتصم يوم السبت مكتفية بالخبز والماء بحكم الضرورة". باقي الأسبوع العظيم كان مسموحًا أكل الخبز وحده والملح والخضار والماء، بحسب كتاب "قوانين الرسل القديسين".
تحدّث المؤرخ الكنسيّ سقراط عن اختلافات في موضوع ما يُسمح أكله في الصوم الكبير، إذ قال: "من الممكن وجود أناس يختلفون حول قضيّة عدد فترات الصوم وكذلك أناس لا يقبلون الامتناع عن الطعام بطريقة واحدة. لأنّه يوجد من يُمسكون، نهائيّا، عن اللحم وكلّ ما هو حيوانيّ، وبعضهم يستهلكون، من بين كلّ الحيوانات، السمك وحده، وآخرون يأكلون، إلى جانب السمك، الطيور مدّعين بأنّها هي أيضًا برزت من الماء حسب موسى. ثمّة من يمتنعون عن البلّوط والبيض وبعضهم يقتاتون بالخبز الناشف وحده. بعضهم ممّن يطيلون صومهم حتّى الساعة التاسعة (أيّ يصومون بلا ماء) يختلفون بالنسبة إلى نوع الطعام". أناستاسيوس الانطاكي يذكر أيضًا، في القرن السابع، فروقات في ما يختصّ بموضوع الانقطاع عن الجبن والبيض، وذلك حتّى بين الممارسات الرهبانيّة المختلفة. فيبدو أنّه كان يوجد بعض الاتّجاهات الرهبانيّة الداعية إلى اعتماد نظام الأسبوع العظيم طيلة الصوم الكبير، ممّا أوجد وجهات نظر مختلفة في هذا الموضوع. ففي الأديار، فُسّر الامتناع عن اللحم كمن ينقطع إمّا عن الحيوانات والطيور وحدها، وإمّا عنها وعمّا ينتج منها (جبن، حليب، بيض...)، وإمّا عن هذه كلّها يضاف إليها السمك، أو أخيرًا كلّ المخلوقات الحيّة. بصورة عامّة، اعتُبر أكل السمك خرقًا بسيطًا للصوم بالمقارنة مع استهلاك الجبن والبيض والحليب.
القاعدة العامّة التي سادت في الكنيسة كانت الامتناع عن اللحم (لحم الحيوانات والطيور) بما فيها منتوجاته. نستنتج ذلك من القانون 56 من مجمع ترولّو (692) الذي يقول: "علمنا أيضًا أنّه في مقاطعات أرمينيا وفي أماكن أخرى يأكل بعض الناس بيضًا وجبنًا في سبوت الصوم المقدّس وآحاده، فيلوح لنا أنّه يحسن أن يسود نظام واحد في كنيسة الله في كلّ أنحاء العالم وأن يُحفظ الصوم حفظًا دقيقًا. وكما يمتنع الناس عن أكل ما ذبح، هكذا يجب أن يمتنعوا عن أكل البيض والجبن وهما من نتاج الحيوانات الممنوع أكل لحمها. وكلّ من لا يحفظ هذه الشريعة فليسقط إن كان إكليركيّا وإن كان عامّيّا فليقطع".
يوضح القدّيس يوحنّا الدمشقيّ أيضًا نظام الكنيسة العامّ في القرن الثامن، حين يقول: "إنّنا نعرف، بحسب تقليد الكنيسة غير المكتوب، أسبوعًا واحدًا من الصوم التمهيديّ (مرفع اللحم) يتمّ فيه الإمساك عن اللحم وحده ويصام فيه حتّى المساء... والتقليد يشير أيضًا إلى ستّة أسابيع... نمتنع أثناءها عن البيض والجبن وما يشبههما، وعن اللحم أيضًا. أمّا في أسبوع الآلام فقد حُدّد نظام صارم من الأكل الجافّ... ثمّ إنّ الخميس العظيم هو بدء الاحتفال بالأسرار المقدّسة. والجمعة العظيم، هذا اليوم الرهيب، يفرض فيه صوم كامل حتّى مساء السبت. أمّا مساء السبت فمن يريد يستطيع أن يأكل كلّ شيء ما عدا اللحم، بينما يوم أحد القيامة المقدّس فمن يريد يستطيع أن يأكل لحمًا أيضًا".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات