إعلان القداسة
ورفات القدّيسين

في الفترة الممتدة بين العامَين 1993 و 2009 م، من تاريخ إنطاكية، برزت ثلاثة أحداث في مجال إعلان القداسة والكشف عن رفات أثارت تساؤلات في شأن إمكان قداسة أصحابها. هذا استدعى تدابير لا يبدو أنّ أحداً عندنا اهتمّ باتّخاذها إلى الآن. في الكنائس الأرثوذكسيّة الأخرى هناك أصول متّبعة في هذا الإطار ليس عندنا، في إنطاكية، ما يماثلها.
ففي العام 1993 م، وتحديداً في 8 تشرين الأوّل منه، أعلن المجمع المقدّس، في قرار، قداسة الكاهن الشهيد يوسف مهنا الحدّاد الدمشقي، وحُدِّد العاشر من تموز تاريخاً لذكراه كلّ سنة. في اليوم التالي، السبت 9 تشرين الأوّل، أُقيمت صلاة الغروب بخدمته وزُيِّحت إيقونة له عُرضت للتقبيل. ثمّ في الأحد، 10 تشرين الأوّل، أُقيمت الخدمة الإلهيّة ورُتِّلت، في صلاة السحَر، قطع أُعدَّت له كُلِّلت بالذبيحة الإلهيّة وذكرِه فيها. هذا ما اقتصر عليه إعلان قداسة القدّيسَ يوسف الدمشقي. دور المجمع كان هامشياً. اكتفى المجمع بأخذ العِلم والخبر والموافقة على إعلان القداسة. كان غبطته قد أخذ على عاتقه إعداد العدّة للإعلان بسيرة وخدمة وإيقونة كُلِّف بها بعض المؤمنين. لا كانت هناك لجنة مجمعيّة تولّت الأمر. ولا كان هناك بروتوكول حدّد عملها. ولا كان هناك تيبيكون حدّد كيفية إجراء خدمة الإعلان. ولا جرت حملة إعلاميّة رعائيّة منظّمة للتعريف بالقدّيس الجديد لا قبل الحدث ولا بعده. تُركت المسألة لاستنساب الأساقفة وجهود الأفراد.
وفي أيّار من العام 1995 جرى الكشف عن رفات كاهن بتغرين. لم يكن جسده منحلاً، رغم مرور فترة طويلة، فيما يبدو، على وفاته، وكان عليه لباسه الكهنوتي غير بال، فيما تمّ الكشف، بقربه، عن أربعة جثامين كانت كلّها منحلّة. وإثر الإعلان عن اكتشاف رفاته أخذت تجري بها عجائب امتدّت أشهراً. أوّل الأشفية المسجّلة كان أنّ ثمة مَن أخذ قطعة من ثيابه وجعلها ذخيرة لطفلة عمرها دون السنة كانت تعاني مرضاً معويّاً غير قابل للشفاء، بشهادة الأطباء، اسمها ليليان عبد الساتر. هذه كان ذووها، وهم من الطائفة المارونيّة، يقيمون بقرب كنيسة القدّيس جاورجيوس حيث جرى الكشف عن جسد الكاهن. وفي الليلة ذاتها التي عُلِّقت الذخيرة على ملابسها شُفيت وأكّد الطبيب ذلك. وقد كان لكاتب هذه الأسطر برَكَة معاينة الطفلة وسماع خبر ما حدث لها ورؤية علامة الصليب البيضاء العجائبيّة على صدرها وحشاها. هذا وقد عُيِّنت لجنة للكشف على جسد الكاهن لا نعرف ماذا فعلت. ولكن لم يصدر أيّ بيان رسمي لا بشأن الكاهن ولا بشأن الأشفية التي جرت به. بعد ذلك طُمس الموضوع واليوم صار في حكم المنسيّ. لا نعرف تماماً ماذا حصل. ما بقي إشاعات. لا جرت دراسة للظاهرة ولا صدر بيان لتنوير المؤمنين في شأنها. لم يكن للمجمع المقدّس أيّ دور في ما جرى. ولا عُرف ما آل إليه دور الكنيسة المحلّية. قيل لم يكن معروفاً عن الكاهن مَن يكون وأن جدالاً ونزاعاً عائليّاً نشب إثر الكشف عنه. وقيل لم تكن هناك وثائق تدلّ عليه ولا على ما فعل ولا كيف عاش. وآثر آخرون صرف النظر عنه بحجّة أنّ عدم انحلال بدنه ربما كان علامة لعنة لا علامة برَكَة. هؤلاء ضربوا الصفح عن كلّ ما تبع عمليّة الكشف عن رفاته لجهة إقبال الناس بشكل هائل على زيارته والتبرّك به وحدوث عدد لم يُعدَّ ولا أُحصي من الآيات والأشفية التي جرت في تلك الفترة. طبعاً نفهم في بلدة حسّاسة للنزاعات العائليّة أن يثير اكتشاف رفات كاهن كهذا القال والقيل. الموضوع ليس في مَن يكون بالضرورة. الموضوع هو في ما جرى به. الموضوع ليس في وجود أو عدم وجود وثائق بشأنه. هذه إن توفّرت فحسناً يكون وإن لم تتوفّر فلا بأس. الموضوع هو ما إذا كان رجلٌ لله قد استبان أم لا. هوّيته، مَن يكون، وكذا أخباره، ليست، تراثيّاً، الأمر الأهم. الأهم أن الربّ الإله ربما ارتضاه إناء له. في السنكسار لا نعرف كلّ شيء عن كلّ قدّيس. أحياناً لا نعرف شيئاً عن بعض القدّيسين، ولا حتى أسماءهم. فقط أنّهم آنية لله. ومع ذلك فالسنكسار يذكرهم بطرق مختلفة. اليوم، بالذات، تاريخ كتابة هذه المقالة، التاسع من شهر آذار، تعيِّد الكنيسة لمَن تسمّيهم: "الجدّ والجدّة والأب والأمّ وولداهما الشهداء". هؤلاء لا نعرف عنهم سوى ما ذُكر. وفي 31 تشرين الأول ذِكرٌ للمعترف الأنطاكي الصغير الذي لا نعرف اسمه. وفي 29 أيّار ذِكر للرجل والمرأة اللذين بقيت هوّيتهما مجهولة. ومثل ذلك الكثير. أما موضوع انحلال الرفات أو عدم انحلالها فليس، في ذاته، دليلاً كافياً لا على قداسة الرجل ولا على عدم قداسته. إذا كان هناك ناس اعتُبروا ملعونين بدليل أنّ أجسادهم لم تنحلّ فهناك أشخاص لم تنحلّ رفاتهم وكانوا قدّيسين، كمثل القدّيس سبيريدون العجائبي المعيَّد له في 12 كانون الأوّل والقدّيس البار باطابيوس المعيَّد له في 8 كانون الأوّل والمئات غيرهما. الموضوع، إذاً، هو هذا الذي جرى وترافق والكشف عن رفات كاهن بتغرين. تُرى هل أُعدّت ملفات بما جرى؟ هل أُمعن النظر في الأشفية التي قيل إنّها جرت؟ هل تأكّد أحد أو حاول أن يتأكّد من صحّة حدوثها أو عدم حدوثها؟ الجواب: لا أحد مسؤول فيما يبدو فعل ذلك! لماذا؟ الله أعلم، نحن لا نعلم! فقط نعلم أنّه ربما أُعطيت لنا برَكَة وتعزية في بتغرين وتعاطيناها بخفّة!
وخلال العام 2002 اكتشف رهبان دير سيّدة حمطورة أن في المخطوط البلمندي 149 ذكراً للقدّيس الشهيد يعقوب الحماطوري في اليوم الثالث عشر من شهر تشرين الأوّل فبادروا، سريعاً، إلى إعداد خدمة ليتورجيّة له وإيقونة وأقاموا أوّل سهرانة لذكراه في 13 / 10/ 2002 م. مذ ذاك درجوا على استعادة إكرامه. ثمّ خلال شهر تموز من العام 2008 اكتُشفت في أرض الكنيسة عظام خمسة أشخاص بينهم طفل. هذه، بعد الكشف الطبي وأو المخبري لها، أُعيدت إلى الدير واعتُبرت أنّها للقدّيس يعقوب ولآخرين استشهدوا بعد زمانه بحوالي مائتي عام. عُيِّنت رفاته بتحديد من آثار الحريق التي قيل إنّها تعرّضت له. لم يصدر، إلى الآن، على حدّ علمنا، أيّ تقرير طبّي أو كنسي رسمي يعلِّل تعيِّين رفات القدّيس يعقوب أو يحدّد الأسباب التي حدت بأهل الدير إلى اعتبار الأربعة الآخرين شهداء. هذا علماً بأنّ الدير، على موقعه على الانترنت، كان قد حدّد طرابلس مكان استشهاد القدّيس يعقوب. إذاً يقدّرون أنّ رفاته نُقلت بطريقة ما إلى الدير ودُفنت في أرض الكنيسة. كما يقدّرون أنّ آثار الحريق في العظام هي العلامة. بالنسبة للشهداء الأربعة الباقين ليس واضحاً علام اعتمد الرهبان لتحديد شهادتهم وقداستهم. هذا ويبدو أنّ ما أفضت به إحدى المؤمنات من أنّ القدّيس يعقوب ظهر لها في الحلم وأنبأها بأنّه سيكشف قبره لأهل الدير قريباً، أقول ما أفضت به هذه السيّدة شجّع الرهبان على تحديد هوّية رفات القدّيس يعقوب واعتبار الرفات الباقية رفاقاً له في الشهادة ربما من آثار التعذيب التي قيل إنّها كانت بادية على بعضها.
لا شكّ أنّ ما صنعه رهبان دير حماطورة يُظهر نمطاً جديداً، على إنطاكية الراهنة، من التعامل مع القدّيسين وما يُظنّ أنّه رفاتهم. هذه النزعة والنظرة إلى الأمور نقلوها عن بعض البقاع الأرثوذكسيّة العريقة في أرثوذكسيّتها كآثوس واليونان وروسيا، ونِعِمَ ما فعلوا. وعلى أرض إنطاكية ثمّة جديد في الرؤية الكنسيّة يُذاع وينتشر على هذا الصعيد بدليل تهافت العديدين من المؤمنين من جهات مختلفة على دير حماطورة لإكرام القدّيس المكتشَف جديداً ورفاقه. ولكن يبقى على دير حماطورة أن يدعّم ما أخذه على عاتقه بدراسات وتقارير وافية تكشف البيِّنات التي استند إليها للوصول إلى ما بلغه من استنتاجات بطريقة علميّة تراثيّة مقنعة.
خلاصة القول ان ثمّة تحرّكاً جديداً عندنا نحو أرض يبدو أنّنا صحّرناها طويلاً هي أرض القدّيسين ورفات القدّيسين. إنطاكية تتحرّك في هذا الاتجاه بخطى غير ثابتة بعد. الحاجة ماسّة، للتأسيس لمستقبل آبائي نوراني، على هذا الصعيد، إلى وضع بروتوكولات تحدّد طريقة تعاطي هذه المسائل على أجدى نحو تراثي علمي ممكن وإلى تحديد تيبيكونات خاصة بهذه المناسبات في إطار توزيع المسؤوليات بين المجمع المقدّس، من ناحية، والكنائس المحلّية والأديرة من ناحية أخرى.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما