أحـــــد الصليـــــب
المطران جورج خضر


غداً يكون صومنا على وشك الانتصاف ولكون بعض منا يبدو متضجّراً من الجهاد تضع امامه الكنيسة صورة الصليب وفق رتبة ملهمة من الأسبوع الذي نسميه العظيم السابق للفصح. نغرس صليباً في وسط رياحين أو أزاهير تحيط به ثلاث شموع للدلالة على ان المسيح شاهده أبوه ذبيحاً قبل انشاء العالم أي مهيأ لإعطاء العالمين الحياة بالحب.
يمشي المؤمن الى وسط الكنيسة حيث الصليب منتصب فيقبّله وبعد القبلة يدفع اليه الكاهن ريحانة أو وردة موحيا بذلك ان الجلجلة المرتضاة كانت طريقنا الي الفردوس المستعاد.
ولكن خشية ان يفهم المؤمن ان فرحه يجيئه من يسر كثير وانتعاش رخيص تجيء التلاوة الإنجيلية مستهلة بقول المعلم: "من اراد ان يتبعني فلينكر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
من أراد أن يتبعني اذ ليس من سيف مصلت عليك لتسعى الى المسيح أو أن تلازمه. فالحرية مملكتك وتذهب منها الى الخلاص أو الهلاك ويسر الله بحريتك وان كان لا يشاء هلاكك. ولكن لا تستطيع ان تكون على صورته هو ان لم تكن على صورة حريته فالله لم يخلق بشرا آلات ليتسلى بحركاتها. الإنسان الحر غير المجبر على شيء هو وحده الذي يذهب الى الله ويكفر به اذا شاء ويلازمه اذا شاء.
"من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه". فليعتبر ان ليس له "أنا" يملكها أو تملكه. اذ ذاك لن يكون عبدا وقد قال يسوع: "لن ادعوكم عبيدا في ما بعد". في الخطيئة فقط نظام الرق. لقد ألغى الله عبوديتنا له بعد ان اعترف بنا ابناء بحبيبه. انا اعرف خطر البنوة اذ يمكن ان تتحول الى غنج اي الى استرخاء نظام البنوة. مع ذلك كله ارتضى الله علاقة الأبّوة بعد ان رفع غضبه عنا بالحبيب مع كل ما فيها من مغامرة اذ ليس من بديل من البنوة الا الرق.
ترمي أناك بعد ان قال الرسول: "لست أنا احيا بل المسيح يحيا فيّ". أنت هو في الحب وهو أنت على اختلاف الجوهرين واستقلال الكيانين. لا تسلني عن الكيف فأنا اعرف تمايز الكيانين واعرف اتحادهما في آن واحد.
•••
"فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني". هنا يتحدث الإنجيلي عن الصلبان التي تعترضك في مسرى حياتك. الصليب اصلا، في العهد القديم، كريه عملا بالآية: "ملعون كل من عُلق على خشبة". المسيحية واقعية اذ تراك مصلوبا، معذبا على مدى الوجود. ليست المسيحية بستان ورود. هي تصير كذلك اذا ارتضيت آلامك اليومية جسدية كانت أم نفسية سبيلا الى رؤية النور. نحن نعاني الألم ولا نقول ان الله قضى به ليمتحنك أو يطهرك. ليس الله مستبدا ولا مزاجيا ولا شرطيا في دولة عربية. أنت ابتداء مما أنت فيه وكما أنت فيه ترمي نفسك في حضن الله ثم على صدره كما فعل يوحنا في العشاء السري وهو يأخذ عنك صليبك كأنه يسمر نفسه عليه وان كان لا يستلذه لكنك اسكرته بك على ما فيك من شقاء ويريد ان تجالسه لتذوق بهاءه.
انهى السيد دعوته بقوله: "ويتبعني" أي ان يكون فيك فكر المسيح بحيث ترغب في ان تتبعه الى منتهى مسراه الأرضي اي الى الجلجلة. فاذا جثوت على قدميه تأخذ كل وجودك منه.
•••
يؤكد يسوع هذه المسيرة بقوله: "ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه". اذا قبلت مصلوبيتك عنيت ان يجردك المخلص من كل ما عندك أو ما تظنه لك أو ما تحسبه فيك. الفراغ الكامل فيك بحيث لا يزينك شيء ولا يفرحك مال أو نفوذ أو سلطة ولا يغريك جمال وبحيث لا تستحيي بفقرك ولا بحدود فكرك أو ضعف ثقافتك وتكون ايضا مستعدا للجوع والهزء والشتائم والقمع وسوء الظن والتصنيف السيئ لك الذي مصدره الحسد واذا عيّرك معيّرو الله واخذوا عليك ضعفات لست أنت فيها، اذا احتملت كل هذا وأحببت الذل الذي أنت فيه من أجل اخوة يسوع الصغار تكون خاسرا العالم كله ورابحا نفسك في الوجود الحق الذي هو وجود المسيح.
تكون انتقلت من الدهر الحاضر الى الدهر الآتي ولو بقي جسدك هنا. فليس المهم عندهم ان يقتلوك ولكن المهم ان يقهروك ظانين انهم يمحونك، غير عارفين انك ماحيهم.
كل خسارة الإنسان ظنه ان ما في بطنه أو في جيبه يجعله انسانا سويا أو يزيد على قيمته شبرا واحدا. كل من اعتقد ان الإنسان يزاد عليه من خارجه أمسى في ضلال مبين. عندما يقول يسوع: "ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه" يكون كمن قال لا شيء يعادل وجودك الداخلي أو فرحك الحقيقي أو الجلال الإلهي الذي انسكب عليك. الخيار هو بين الكيان والكسب. والكيان اذا كونك الله به لا يتسربل بشيء آخر ولا يكسب شيئا آخر عن نفسه.
عجيب هو قول القديسين ان الفقر هو الغنى. لعل هذا هو معنى بولس اذ قال: "يا جميع الذين بالمسيح اصطبغتم المسيح لبستم". ونقول للمعمدين هذا إثر معموديتهم وهم عراة. من يكون هؤلاء المسيحيون الذين يعتقدون ان عليهم حلة ذهبية وهم غير متسربلين بشيء.
من تكلم على الصليب سلبا أو ايجابا يجب ان يفهم هذا القول لئلا يكون خارج الصحن.
نحن هكذا وليس عندنا شيء آخر. فاذا بشرنا بالمسيح مصلوبا نكون مبشرين به قائما من بين الأموات. هذا شيء واحد عندنا عملا بقول يسوع: "الآن قد تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه" أو بقوله الآخر: "مجدني يا أبت بالمجد الذي كان لي عندك قبل انشاء العالم". ومعنى القولين ان مجدي هو بالحب الذي اظهرته بتطوعي للموت. في اللحظة الاولى من التطوع بت ظافرا. وترائياتي للتلاميذ بعد ذلك ما هي الا اخراج لهذا الظفر وتبليغه والدلالة عليه. ان نخبر بموته كما أمرنا الكتاب على لسان بولس هو ان نعلن قيامته وان نحيا بها احرارا من الموت.

المطران جورج خضر