بدايةً أريد أن أسجّل احترامي لكل المقامات والشخصيات الكنسية.
ولكن عندما يتعلق الأمر بالعقيدة, فلا مكان للمساومة , ولا المجاملة .
لأن العقيدة الصحيحة, تعني الحق.
والعابدون الحقيقيون يعبدون الله بالروح والحق.
والحق هو المسيح, الذي قال عن نفسه أنا الطريق والحق والحياة..
من خلال تجربتي في محاورة الإخوة الأقباط في هذا المنتدى , بالإضافة لمحاورات الأخوة الآخرين معهم, أجد أنه دائماً يتكرر نفس الجدل , حول الطبيعة والطبيعتين, وللأسف يتحول النقاش إلى حوار طرشان.
فبالرغم من اعتراف الأقباط بأن القديس كيرلس الاسكندري, كان قد عاد وأقرّ في آخر الأمر بالإيمان بأن المسيح واحد في طبيعتين ومن طبيعتين ( في الرسالة المعروفة برسالة المصالحة) .
إلا أنهم يصّرون على التمسك بكلامه الذي قاله قبل الرسالة..
وكأن شيئاً لم يكن !!
والأنكى من ذلك هو مسارعة بعض الإخوة إلى كلام مفاده, أن الخلاف لا يعدو كونه خلافاً لفظياً !!
حتى أن بعضهم مؤخراً شبّهه بالخلاف بين اللبن والحليب !!!
وكأن جماهير الآباء القديسين كانوا على هذه الدرجة من السذاجة والسطحية في التعامل مع موضوع خريستولوجي بهذه الخطورة !!
أعرف أن أحد الرهبان الشباب في جبل آثوس , قدّم أطروحة الدكتوراه عن أبوليناريوس (القبطي), يوضح فيها مدى تضلّع هذا الأخير باللغة اليونانية, من خلال رسائله , وأشعاره, التي تضاهي بقوّتها اللغوية أشعار هوميروس .
ثم يأتي من يحدّثك بأن الأقباط لم يفهموا الفرق بين معنى كلمتي الطبيعة والأقنوم , والمسألة لا تتعدى الخلاف اللفظي بين اللبن والحليب !!!
لذلك فكرت بطرح نقطة خلاف عقائدية أخرى مع الأقباط , لا تقل أهمية عن الأولى رغم أنها نتيجة طبيعية لها .
وهي عقيدة تأله الإنسان
فمن المعروف أن آباء الكنيسة قاطبة اعتبروا أن تألّه الإنسان هو الغاية من كل التدبير الخلاصي الذي ابتدأ من البشارة, مروراً بالآلام, والصلب, والقيامة, حتى الصعود وجلوس طبيعتنا البشرية التي يحملها المسيح عن يمين الآب.
ولقد ازداد الاهتمام بعقيدة التأله في القرن المنصرم بسبب النهضة الآبائية , والتوسع في ترجمة ونشر ودراسة كتب الآباء، حتى أنه من العسير أن نجد واحداً من اللاهوتيين الأرثوذكس المعاصرين إلا وكتب مقالات متعددة. بل وبعضهم كتب كتباً كاملة في موضوع التأله.
كل هذه الكتابات الحديثة مبنية على أساس اللاهوت الأرثوذكسي وكتابات وتفسيرات الآباء للكتاب المقدس.
ومن آباء الكنيسة الذين تحدثوا عن التأله:
القديس أغناطيوس الإنطاكي (القرن الأول)، القديس إريناوس, والقديس إكليمنضوس الإسكندري (القرن الثاني), والعلامة أريجنوس, وترتليانوس, والقديس كبريانوس (القرن الثالث), والقديس أثناسيوس الكبيرالذي يُعتَبر المرجع الرئيسي لموضوع التأله، والقديس كيرلس الاسكندري وهو المرجع الثاني لموضوع التأله بعد القديس أثناسيوس، والقديس باسيليوس الكبير, والقديس غريغوريوس اللاهوتي, والقديس غريغوريوس النيصصي, والقديس يوحنا الذهبي الفم, والمغبوط أغسطينوس, والقديس هيلاريون بواتية, والقديس مكسيموس المعترف وآخرون...
ويكفينا كمثال , أن نورد تلك المقولة الشهيرة للقديس أثناسيوس الكبير, في أشهر كتاب له "تجسد الكلمة"، الفصل الرابع والخمسون، والذي يقول فيه:
"إن كلمة الله صارَ إنساناً, لكي يصيرَ الإنسانُ إلها".
ولكن اليوم يأتينا قداسة البابا شنودة الثالث , والذي يعتبر نفسه خليفة القديس أثناسيوس عل كرسي الإسكندرية, ويُكفّر كل من يتكلم في موضوع التأله, ويتّهمهم بالشُرك بالله!!!
أنا عندما قرأت كلامه هذا, ظننت أنه قد اختلط عليّ الأمر, وأن الكتاب الذي بين يديّ , هو للداعية الإسلامي الشيخ محمد متولي الشعراوي!!
ولكني عدت وتأكّدت , فإذا الكتاب فعلاً للبابا شنودة, وهو كتاب ( تأليه الإنسان) الجزء الأول ص 31
حيث يقول :
(فهم يدّعون إذن الشركة في اللاهوت !! ولعلّ هذا بعض مما يسمّيه إخوتنا المسلمين " الشرك بالله " )
وفي مكان آخر يقول قداسة البابا شنودة:
"تأليه الإنسَان معناه أنه يتصف بالصفات الإلهـيَّــة، لذلك محال أنّ أحد الآبـَاء نَادىَ بهَذا التألُـه"
(الكرازة السنة 32 العددان 23- 24 يوليو 2004)
ينفي البابا أقوال الآباء عن هذا الموضوع، في الوقت الذي يستطيع أي شخص أن يفتح مئات المواقع الإلكترونية , التي تقدم آلاف بل عشرات الألوف من كتب ومقالات عن موضوع "تأله الإنسان " من أقوال الآباء، بكل اللغات، مقدَّمة من المعاهد والجامعات والأديرة الأرثوذكسية من كل بقاع الأرض، مع الشرح والتعليق من أعلى مستوى لاهوتي وعلمي.
فإما أن قداسته لا يعلم , وتلكَ مصيبةٌ , وإما أنه يعلم ,ولكنّه يُنكر, فالمصيبة أعظمُ !!
أخيراً سأورد مقطعاً من سينوذيكون المجمع السابع المسكوني المقدس عن الرأي المستقيم , كما يرد في التريودي
المعترفون بأن الله بحسب الجوهر الإلهي , هوغير مُساهَم وغير مُدرَك بالكليّة, وأما بحسب الفعل الإلهي المؤلِّه , فهو مُساهَم ومُدرَِك للمستحقين , كما يعتقد آباء الكنيسة اللاهوتيون , فليكن
ذكرهم مؤبداً
ولكني لن أذكر ماذا يقول السينوذيكون بشأن الذين لا يعترفون بهذا الإيمان.
طاناسي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

المفضلات