فى البداية أحب أعتذر انى تأخرت فى الرد على الأخ طاناسى لظروف خارجة عن إرادتى، أرجو منكم الصلاة من أجلى.......
مش معقول يا جماعة أسيبكم أسبوعين آجى ألاقيكم عاملين فى بعض كدة lol؟ (مزحة)
نيجى للجد........معلش هاضطر أرجع لورا شوية للتعليق على مشاركة الأخ طاناسى رقم 18
أرجو أن تلاحظ معي أيضاً أن إنكار الكنيسة القبطية لهذه العقيدة, هو ليس نتيجة ظروف تاريخية, أو تغريب, لكنه نتيجة حتمية , لإنكار وجود الطبيعة البشرية في شخص ( أو أقنوم) الرب يسوع المسيح.

لأنه عندما أخذ طبيعتنا الساقطة وأتحدَها بطبيعته الإلهية, أي عندما جعل من نفسه أقنوماً لطبيعتنا البشرية, وأقامها عن يمين الله الآب, أعطانا إمكانية الحياة الإلهية ( أقامنا من الموت) أي ألّهنا.

كما يقول القديس باسيليوس الكبير( صائراً مشاركاً لنا في جسدنا الوضيع, ليجعلنا شركاءه في صورة مجده)

وكما وضّح ذلك الأخ يوحنا السلمي في مشاركته , عندما أورد شرح القديس غريغوريوس بالاماس ( يرجى المراجعة)

فالهرطقة الثانية هي النتيجة الطبيعية والحتمية للهرطقة الأولى.
هذا الكلام خطير جداً و هو ما يدفعنى لمناقشة نقطة ذكرتها حضرتك سابقاً فى أول مشاركة فى الموضوع و هى:
بالرغم من اعتراف الأقباط بأن القديس كيرلس الاسكندري, كان قد عاد وأقرّ في آخر الأمر بالإيمان بأن المسيح واحد في طبيعتين ومن طبيعتين ( في الرسالة المعروفة برسالة المصالحة) .

إلا أنهم يصّرون على التمسك بكلامه الذي قاله قبل الرسالة..

وكأن شيئاً لم يكن !!

والأنكى من ذلك هو مسارعة بعض الإخوة إلى كلام مفاده, أن الخلاف لا يعدو كونه خلافاً لفظياً !!

حتى أن بعضهم مؤخراً شبّهه بالخلاف بين اللبن والحليب !!!

وكأن جماهير الآباء القديسين كانوا على هذه الدرجة من السذاجة والسطحية في التعامل مع موضوع خريستولوجي بهذه الخطورة !!

أعرف أن أحد الرهبان الشباب في جبل آثوس , قدّم أطروحة الدكتوراه عن أبوليناريوس (القبطي), يوضح فيها مدى تضلّع هذا الأخير باللغة اليونانية, من خلال رسائله , وأشعاره, التي تضاهي بقوّتها اللغوية أشعار هوميروس .


ثم يأتي من يحدّثك بأن الأقباط لم يفهموا الفرق بين معنى كلمتي الطبيعة والأقنوم , والمسألة لا تتعدى الخلاف اللفظي بين اللبن والحليب !!!
عندك حق فى هذه النقطة و هى أن الأقباط لم يفهموا أن الطبيعة = الأقنوم و لكن فهموا أن وجود الطبيعة يستلزم وجود الأقنوم .
هذه النقطة تستدعى شرحاً مطولاً أنا لست أهلاً له لأنى لست متخصصة و لكن سأحاول بقدر الإمكان تقريب الفكرة ،
و للأمانة كل ما سأقوله فى هذه النقطة هو من قراءتى لكتب "الوجود شركة" للمطران يوحنا زيزيولاس فأرجو الرجوع إلى هذه الكتلب و خصوصاً الفصل الثانى "الأهمية الروحية لكلمة أقنوم" و الفصل الثالث "من الوجود البيولوجى إلى الوجود الكنسى":

1- الخلفية الفلسفية لمفهوم "الشخص" :

- الأنطولوجية اليونانية بتياريها الأفلاطونى و الأرسطوطالى رسخت لفكرة عدم إمكانية وجود حقيقى للشخص ، فقط وجود الجوهر (الجوهر هو الصفات الثابتة غير المتغيرة و التى تشترك فيها جميع الأشياء فالانسانية هى جوهر و الانسان هو ما يشترك فى الصفات الانسانية بحسب الفكر اليونانى).

2- اذن ما هو الشخص بالنسبة للفلسفية اليونانية؟
فكرة الشخص فى الفكر اليونانى ارتبطت بالقناع الذى يلبسه الممثل فى المسرح، فالأرواح كلها متشابهة و الإنسان "يلبس" الشخص (أو الشخصية ) ليؤدى دوره فى الحياة و عندما تنفصل الروح عن الجسد لا يتبقى من الشخص أى شيىء شخصى خاص به، تماماً مثل الممثل فى المسرح الذى يلبس القناع ليؤدى الشخصية المسرحية و عندما تنتهى المسرحية يخلع الممثل القناع و يعود لحياته الطبيعية و لا يتبقى منها شيىء.

3- رسخ الفكر اليونانى لفكرة أن الكون كله وحدة واحدة فى تناغم و انسجام كامل بل و حتى الله هو واحد مع الكون. بالتالى أى اختلاف أو تمايز يجب ازالته و هو ما يمثل ضربة أخرى لمفهوم الشخص (لأنه ببساطة ما يميز شخصى عن شخصك هو الاختلاف بيننا)


اذن ما هو دور اللاهوت المسيحى الناشىء فى هذه البيئة اليونانية الفكر تجاه تطوير مفهوم الشخص؟

1- جاء اللاهوت المسيحى ليقول أن الشخص هو الكائن و أن الشخصية لا تضاف إلى الكائن بل هى الوجود الحقيقى له.

2- الهوية لا تدرس بالعودة إلى الجوهر بل بدراسة الشخص نفسه، فالشخص هو الذى يقيم الكيان و يحققه.

اسمحوا لى أن أنقل الفقرة التالية بالنص:
"فما هو التقدم الفلسفى للآباء و ماذا قدم الآباء للأنطولوجيا (علم الوجود)؟ الجواب فى إيجاز شديد هو لا وجود لجوهر أو طبيعة بلا وجود لشخص أو أقنوم أو كيان مميز. و كذلك لا يوجد الشخص أو الأقنوم بلا جوهر أو طبيعة و لكن ما يجعل أى كائن كائناً فعلاً ليس الطبيعة و إنما الشخص ." (زيزيولاس ى.، لوجود شركة، ص 68)

هذه هى العلاقة بين كلمتى "طبيعة" أو جوهر و "أقنوم" أو شخص فالوجود للكائن لا يتحقق إلا"بالطبيعة المتأقنمة"

"الاتحاد الأقنومى للطبيعتين الإلهية و الإنسانية فى المسيح هو اتحاد شخصى أى تم فى شخص الابن الكلمة و ليس اتحاد طبيعتين بشكل آلى . هنا يظهر بشكل دقيق الفرق بين الشرق و الغرب . بين الآباء و على رأسهم القديس كيرلس السكندرى الذى يمثل لاهوت الشرق و الآباء الغربيين الذين يمثلهم لاون الكبير. و نقطة البداية لفهم الفرق بين الشرق و الغرب هى بشكل واضح فى الكلام عن الطبيعة و الجوهر . فالآباء مثل القديس كيرلس الكبير تحدثوا عن اتحاد أقنوم الابن بالناسوت أى الشخص . بينما الغرب و على رأسهم البابا لاون يتحدث عن الطبائع أو الجوهر . و مع أن هذه النقطة تبدو للوهلة الأولى بلا أهمية إلا أن الحقيقة عكس ذلك......فالإنسان هو إنسان ليس لأنه ينتمى إلى الطبيعة الإنسانية بل لأنه يؤقنم الطبيعة الإنسانية فيه و يجعلها طبيعته ....فالإنسان فى المسيح هو كائن تام و كامل كشخص أى فى المحبة و الحرية، أى الإنسان الذى تأقنم فى المسيح و صار له وجود فى المسيح هو متأقنم، إنه شخص، و ليس وجوداً غامضاً غير متأقنم" (المرجع السابق ص 96-97)

و بسبب كل النقاط السابق ذكرها كان من الصعب جداً قبول وجود قبول طبيعتين بدون وجود أقنومين فى المسيح (و هو مفهوم مرفوض تماماً سواء من الخلقيدونيين أة غير الخلقيدونيين)


يتبع.....................