من المعيب ألا أشبهك


بقلم: مها كاسوحه

من منا لا يعرف أننا مخلوقين على صورة الله و مثاله؟!
كيف نشبهك يا رب؟ هل بملامح الوجه؟ أم بالتصرف؟
أسئلة كثيرة كانت تراودني في صغري, عندما كنت بأعوامي الثمانية, اشتريت لك صورة, وآخذت أتأملها بدقة, يا لها من صورة جميلة وملامحك غاية في الروعة، بالرغم من سطحية نظرتي حينها, إلا أن فرحتي كانت عظيمة لأني حقا أشبهك يا يسوع، فوجهي الصغير الأبيض و المدور كوجهك المشرق و عيناي الزرقاوين بلون السماء كعينيك الصافية و شعري الأشقر كشعرك المنسوج من خيوط الشمس الذهبية، غمرتني السعادة و شعرت بالتميز لأني اقرب إليك من اخوتي، أهلي، أصدقائي جيراني... الكل.. الكل... و قلت في نفسي لأني أشبهك بالتأكيد أستطيع صنع المعجزات كمثالك ؟؟ و صرت ابحث كيف يمكن أن اصنع معجزة ؟؟ ما هي الأدوات التي علي أن استعملها...
و كأن المعجزة لوحة فريدة تتطلب ريشة و ألوان لرسمها لم اعرف أن المعجزة ليست الأدوات لكنها يد الفنان، و لأني لست عظيمة كمثالك لم استطع صنعها، فأنا لا أشبهك.
كبرت وكبر السؤال: لماذا أبدو أشبهك وأنا لا أشبهك ؟؟؟ وجاء الجواب حزين...
نظرات عيوني تدين الآخر وعيونك تنظر إلي وتحبني، قلبي قاسٍ على الكثيرين، وقاسٍ تجاهك و قلبك مملوء بالرحمة، يداي لا تعملان للخير دائما ويداك تلمسني باستمرار بسلام، أذناي لطالما صممتهما أمام صوتك ولا تتعب من الإصغاء إلي، قدماي لا تسيران على خطاك بل تسير نحو ذاتي و شهواتي "للسلطة، للمادة، للمال، لكل شي"، لكنك لا تمل السير نحوي... فمي لا يتحدث إلا لامتداح أعمالي أو لأطلبك منك ما أريد.. ولا اخجل من طلباتي التي تتزاحم في نفسي... وأنت يا الهي تدعوني باسمي تعرفني حق المعرفة و تناديني لتطيب جراحي وتحنو علي... أنا أتظاهر بالنذورات، في كل عام البس الثوب الأزرق ومرات الأسود أو الأبيض فأبدو في عيون الآخرين مؤمنة، والحقيقة أني أجبرك بهذا على تنفذ رغباتي فواحدة بواحدة... وإن لم تستجيب لا أتردد في لومك... أنت تقف على بابي تقرعه كي أفتح لك بينما أنشغل مع غيري في تقديم الذبائح ولمس الصور في كل الكنائس وأسارع أشعل الشموع أمام تماثيلك ولا أتردد بحضور الأخويات والاجتماعات التي تعقد باسمك وتتحدث عنك وأكرس وقتي ظاهريا لك..
فكيف أكون على مثالك وأنا إن خدمت أنتظر مقابل هذه الخدمة، أسخر من أمراض الآخرين، بكل وقت أستسهل الكذب عليك وأضع الأعذار وأبرر كذبي، إن ضربني أو شتمني أحد، أبدع في ابتكار طرق جديدة للانتقام منه، وأفرح حين أضعف وأكسر الأخر فبذلك أشعر بقوتي... أنت تحمل السلام والطمأنينة للبيوت التي تدخل أي كانت هذه البيوت وكيفما كانت، لكني لا نستطيع دخول البيوت إلا التي تتوافق مع مزاجيتي...
حتى يومنا هذا مستمر بحبك و بصنع المعجزات، لقد حررتني بقيامتك لكنني لم أنعم يوما بهذه الحرية.. يا الهي من المعيب ألا أشبهك لا بالملامح ولا بالتصرف ؟؟؟
الجواب مؤلم لك لأنك تسبر أغواري وتعرف أن أعمالي غير مجانية بل أهدف من ورائها الحصول على مبتغاي، ويؤلمني لأنك لا تزال تنتظرني ويديك ممدودتين صوبي لتضمني وتلبسني الأرجوان وتذبح لي العجل المثمن وتضع في إصبعي قوة وفي جبيني الشموخ وفي عيوني عزة النفس فأنا ابنتك...
أني أمجد نفسي وأعظمها أمام تواضعك يا أبي...
الهي لم تنتهي المعجزات.. هل لي بان أحظى بواحدة ؟؟؟...
أن أشبهك... فأستطيع بذلك كل شي لأنك قوتي...