إعلان المعرض.
أيقونات من الحقبة البيزنطية. حلى وأيقونات.
القديس أثناسيوس الآثوسي، رسم جداري، 1447. كورس الآباء الآثوسيين، القرن الثامن عشر.
رقاد القديس إفرام السرياني، القرن الخامس عشر. مخطوط مزوّق، القرن العاشر.
كفن المسيح، القرن الرابع عشر. "لا تنوحي عليَّ يا أمي"، القرن السادس عشر.
يقع جبل آثوس في شمال اليونان، ويُعرف بـ"الجبل المقدّس"، وهو بحسب التقليد الأرثوذكسي "حديقة السيدة العذراء" التي يحظّر على أيّ أنثى دخولها. جذب هذا الجبل العديد من الرهبان في القرن التاسع، وتحوّل إلى "دولة رهبانية" شبه مستقلة تتبع بطريركية القسطنطينية المسكونية، تضم اليوم عشرين ديراً كبيراً والعديد من المنشآت التابعة لها. تحوي هذه الأديرة الكثير من الكنوز الفنية البيزنطية التي لا نعرفها إلا عبر الإصدارات المطبوعة الصادرة في العقود الأخيرة. في عام 1997، خرجت مجموعة من هذه الكنوز للمرة الأولى من الجبل وتسنّى للجمهور رؤيتها في معرض كبير ترافق مع إعلان مدينة تسالونيك عاصمة للثقافة في أوروبا، وشهدت فنلندا معرضا مماثلا أقيم في مدينة هلسنكي منذ ثلاث سنوات. بدوره، يقيم "القصر الكبير" في باريس معرضا خاصا بالتحف الآثوسية يستمر حتى الخامس من تموز، ويضم مئتي قطعة يعود أقدمها إلى القرن التاسع وأحدثها إلى القرن الثامن عشر.
ذُكر جبل آثوس في عدد من المصادر القديمة، منها "الإلياذة" و"تاريخ هيرودوتس". تقول الأسطورة إنه كان أحد مساكن زوس، كبير الآلهة وسيّدهم. آثوس، اسم أحد العمالقة الذين حاربوا الآلهة، وهو من رمى بهذا الجبل على رأس إله البحر بوسايدون. وتجزم رواية أخرى أن بوسايدون دفن آثوس تحت هذا الجبل. يُجمع أهل العلم على القول بأن هذا الجبل كان مأهولا في القرون التي سبقت ظهور المسيحية، وقد هجره سكّانه في زمن ما يُعرَف بغزوات الشعوب السلافية، فظل مهجورا لفترة طويلة. بحسب رواية شاعت في الأوساط الأرثوذكسية أيام الحكم العثماني، أبحرت مريم العذراء مع يوحنا الحبيب لزيارة ألعازر في قبرص، وهبّت عاصفة هوجاء حملت السفينة التي تنقلهما إلى سفح جبل آثوس، ونجت بأعجوبة من الدمار. أعربت مريم عن إعجابها الشديد بجمال الجبل، وسألت ابنها أن يجعله من نصيبها، فسُمع عندها صوت يقول: "ليكن هذا المكان لك، ليكن بستانك وفردوسك وملجأ كل الذين يبتغون خلاصهم". تحوّل الجبل إلى "حديقة العذراء" التي لا تدخلها أيّ أنثى سواها، وهي محظورة على كل خصي وكل أمرد.
بعيدا من الروايات التقوية، يصعب تحديد بداية الرهبنة في هذا الجبل بشكل علمي دقيق، والأكيد أن الجبل مُنح حصريا للرهبان بموجب قرار أمبراطوري في نهاية القرن التاسع، وقد تطورت الحياة الرهبانية المشتركة فيه على يد القديس أثناسيوس الآثوسي الذي حظي برعاية الأمبراطور نيكيفوروس في النصف الثاني من القرن العاشر. في القرن الثاني عشر، جذب الجبل رهبانا من جنسيات مختلفة، وعاش عصرا ذهبيا، لكنه لم ينعم طويلا بهذا الازدهار الكبير بسبب الحوادث التاريخية المتقلبة التي عاشتها الأمبراطورية البيزنطية في القرون الوسطى المتأخرة. انقسمت الكنيسة الجامعة كنيسة غربية "كاثوليكية" وكنيسة "شرقية"، وتكرّس هذا الانقسام مع استيلاء الصليبيين على بيزنطية في حرب طاحنة ساحقة. أصبح جبل آثوس تحت حكم الملك بونبفاس والاسقف اللاتيني سيباست، ونُهب وأُحرق اثر رفض رهبانه الاعتراف بسلطة روما عليهم. استمرت هذا الاعتداءات طوال القرن الثالث عشر، وأدت إلى مقتل العديد من الرهبان، وانتهت بخراب الجبل في عام 1308. بفضل هبات الحكّام الصرب والبلغار والروس، استعادت "حديقة العذراء" شيئا من بهائها، لكتها تعرضت إلى خطر جديد مع صعود العثمانيين واستيلائهم على تسالونيك في عام 1430. هادن الرهبان السلطة العثمانية وحظوا بشيء من الاستقلالية الذمية في زمن مراد الثاني، وتجدد هذا العهد في زمن محمد الثاني بعد سقوط القسطنطينية عام 1453. فقد الجبل الرعاية السخية التي أمّنها الأباطرة في ما مضى، لكنه صمد بفضل هبات ملوك رومانيا ومولدافيا وروسيا وأوكرانيا طوال الحقبة العثمانية. في القرن الثامن عشر، قوي النفوذ الروسي في الجبل، وساعد في إنعاش الحياة الروحية والفكرية في زمن نهوض "القوميات" في أنحاء الأمبراطورية العثمانية. تمردت اليونان وسعت إلى الاستقلال عام 1827، وعند سقوط هذه الثورة، تعرض جبل آثوس لهجوم عسكري أدّى إلى خرابه من جديد، ولم يقم من هذه الكبوة إلا في القرن العشرين.
الدهر الآتي
يعرض "القصر الكبير" مئتي قطعة من كنوز "الجبل المقدس" مصدرها تسعة من الأديرة الآثوسية العشرين، وتشكل هذه المجموعة مقدمة لقراءة تطور الفن البيزنطي بين القرن التاسع والقرن الثامن عشر. توزعت هذه القطع على قسمين أساسيين، تحت عنوانين عريضين: "تطور الرهبانية والحماية الأمبراطورية" و"الفن البيزنطي في جبل آثوس". ترتبط بعض قطع القسم الأول بشكل مباشر بتاريخ الجبل، وتبدو قيمتها التاريخية أكبر من قيمتها الفنية. في المقابل، تتميز القطع الأخرى بقيمتها الجمالية الخالصة، وقد أنجز الأكبر منها بطلب من أكابر السلطة الأمبراطورية. أهم هذه الكنوز مخطوطات يونانية وجيورجية أُنجزت بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر، ويشكّل خروجها من الجبل إلى باريس حدثا استثنائيا. أجمل هذه المخطوطات كتاب صلوات من القرن التاسع يحتوي على 97 منمنمة يُعرض إلى جانب خمسة أناجيل مزوّقة من القرن العاشر. تحمل بعض التحف "الملكية" اسم مانحها، ومنها كأس من القرن الرابع عشر صُنعت من الذهب ومن حجر كريم يُسمّى اليَشْب، وقطعة من الحرير الأزرق المطرّز تُستخدَم في خدمة جنّاز المسيح، وتمثّل يسوع ممددا على الكفن، وهي هبة من الأمبراطور الذي ظهر اسمه في كتابة حيكت عند أسفل قدمَي المسيح. تتكرر الصور المسيحية التقليدية على أيقونات صغيرة الحجم صُنعت بمواد ثمينة، مما جعلها أشبه بالحلى الملكية. يتحول مجد الامبراطورية البيزنطية في الأيقونة إلى تجلّ من تجليات "المدينة النازلة من السماء من عند الله، وعليها مجد الله، ولألاؤها أشبه بلألاء أكرم الحجارة، كأنها حجر يشب بلوري" (رؤيا 11،21). المسيح هيكل هذه المدينة، وقديسوه "ينظرون وجهه واسمه على جباههم" (رؤيا 4، 22).
خُصّص القسم الثاني من المعرض للفن البيزنطي، وفيه العديد من الأيقونات التي تجذب المشاهد العادي بجمالها المجرّد. لا تحمل هذه الصور ما للعالم ولا تشهد للتاريخ. لا تمثل الآني ولا تنقل صورة الواقع المادي بما يحفل به من حوادث. من القرن التاسع إلى القرن الثامن عشر، نراها تنمو وتتحول وهي متأصّلة في التقليد، ماضية في انطلاقتها كأنها نهر لا ينضب. تكتمل قواعد هذا التقليد وتتكرّس في القرن العاشر. وتتجلّى أسسه الثابتة في رسم ملامح الوجه المقدّس، وتحديد طبيعة الجسد المجرّد من ماديته، وابتكار قواعد النور والزمان والمكان تبعا لقاموس تشكيلي يترجم الرؤيا الدينية بلغة الرسم واللون. عاشت الأيقونة عصرها الذهبي الأوّل في زمن الأباطرة الكومينيين، فتعدّدت تقنيّاتها من الألوان الممزوجة بالبيض على مادة الخشب، إلى أحجار الفسيفساء، إلى المعادن الثمينة والعاج المحفور والرخام المصقول وصولا إلى الحلل الكهنوتية الخاصة بالأساقفة. سُبيت القسطنطينية على يد الصليبيين في عام 1204، فتشتّتت كنوزها، وانطفأت نهضة القرن الثاني عشر اثر انتقال الفنانين الى الشرق والغرب وبلاد البلقان. بعد نصف قرن، استعادت بيزنطية مجدها الضائع في زمن سلالة الباليولوغين. عاشت الأمبراطورية نهضة فنية جديدة على رغم احتقان الوضع السياسي وعزلة القسطنطينية أمام حصار أعدائها. مرّة ثانية، استقلّت الأيقونة عن الحياة السياسيّة لترسم بهاء المسيح ومجده. جنح الفنّانون في هذه المرحلة إلى التعبير عن الإنسان بمشاعره وانفعالاته، لكنهم حافظوا على العمق القدسي. من دون أن تخرج عن بركات النعمة، في صمتها وخفرها حملت وجوه أيقونات القسطنطينية الأخيرة شيئاً من الوجل، كأنه الانفعال الذي وصفه أغوسطينوس بـ"الحزن السرّي الذي يرجو ويأمل". بعد سقوط القسطنطينية منتصف القرن الخامس عشر، لم تفقد الأيقونة "أرضها" ولم تنضب شهادتها. عاشت الأمبراطورية البيزنطية نهايتها عند سقوط عاصمتها الكبرى، لكن فنّها استمر في نموّه. في اليونان وجزرها، كما في بلاد البلقان، حافظت الأيقونة على بريقها ودخلت منعطفاً جديداً، فتخلّت عن شيء من تجريديتها، واتجهت نحو التجسيم والتعبير. خرجت الأجساد من ثبات القامات المنتصبة إلى ثبات الحركة في وضعيات مختلفة، وحملت بعض الوجوه علامات "الآلام البريئة" التي اختبرها المسيح.
تشهد أيقونات جبل آثوس لهذه المسيرة الخلاّقة بشكل متكامل. القطع التي أُنجزت بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر عديدة، وهي تماثل في جمالها القطع الكلاسيكية التي تعود إلى الحقبة البيزنطية. تبقى ذاكرة المسيحية الشرقية حية في الذاكرة اليونانية، وأجمل صورها في المعرض أيقونة تمثّل رقاد إفرام السرياني ومشاهد من حياة سمعان العمودي تحت سماء واحدة. تتجلى "الآلام البريئة" في أيقونة من القرن السادس عشر تستلهم ترتيلة "لا تنوحي عليَّ يا أمي". تبكي مريم ابنها، لكن الفجائعية التي تميّز بها فنّانو الغرب الكاثوليكي تبقى بعيدة عن عالم المصوّر الأرثوذكسي. تتكرّر النماذج وتتجدّد في نموّ خلاّق يحفظها من الوقوع في الرتابة والتكرار الأفقي للموضوع الواحد. يغيب التاريخ المدني وتغيب معه مصائبه. من أيقونة إلى أخرى، تطلّ جماعة مقدسة و"كهنوت ملوكي" يسكن "الدهر الآتي".
الصلاة الكاملة
في أيقونة من الحجم الكبير تعود إلى القرن الثامن عشر، يؤلف الرهبان الآثوسيون كورسا حول قامة السيدة العذراء المنتصبة مع طفلها في وسط الصورة. تحافظ على صمتها وتبقى شفاهها مطبقة على السر. تغيب صلاة الطقس وتحضر "الصلاة الكاملة"، وهي الصلاة التي تنتهي عندها أشكال الصلاة وحالاتها كما علّم إسحق السرياني. "ومتى تخطّى الروح حدود الصلاة الخالصة، وتوغّل في ما وراءها، فليس من صلاة بعد ولا انفعالات ولا دموع ولا سلطة ولا حريّة، ولا تضرّع ولا رغبة ولا رجاء متعجّل، لهذا العالم أو للآخر. فليس إذاً من صلاة بعد الصلاة الخالصة" ¶
المفضلات