من البديهيّ القول إنّ اسم "الله" كان معروفًا قبل الإسلام في ما عُرف بالحقبة "الجاهليّة". فالقرآن عندما بدأ باستعمال كلمة "الله" لم يأتِ باسم جديد للإله، غريب وغير مألوف لأسماع معاصريه من العرب. ولم يقتصر هذا الأمر على اليهود العرب والمسيحيّين العرب الذين كانوا يستعملون هذا الاسم للدلالة على إلههم، بل تعدّاه إلى الوثنيّين أو المشركين ممّن كانوا يؤمنون بتعدّد الآلهة، وكان "الله" عند هؤلاء الأخيرين يتمتّع بمركز مميّز في مجمع آلهتهم، بحيث كانوا يدعونه، ولا سيّما في أوقات الشدّة. وثمّة آيات كثيرة في القرآن تخبرنا أنّ العرب المشركين كانوا إذا وجدوا أنفسهم في مواجهة الموت ولا أمل لهم في الخلاص دعوا الله لنجدتهم جاعلين دينهم خالصًا له، كما في الآية الآتية: "فإذا ركبوا في الفُلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون" (سورة العنكبوت، 65).


كان اسم "الله" راسخ الوجود في المعتقدات الدينيّة العربيّة قبل ظهور الإسلام، وكان له عند الوثنيّين مضامين متعدّدة أهمّها: 1- الله هو خالق العالم؛ 2- أنّه واهب المطر، أي أنّه عمومًا واهب الحياة لكلّ الأحياء على الأرض؛ 3- أنّه الملاذ الحقيقيّ في أوقات الخطر والأزمات، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالسفر بحرًا، وهذا يمكن تسميته ب"التوحيد الظرفيّ أو المؤقّت السريع الزوال" الذي ينتهي بانتفاء مسبّباته؛ 4- أنّه ربّ الكعبة، التي كانت معبدًا يحتوي على أوثان عديدة بالإضافة إلى صورة أو تمثال، باختلاف الروايات، ل"عيسى بن مريم وأمّه".


عرف الجاهليّون الله بصفته "ربّ البيت" و"ربّ الكعبة" و"ربّ مكّة". ولنا في الأدب الجاهليّ شواهد وافرة تبيّن أنّ اسم "الله" كربّ للحرم المكّيّ كان واسع الانتشار بين العرب، حتّى خارج مدينة مكّة. فعلى سبيل المثال، ثمّة بيت للشاعر المسيحيّ المشهور عَدِيّ بن زيد، من واحدة من قصائده ألّفها بعد أن سجنه النعمان الثالث ملك الحيرة يعاتبه فيها، والبيت يقول:


سعى الأعداءُ لا يألون شرًّا ... عليَّ وربِّ مكّةَ والصليبِ

يشتكي الشاعر هنا قائلاً إنّ الأعداء بذلوا جهدهم ضدّه ولم يكفّوا عن فعل أيّ شيء يمكن أن يلحق به الأذى، وأقسم بربّ مكّة (الله) وبالصليب. وقد اجتهد بعض فقهاء اللغة فقالوا إنّ المقصود ب"الصليب" في هذا البيت إنّما هو "المصلوب" نفسه، ذلك أنّ التعبير يصبح أكثر حيويّة حين يضع كائنين-إلهين جنبًا إلى جنب، ولتماهي الصليب مع المصلوب.


أهمّيّة هذا البيت تكمن في أنّ قائله، الشاعر العربيّ المسيحيّ عَدِيّ بن زيد، الذي نشأ وتثقّف في المجتمع الفارسيّ الراقي، على عهد كسرى أنو شروان، واحتلّ منصبًا رسميًّا رفيعًا، وذهب إلى القسطنطينيّة حيث زاد تعمّقه في معرفة المسيحيّة، وكان يعدّ من أعظم شعراء بني تميم. وما جمعُه بين ربّ مكّة والصليب سوى دليل على مدى انتشار صفة "ربّ الكعبة" حتّى بلغت الحيرة (العراق)، وتأثيرها في الثقافة الدينيّة السائدة.


وثمّة فئة أخرى من الشعراء غير المسيحيّين وغير اليهود استعملوا في شعرهم كلمة "الله". ومناسبة ذلك أنّ الشاعر يسعى إلى استرضاء ملك مسيحيّ يرعاه، فيؤلّف قصيدة في مدحه. وفي حالة كهذه، يستعمل الشاعر كلمة "الله" بوعي أو من دون وعي، بالمعنى المسيحيّ ومن وجهة النظر المسيحيّة، على الرغم من حقيقة كونه وثنيًّا. فالشاعر الجاهليّ النابغة الذبيانيّ يخاطب النعمان بن المنذر ملك الحيرة المسيحيّ، ويتغنّى بمدحه، مستعملاً كلمة "الله" بالشكل الآتي:


وربَّ عليه اللهُ أحسنَ صنعِه ... وكان له على البَرِيَّة ناصرُ


يقصد الشاعر في هذا البيت أنّ الملك مدينٌ بنجاحه الرائع وثروته وسطوته لنعمة "الله" العظيمة. والشاعر نفسه، بعد أن فقد رعاية النعمان له، ذهب إلى الغساسنة، فرحّب به الملك عمرو بن الحارث بحرارة وأكرمه، فبدا بتأليف المدائح لهذا السيّد الجديد وعائلته، ومجموع المدائح يُعرف الآن ب"الغسّانيّات". ونجد في واحدة من أشهر قصائده الغسّانية البيتين الآتيين:


لهم شيمةٌ لم يعطِها الله غيرَهم ... من الجود، والأحلامُ غير عوازبِ
مجلّتهم ذاتُ الإله ودينهم ... قويمٌ، فما يرجون غيرَ العواقبِ


يقول الشاعر في مدح الغساسنة المسيحيّين إنّهم ذوو طبيعة لم يمنحها الله لأيّ إنسان آخر، هي الكرم المقرون بالعقل الذي لا يغيب عنهم أبدًا، وإنّ كتابهم المقدّس (مجلّتهم) من عند الله، وإيمانهم راسخ وقويم (أرثوذكسيّ)، ورجاؤهم يتركّز كلّيّةً على العالم الآتي، أو إذا قرأنا "خير" بدلاً من "غير" في عجز البيت الثاني لكان المقصود أنّ المسيحيّين يأملون خير ما في العالم الآخر.


شئنا عبر هذه العجالة، مع ضيق المساحة وقلّة الاستشهادات وانعدام الإحالات، القول أنّه في الوقت الذي نشأ فيه الإسلام، لم يكن العرب المشركون بعيدين عن تكوين فكرة، أو بداية إيمان بالله بوصفه الإله الأسمى المتعالي فوق مستوى المعبودات المحلّيّة. لم تكن "الجاهليّة"، من حيث إنّها تعني الجهل بالله، جاهليّةً البتّة، فالله كان معروفًا في تلك البيئة. ولكنّ للتاريخ اللاحق كلمة أخرى...

نقلاً عن: رَعيّتي
الأحد 29 تموز 2007 العدد 30