اكتب على بعض من يأس في هذا الموضوع لان الحشمة زالت عن الكنائس او معظمها بمعنى ان الاكثرية الساحقة من النسوة بتن غير حساسات لوجود مشكلة في ما يلبسنه. هل هذا تغيير في القيم؟ أميل الى هذا الاعتقاد. احد اصدقائي الواعي روحيا لما شكوت له الامر قال لي: انسان اليوم له علاقة اخرى بجسده. لم افهم هذا الكلام ولا اريد ان اعتقد ان نساءنا اللواتي اعرف عفّتهن العميقة يتصرفن كعارضات ازياء ويحولن تاليابيتالربالىمشهدلعرضال ازياء.
لا اود هنا ان احصر المسألة بقدسية المعابد كأن الناس يقولون العري ان منعناه في الكنيسة نبيحه في المجتمع. ليست الكنيسة شيئا آخر عن المجتمع وليست اقدس من اعين الرجال الذين ادركوا ان استعفافهم امر الهي يجب على المرأة ان تساعدهم عليه لان الانسان رجل وامرأة ولان احدا منا ليس مستقلا عن الآخر ويتكون به. هذا هو منطوق الحياة منذ ظهر سفر التكوين.
سوف اعرض اذا عن انحصاري في باب الاكاليل لاستعراض الموضوع في عمقه. فالمرأة ليست وحدها في الوجود. انها مع الرجل ولكنها مع الرجل القيم او المفروض انه قيم اي الذي لا يستبيحها ولكنه يودّها او يحترمها والمودة عازل كما هو الاحترام وكلاهما يظهر المرأة على انها كائن كامل من حيث انها روح وعقل وجسد معا وهذه الثلاثة قوى متكاملة التعبير وكل تجزئة بينها وقوع في الشيئية. ان تكشف المرأة على انها، بخاصة، جسد يعني انها استغنت عن تكامله بالعقل والروح. لا شيء يقنعني اذا ما لبست المرأة العري او نصف العري هي ليست واعية على ان هذا ما يهمها وانها لا تسعى الى التوازن بين كل عناصر كيانها ولكنها ساعية الى تسلط جسدها على ذاتها اولا وعلى الناظرين اليه منهم.
لا تحل هذه المشكلة الا اذا فهمنا ان الجسد لغة. عندما كنت ارى الى اندره مالرو وزير الثقافة عند ديغول كنت الحظ ان يديه تتكلمان كلسانه او اكثر. بالمقابل ليس ثمة من يستعمل يديه بل نقاوة عينيه وهما تتكلمان بما يفصح عن اعماقه. جسد المرأة ماذا يخاطب في الرجال؟ الجواب الشفاف انها هي التي تقرر صورة الخطاب. في الكشف او التستر تبيان بأسلوبين مختلفين. المرأة لغة وليست تقنعني انها لا تقول شيئا بالتعري او شبه التعري. السؤال هو ما هذا الشيء الذي يتكلم فيها. لماذا تستعمل هذا الجزء من بدنها او ذاك لتقول.
•••
جسد المرأة وجسد زوجها خطابان من داخل كيانهما وعلى صلة مباشرة بين روحين وعقلين حتى يصيرا كيانا واحدا كما يرى بولس في رسالته الى اهل افسس. الجسد هو احد هذه الامكنة الثلاثة التي تتمّ فيها الحركة الانسانية القائمة على الحب الزوجي. واذا انقطعت الصلة بين العناصر الثلاثة نكون مع روح محض وعقل محض وجسد محض. ولكن اذا تم التواصل بصورة سليمة تكون الواحدة الزوجية في الرضاء الالهي وصحة الوحدة البشرية المبنية على علاقات متكاملة بحيث ينسكب الحب في الجنس والجنس في الحب. ان النظرة الى هذا التكامل تفرض التوحيد البشري ضمن العهد الزوجي. اما اذا انفصل الجسد بالتعرية او نصف التعرية يكون موهوبا لعيون غريبة عن هذه الوحدة فيتم اختلاط بلا اساس زوجي وتكون المرأة اذا ارتضت هذا الوضع قد اباحت نفسها وقامت بخطاب غير سليم. تكون معنويا وعاطفيا وصورة قد تزوجت بواحد غير زوجها او بواحد لن يكون زوجها وتكون قد خرجت على الخطاب المباح وكسرت وحدة شخصيتها.
قد لا تفكر هي بهذا ولذا وجب لفتها الى ان اقصى الحشمة مبتغاة منها لتحفظ الزوجية القائمة او الزوجية الآتية ان كانت عزباء.
وقد تختفي وراء اعذار مثل ان الزي هكذا وان لا اذى بكشف هذا الجزء من البدن لان الناس الفوا هذا الامر. موقف كهذا في الحقيقة موقف كاذب لان البشرية منذ مطلع التاريخ كان لها احساس بكل المواضع المثيرة وستبقى الى الابد هكذا. انت لا تستطيع ان تلعب بالطبيعة. نحن هكذا مركبون. هي تعرف انها تغري بطريقة او بأخرى وتعرف بالتأكيد انها تخالط عيون الرجال.
السلوك المخالف لهذا التحرر كما يروق بعضا ان يسموه هو الحشمة. في لسان العرب جاء تحديدها الحياء والانقباض. الحياء يقود الى الانقباض الذي هو ان تلملم المرأة نفسها ولست اشير هنا الى حجاب معين ولكن الى روحية الاحتشام الذي هو تطبيق للعفة التي هي في اللغة الكف عما لا يحل. ولكن في عمق المعنى هي نقاوة القلب واعتبار الانسان الآخر، امرأة كان ام رجلا، اخا او رفيقا او صديقا ولا علاقة به الا على مستوى المودة والتراحم. وانت تلتزم الصديق التزاما روحيا وليس الجسد عنصرا منه الا اذا سعيت الى الزوجية. في حال الاستعفاف لا ينقصك شيء من الفهم والاشتياق، وبذل النفس والجنس لا يزيد هنا شيئا ولكنه يعبر عنها في التعاهد الزوجي.
•••
ليست المرأة وحدها هي المكلفة الحشمة. الرجل يضا يخترقها في الحاظه وبعض من تعابير اهتمامه. القضية لا تنتهي عند الملابس ولا تبدأ بها. الاغراء الذي قصده الاستغراق بالآخر في غير موضع الحلال هو ايضا من باب كسر لقاعدة التعفف. يبقى الرجل مستورا في ظاهره في كل احوال الطقس. اما المبدأ فهو ان تفرق بين الزوج وغير الزوج وبين الرجل والمرأة، ذلك انها في الستر الالهي وفي الخطاب الانساني الشرعي حيث يكتمل اي منا بالآخر ولكن على قاعدة الانفصال الجنسي.
•••
ان المبادئ التي بنيت عليها ما سلف يجعلنا احرارا من "تبرج الجاهلية الاولى" (الاحزاب، 33) وتلك الدائمة في تاريخ الناس والتي تدفعهم الى عبودية الازياء وما هو اعمق من هذه العبودية رغبة الاغراء. وفي كلام بطرس: "لا تكن زينتكن زينة ظاهرة من ضفر الشعر والتحلي بالذهب والتأنق في الملابس، بل الخفي من قلب الانسان، اي زينة بريئة من الفساد لنفس وادعة ومطمئنة. ذلك هو الثمن عند الله". (1 بطرس3:3 و4).
متى تنزل كلمة الله في القلوب لتتغلب على هذا التنزه في التبرج الشديد ومعرفة قداسة الانسان الآخر الذي يحتاج الى الوقار يحيا به فيكتمل الفرح بالآخر في عفافه والرزانة. هل نكون جميعا في رؤية الله ايانا انقياء ولنا في هذه النقاوة مكوث وسلام.
المطران جورج خضر
عن " النهار"

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات