روسيا من الشيوعية إلى الأرثوذكسية
جيروم شاهين
تعيش روسيا، منذ العام 1991، تاريخ سقوط الإتحاد السوفياتي والإشتراكية الماركسية/ اللينينية، تحولاً عميقاً يأخذها من الإشتراكية إلى الليبرالية والرأسمالية ومن الإلحاد المنهجي إلى التديّن المعمّم. وتعود روسيا إلى أرثوذكسيتها الرسمية والقومية. ومن الإجراءات اللافتة في هذا المنحى إدخال روسيا التعليم الديني في البرنامج المدرسي.
ففي نهاية الشهر الماضي، أعلن الرئيس الروسي، ديمتري ميدفيديف قراراً بإدخال التعليم الديني كمادة في المدارس. ويتضمن البرنامج تعليم أربعة اديان، ولكن الدين الكاثوليكي ليس من بينها وكذلك البروتستانتية.
وقد أعلن الرئيس الروسي أن التلامذة الروس سيتابعون دروساً في التعليم الديني، أو الأخلاق المدنية. وأنه سيتم منح هذه الدروس لجميع التلاميذ دون العشر سنوات من العمر، في مدارس كل المحافظات الروسية الـ18. وسيمكنهم أن يختاروا أن يدرسوا بين الدين السائد، الأرثوذكسي، أو الإسلام، أو اليهودية، أو البوذية، أو نظرة شاملة إلى الأديان الأربعة، أو دروس في الأخلاق المدنية.
يغلب الظن أن الكرملين يقوم بهذه الخطوة في جهد يهدف إلى تعليم الشبيبة الروسية أسس الأخلاق بين زمن صعب من غياب الثقة والقناعات إثر سقوط الإلحاد الرسمي الذي كان يحمله الإتحاد السوفياتي. وقد مدح البطريرك الروسي الأرثوذكسي كيريل هذه المبادرة مشيراً إلى أن " كل الهموم التي عبّر عنها المجتمع ستتم مواجهتها من خلال حرية الخيار هذه ". ويجدر بالذكر بأن المبادرة ليست جديدة بالكلية، فعلى صعيد محلي وغير رسمي، قامت بعض المدارس منذ ثلاث سنوات بتقديم دروس حول الأرثوذكسية الروسية.
وطمأن ميدفيديف المتخوفين من إمكانية فرض الدين الأرثوذكسي، أن للأهل وللتلاميذ حرية الاختيار، وأن أي ضغط سيكون مرفوضاً. هذا، وشدّد الرئيس على الإيضاح بأن المبادرة تدوم أربع سنوات.
ويذكر أن نحو 80% من الشعب الروسي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، مع أن الممارسين للشعائر الدينية لا يتجاوزون العشرين بالمائة. وقد عبّرت بعض الأقليات عن امتعاضها لأنها استثنيت من هذا القرار.
وذكر رئيس أساقفة كنيسة أم الله في موسكو، باولو بتسي، أنه إذا تم إيجاد عدد كافٍ من الكاثوليك في بعض المدارس، فسيتم تقديم طلب من أجل منح التعليم الكاثوليكي لهم. وأشار الأسقف إلى أن هذه المبادرة تشير إلى وعي الحكومة لحالة الطوارئ التربوية التي يعيش فيها البلد، بحيث يعي الروس ضرورة العودة لتربية الأجيال الصاعدة.
تأتي هذه الإجراءات كإشارة قوية وجليّة إلى عودة روسيا إلى أرثوذكسيتها التي تتماهى بالقومية الروسية. والكنيسة الروسية هي أكبر كنيسة أرثوذكسية شرقية مستقلة، حيث يربو عدد أتباعها على 165 مليون شخص، منهم 30 مليون خارج روسيا، وتعتبر الكنيسة الوطنية لروسيا ومقر بطريركها هو موسكو. وقد وصلت المسيحية للبلدان السلافية الشرقية بفضل جهود مبشرين يونانيين بعثوا من الأمبراطورية البيزنطية في القرن التاسع الميلادي.
ففي عام 988 م قام فلاديمير الأول أمير كييف (المعروف لاحقاً بالقديس فلاديمير) باعتناق المسيحية على المذهب الأرثوذكسي داعياً جميع رعاياه إلى الدخول في هذه الديانة أيضاً. ومع قدوم القرن الرابع عشر استقر مقر رئيس أساقفة كييف وعموم روسيا (رئيس الكنيسة الروسية) في موسكو، واحتفظت الإمارات الروسية الغربية بأبرشيات مستقلة ولكنها خضعت في وقت لاحق لسلطة موسكو.
اعتبر الروس الأرثوذكس موسكو بأنها روما الثالثة (بعد القسطنطينية روما الثانية) وبأنها آخر حصن للعقيدة الأرثوذكسية الحقة، وهكذا في عام 1589 نال رئيس الكنيسة الروسية لقب بطريرك واضعاً نفسه بمرتبة بطاركة القسطنطينية، والإسكندرية، وأنطاكية وأورشليم.
تسببت إصلاحات البطريرك نيكيتا مينون (1605-1681) بانقسام في جسم الكنيسة الروسية. وفي عام 1721 قام الأمبراطور بطرس الأول بإلغاء البطريركية جاعلاً الكنيسة من مؤسسات الدولة يدير شؤونها مجلس للأساقفة.
أعيد تأسيس البطريركية عام 1917 قبل شهرين من بدء الثورة البلشفية وذلك بتنصيب تيخون كبطريرك للكنيسة. ولكن تحت الحكم السوفياتي كانت الكنيسة محرومة من حقوقها القانونية وتعرضت لعملية قمع واضطهاد وخسرت الكثير من أتباعها نتيجة سيادة الفكر الإلحادي في الإتحاد السوفياتي وفي عام 1925 سجن البطريرك وقتل بأمر السلطات.
فعلى سبيل المثال، لا الحصر: مباشرة بعد قيام الثورة البولشفية في 28 أكتوبر 1917، أممّت جميع الأراضي التي تملكها الكنيسة إلى جانب جميع المدارس المذهبية وذلك في شهر ديسمبر 1917. وبعد ذلك بقليل صدر مشروع القرار في الفصل بين الكنيسة والدولة. واستناداً إلى هذا المشروع، قامت السلطات المحلية بأعمال نهب وعنف، وأخذ دم الشهداء الأولين يسيل...
وفي أثناء السنة 1922 فقط، استُشهد 2691 كاهناً و1962 راهباً و3447 راهبة والعديد من العلمانيين. ووجد أكثرية الأساقفة أنفسهم في معسكرات الإعتقال أو في السجن. ومن العام 1924 إلى 1934، دمّرت ألوف الكنائس، وأحرقت الايقونات والكتب الدينية بأحمال عربات نقل، وأسقطت الأجراس وذوّبت من أجل حاجات التصنيع. ومن بين خمسين ألف كنيسة قبل الثورة، لم يبقَ إلاّ نحو مئة، ولم يصدر أي كتاب ديني منذ 1918، ولم يبقَ أي مدرسة دينية منذ 1925، ولا أي دير منذ 1930.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات