رئيس شعبك لا تقُل فيه سوءاً
مرّت الانتخابات النيابية الاخيرة بسلام، والحمد لله. ولا يعنينا، هنا، ان نتكلم على وقائعها ونتائجها وما يُنتظر منها، بل على بعض أمور رافقتها، ولاسيما على اعتماد بعض المسؤولين المسيحيين تشويه بعض رؤساء الكنائس الذين يسهرون على نفوس رعاياهم. وليعذرنا كل من ينتظر ان نسمّي له من يعرفهم القاصي والداني، ان خيّبنا امله.
ان تتكلم، ايا كنت، مسؤولا او مواطناً عادياً، على اسقف بالسوء علناً او خفية، فهذا امر، الى ان القوانين الكنسية تعاقب عليه، يناقض الاخلاق العامة التي تًنتظر لاسيما من اولي الامر. ولا يتغير الحال ان كنت تتبع من تتكلم عليه في ايمانه، او تتبع غيره. فلأي اسقف كرامته عند الله والأطهار من شعبه. ولقد قال تراثنا ان "الاسقف ايقونة المسيح". وهذا القول لا يختص بموقعه في الخدمة الليتورجية فحسب، بل يخصه كيانياً دائماً. فتراثنا اوضح، ايضاً، ان خادم اسرار الكنيسة يأتي من خدمته باستمرار. و"يأتي من خدمته"، لا يقتصر معناها على ما يُنتظر منه دائماً، اي ان يوافق سلوكه خدمته، وهذا واجب كل من آمن بالمسيح رباً ومخلّصاً، بل تعني، ايضاً، ان يراه جميع المؤمنين على هذا الاساس.
من الأقوال، التي ظهرت على افواه مسؤولة، ما يخالف تراث كنيستنا. فتراثنا كلّف الأسقف، من حيث انه انسان يحيا في العالم، ان يدافع عن المسكين والبائس والمرميّ خارج حدود نظرنا، اي ان يصدع بكلمة الحق كل من يخالفها. وهذا، الذي حَسِبه حاسب انه يتقاطع مع عقيدة هذا التيار السياسي او ذاك، بما يعني ان الاسقف الذي يطيعه يأتي من خارج ايمانه، يهين غيابه المسيحية التي هي ام رعاية الفقير وأبوه. والملاحظ في معمعة رشق الوسخ، الذي تمجّه الاسماع، ان بعض اهل العالم يعتقدون انهم يفهمون كل شيء، وانهم، تالياً، من حقهم ان يتكلموا في كل شيء. هل اغراء مواقع بعضهم يجعلهم على هذا الوهم؟ وأنت، مواطناً عادياً، شأنك ان تسمعهم، او هذا ما ينتظرونه منك. لا يعرف بعضنا ان ليس من المسيحية ان نُخرج اهلها من العالم. فالرب قال انتم في العالم، وليس منه. وقوله يطلب شيئين. اولهما ان يبتعد المسيحيون عن ان "يشاكلوا اهل الدهر" (رومية 2:12). وثانيهما ان يحاولوا، ما استطاعوا، ان يرفعوا العالم الى "ملكوت الله ومجده" (1 تسالونيكي 12:2). فالرب كلّفنا جميعاً ان نعمل في العالم. وليس من الله ان تُحصر هموم الكنيسة ورجالها المعتبرين بما يسمى الحياة الروحية. ليس في المسيحية من فاصل بين ما هو روحي وما هو جسدي. كل الدنيا مدعوة الى ان تلتحف بروح الله. هذا، طبعاً، لا يشرِّع لأي رئيس كنيسة ان يناصر زعيماً على آخر، ولا، تالياً، أن يحوّل الباب، الذي يطل منه ليوزع كلمة الحياة، الى منبر للخطب السياسية. فان كان للأسقف ان يبدي رأياً عاماً في هموم الوطن، وأن يذكّر بالحق في وقت مقبول وغير مقبول، إلا ان الخدم الليتورجية ليست موقعاً للخطاب السياسي الصرف.
نحن، في الكنيسة الارثوذكسية، لا نعتقد ان ثمة، في الارض، انساناً معصوماً من الخطأ. فالكمال دعوة ومسعى. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نأكل لحوم الآخرين، وإن كانوا على خطأ فعلا، ونأبى، دائماً، ان يشوّه احد، اياً كان، من اقامه روح الله رئيساً لكنيسته. هذا، ان حدث، لا يدل على قوة، بل على وهم قوة، بل على ضعف مستحكم في نفس تحيا في الليل. فمعلوم ان الاساقفة لا يردون الشتم بالشتم. هذه ليست لغتهم. واذا، من يتكلم على اسقف بالسوء، انما يستغل آدمية من يتكلم عليه. وليس هذا فحسب، بل يخرج على عضوية كنيسته باختياره مسلكاً لا تشرع له اختياره. فالمسيحي، زعيماً او مواطناً عادياً، ان كان له على أبيه (كاهنه، او اسقفه) شيء، فإنما يزوره ببساطة الابن، ويكلّمه وجهاً بوجه. هذا ما يفعله الانسان الواعي مع ابيه الجسدي. لا يستعمل مسيحي ورع المنابر (الإعلامية وغيرها) والقاعات والشوارع والأزقة، ليتكلم على الناس ما يحلو له، او ما يتصور انهم عليه، ولاسيما في غيابهم. تسقط، إن كان زعيماً، زعامته. وإن بقيت تلمع في عيون بعض، فإنما في مَن يشبهونه، في مَنْ يستغل اكتافهم التي أحناها الضعف او الفقر، ليرتفع فوقها كما لو انه يمتطي صهوة حصان. ولقد قال تراثنا النسكي انك، إن رأيت أباك يرتكب فاحشة، فاخلع جبّتك، وأرمها عليه. لِمَ يأمرنا تراث النسّاك ان نغطي أبانا الذي رأته عيوننا يخطىء؟ لأننا أبناء بيت الله، ولأننا يجب ان نؤمن بأن المحبة هي التي تشفي من كل عيب وزلل، ولأنه لا يليق بنا ان نستغل موقعاً ليس لنا، أي ان نختلس مكان الله، لندين مَنْ لا يعجبوننا، او لا يوافقنا رأيهم. وما علينا ان نفعل، يا ترى، إن كنا نخترع عيوباً، لنلصقها بغيرنا؟
عندما كان بولس يحاكم في مجلس اليهود، قال شيئاً اغضب حننيا رئيس الكهنة. فأمر هذا الأخير شخصاً، كان بجانب الرسول، ان يضربه على فمه. فقال له بولس: "سيضربك الله، أيها الحائط المكلّس، أتجلس لمحاكمتي بسنّة الشريعة، وتخالف الشريعة فتأمر بضربي؟". فقال الذين بجانبه: "أتشتم عظيم كهنة الله؟". قال بولس: "لم أدْرِ، أيها الاخوة، انه عظيم الكهنة، فقد كتب: "رئيس شعبك لا تقل فيه سوءاً" (أعمال الرسل 23: 1-5). هذا مثل يكفي. فبولس العظيم، الذي كان يحاكم ظلماً، تراجع، توّاً، عمّا حسبه سامعوه سوءاً. فهل يتراجع الذين يرتكبون السوء في بلدنا بالفعل، ليعودوا ابناء أحبّاء؟

ايلي وهبة
http://www.annahar.com/content.php?p...=adian&day=Sun

ما هو رأيم بهذا المقال!