أيقونات كنيسـة الصليب المقدس
بحسب البرنامج الموضوع لاحتفالات عيد الصليب , والتي تمت ببركة صاحب الغبطة البطريرك أغناطـيوس الرابع هزيم , وإشراف عمدة كنيسـة الصـليـب المـقدس , كانت المحاضرة التي ألقاها د . ا . الياس ميشيل زيات بتاريخ 9 / 9 / 2009 , وبعد الحصول على موافقته وعلى نسخة من محاضرته القيمة , أنقلها
ـ بقليل من التصرف والاختصار ـ لأهميتها إلى الذين فاتهم سماعها وحضورها .
يقول الأستاذ زيات في محاضرته :
<< في حضرة السماويين كنتم, وأقصد أنه في حضوركم القداس الإلهي كنتم تمثلون " الكنيـسة الحية ",
أنتم ياجماعة المؤمنين . ففي القداس الإلهي يحصل مايسمى " السـماء على الأرض " , وذلك هو اجتماع المؤمنين ليكونوا في حضرة السماويين فيشكلون معاً الكنيسة الحية , إذ أنه كما تفضل الرب فتجسـد أي تأنس كي يؤله الإنسان , كذلك يشكل السـماويون مع الأرضيين سماءً تغلف الكون في حال الصلاة الجماعية .
هذا هو دور الكنيسة بناءً وطقساً , وذلك مشروط باجتماع الجماعة للصلاة , لأن الإنسان هو محور الوجود , والرب يرعاه في الكنيسة فيصير " لايعوزه شـيء " , إن الصلاة تحتاج إلى أدوات حتى يستطيع المؤمن الممارس أن يؤدي صلاته على وجه منتظم بواسطتها , وهذه الأدوات هي :
النص المكتوب أي الأدب الكنسي, ثم الترنيم أي الموسيقى الكنسـية التي ترنم النص, ثم الصورة أو الأيقونة التي تصور النص, فالموسيقى هي فن سمعي, والتصوير هو فن بصري.
هذه الفنون الكنسية الثلاثة: الأدب والموسيقى والتصوير ترتبط يبعضها ارتباطاً وثيقاً, وجميعها تمارس من المؤمن في نطاق مبنى الكنيسة, الذي يدل على فن العمارة الكنسـي.
تلك هي أدوات الصلاة: النص واللحن والصورة والعمارة.
هذه الفنون الكنسـية مجتمعة تصور لنا السماء على الأرض, وهذا يعني أن الإنسان عندما يمارس الطقس في الكنيسـة يكون في حضرة السماويين.
جاء التخطيط أن تحوي القبة في أعلاها صورة السيد المسيح الضابط الكل , ثم مصاف القوات السماوية أسفل الضابط الكل في إطار القبة , ثم الإنجيليين الأربعة في زوايا القبة الأربع , ومن ثم تتوزع مشاهد الأعياد السيدية على جدران الكنيسة , والقديسون على الأعمدة .
وفي حنية الهيكل صوب الشرق تكون صورة السيدة العذراء والدة الإله ترفع يديها متشفعة بالمؤمنين وتسمى " الأرحب من السـماوات " , وأسفلها تأتي صور الآباء الذين وضعوا الطقوس ولاهوتها , وفي الجدار الخلفي للكنيسة تكون صورة الدينونة .
هذا من حيث المبدأ هو النظام العام في الكنيسـة , ولا يمنع ذلك من اختلافات واجتهادات بين كنيسة وأخرى , حسب ضخامة الكنيسة وعلاقتها بالبلد الواقعة فيه .
إلا أن ماجئنا على ذكره هو في حال كانت الكنيسة مزينة بالصور الجدارية , وتتبعها الأيقونات المتنقـلة الموزعة هـنا وهـناك في الكنيسـة وخاصة في الإيقونسـطاس , أي الجدار الفاصل بين قدس الأقداس " الهيكل " حيث يتواجد الكهنة المنوط بهم إجراء الطقوس , وبين صحن الكنيسـة حيث يتواجد المرتلون والشـعب .
إن الايقونسطاس هو الأمر الآخر الذي تتميز به الكنيسـة الشرقية الأرثوذكســـية , وله تاريخ تطور على أســـاســـه .
ففي الأصل, أي في القرون المسيحية الأولى, وقبل حرب الأيقونات التي جرت في الإمبراطورية البيزنطية , كان الحاجز جداراً قليل الارتفاع ( حوالي المترين ) وهو من الحجر المزخرف ببعض المشاهد والزخارف , وخلفه ستارة تصل من اليمين إلى اليسار , وكانت الأيقونات تتوضع خلف الستارة على الحنية , وعلى جدران
الهيكل كذلك, وبعد حرب الأيقونات وانتصار الأيقونة, عملوا على إعلاء الحاجز ووضع الأيقونات الرئيسية عليه تعبيراً عن هذا الانتصار وذلك منذ القرن العاشر ولا يزال ذلك سارياً حتى الآن.
نحن اليوم أمام حالة خاصة وهي كنيسة الصليب المقدس في دمشق , فباعتبارها ليست مزينة بالتصوير الجداري , فقد اكتفي فيها بالأيقونات الخشبية المتنقلة كي تحقق فكرة " السماء على الأرض " .
إن أيقونسطاس كنيسة الصليب المقدس هو شكل أنموذجي للأيقونسطاس الشرقي , لأنه يحوي العناصر الأساسية التي يجب أن تتوفر في كل كنيسة أرثوذكسية , وهو من النوع الذي يحتوي على ثلاثة أبواب ملوكية , وسنبدأ بالحديث عنه .

الباب الملوكي الرئيسي
على يمين الباب نرى صورة السيد المسيح الضابط الكل جالساً على العرش وهو يبارك , وعلى يسار الباب نرى صورة السيدة العذراء والدة الإله مع ابنها الطفل وهي جالسة على عرش أيضاً , وهناك صورة أخرى للسيد المسيح وضعت بجانب الأولى منذ عدة سنوات , وكذلك صورة ثانية للسيدة العذراء , وهذا خطأ سنتكلم عنه لاحقاً .
بعد صورة السيد المسيح الثانية على اليمين نرى صورة القديس يوحنا المعمدان , وبعد صورة السيدة العذراء الثانية على اليسار نرى صورة شفيعي الكنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة يتوسطهما الصليب المقدس .
الباب الملوكي الأيمن
نرى على جانبيه صورة السيد المسيح والسيدة العذراء واقفين , وفي أقصى اليمين نرى صورة القديس أنطونيوس الكبير , لأن القسم الأيمن من الهيكل خلف الإيقونسطاس مخصص لهذا القديس .
الباب الملوكي الأيسر
أيضاً نرى على جانبيه صورة السيد المسيح والسيدة العذراء واقفين , وفي أقصى اليسار صورة القديس ديمتريوس , لأن القسم الأيسر من الهيكل خلف الايقونسطاس مخصص لهذا القديس .
أبواب الهيكل
في الايقونسطاس بابان يدخل منهما إلى الهيكل , واحد على اليمين ويحمل صورة القديس نيقولاوس , والآخر على اليسار ويحمل صورة القديس الطبيب بندلايمون .
فوق الصور الكبيرة في الايقونسطاس نرى صوراً أصغر تمثل أعياد الكنيسة السيدية , وهي الأعياد التي تصور حياة السيد المسيح منذ ولادته وحتى قيامته , وحياة السيدة العذراء منذ البشارة وحتى الرقاد .
وفوق صور الأعياد السيدية يوجد صف من الصور تمثل الرسل الاثني عشر والإنجيليون الأربعة .
وفي الأعلى وفوق كل باب ملوكي نرى صورة الصليب الكريم وعليه المصلوب وعلى يمينه يوحنا الإنجيلي وعلى يساره العذراء مريم .
الأساليب الفنية في كنيسة الصليب المقدس
إن أسلوب العمارة في الكنيسة هو أسلوب يوناني حديث , أما الأيقونات الكبيرة في الايقونسطاس فهي مصورة بأسلوب واقعي كلاسيكي , ربما تكون من عمل مصور كنسي لبناني أو مقدسي من مصوري النصف الأول من القرن العشرين , ولم يكتب هذا المصور اسمه في أسفل الأيقونات بل اكتفى بكتابة الإهداء والتاريخ الذي هو عام 1936 . وأذكر حديثاً مع ميلاد الشايب رحمه الله , فقد قص لي مامعناه أنه رأى هذا المصور يعمل في أيقونات كنيسة الصليب في دار البطريركية , فكان يبدأ بدعك الخشب بمعجون زيتي أبيض دعكاً قوياً وبطبقات متعددة , وبعد أن يجف المعجون جيداً كان المصور يقوم بالتصوير عليه بالألوان الزيتية, فينسخ أيقونات كنيسة المريمية الروسية لأن هذا هو العمل الذي كان مطلوباً منه , وهذا ينطبق على مجمل أيقونات ايقونسطاس كنيسة الصليب الكبيرة , ما عدا الصور الموجودة على بابي الهيكل وهما من عمل الأستاذ ميلاد الشايب سنة 1936 , وأيقونة القديس ديمتريوس فهي من عمله أيضاً ولكن من فترة متقدمة .
وتمثل أيقونات ميلاد الشايب المذكورة أسلوبه بعد عودته من جبل آثوس في اليونان حيث تدرب هناك لمدة سنة واحدة , أما أيقونات الأعياد السيدية وأيقونات الرسل في الايقونسطاس فهي من أوائل عمل ميلاد الشايب قبل ذهابه إلى اليونان , وأما أيقونات الصلبان الثلاثة فوق الايقونسطاس فهي يونانية محدثة .
وأكتفي بالقول أن الأسلوب الواقعي الكلاسيكي قد سرى في معظم كنائس العالم الأرثوذكسي التي شيدت أو جددت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, ثم عاد فانحسر هذا الأسلوب, وعاد معه الأسلوب البيزنطي منذ أوائل القرن العشرين.
ننتقل الآن إلى أيقونات الهيكل , حيث تتجمع أيقونات من مدرسة القدس من القرن التاسع عشر , وأيقونات روسية ويونانية حديثة مهداة إلى الكنيسة , وكذلك أيقونات كبيرة نسبياً من عمل المصورين ميلاد الشايب وسهيل نعمة وجورج جنوره , وأما حنية الهيكل ففيها رسم جداري حديث من عمل السيدة حنان الحولي , يمثل في الأعلى السيدة العذراء على العرش بين ملاكين وتحته مشهد المناولة المزدوجة , وفي أسفل هذا الرسم الجداري في الحنية توجد أيقونات ورقية مؤطرة تمثل آباء الكنيسة .
وننتقل إلى الأيقونات الموجودة على الجدران في صحن الكنيسة , فهي أيقونات مؤطرة برخام منقوش أهداها المؤمنون عن راحة نفس موتاهم , وأغلب هذه الأيقونات هي من عمل الفنان الأستاذ ميلاد الشايب رحمه الله , وأيقونتان من عملي أنا , وأيقونة ثلاثية من عمل جورج جنورة , وواحدة من عمل وائل بن ميلاد الشايب , ووائل هذا تعلم على يد والده المرحوم ميلاد , وربما كان يساعده في أيقوناته المتأخرة .
كلمة أخيرة أشعر أنه لابد من قولها:
1 ـ إن جل أيقونات كنيسة الصليب المقدس تؤرخ لمسيرة الأستاذ الفنان القدير ميلاد الشايب الفنية , أعماله في بدايتها قبل ذهابه للتدرب في اليونان , وأعماله بعد عودته من هناك في حوالي أربعينات القرن الماضي , وثم أعماله بعد دراسته في روسيا في الستينيات وحتى قبل وفاته .
2 ـ هناك أخطاء في أيقونات كنيسة الصليب وأرى أنه من الواجب تصحيحها مثل الايقونسطاس الذي يوجد على جانبي الباب الملوكي الرئيسي مسيحان وعذراواتان , كما أنه توجد مجموعة من الأيقونات الورقية المؤطرة والموضوعة تحت زجاج , وفي رأي أن هذا خطأ فادح لا يجب أن يستمر, فتفضلوا ياسادتي إذا اقتنعتم برأي هذا واقترحوا ضد ذلك , واعملوا على تنفيذه , لأن هذه هي كاتدرائية الصليب المقدس , ثاني كنائس دمشق من حيث الأهمية , والسلام . >>
اليان جرجي خباز