لأن أحداً لم يستطع حتى الآن إكتشاف لغزها المثير المميّز
الحياة هل تبقى سراً؟ والى متى؟
فيروسات غير مصنّفة أحياء.
تشكّل ظاهرة الحياة سراً من الاسرار والمحيّرة للبشر، علميين كانوا او رجال دين او اصحاب عقائد. وحتى الساعة لم يستطع احد سبر اغوار تلك الظاهرة والولوج لتحديد مقنع وثابت لها، وهي القائمة وحدها على كوكب الارض. والسؤال لا يزال مطروحاً ولا جواب عنه.
تتصدر ظاهرة الحياة اهتمام علماء الحياة والوراثة والفيزياء والكيمياء والفلك، وذلك من اجل معرفة اطرها وماهيتها، لكنهم لم يتوصلوا لاجماع حول طبيعة الحياة. فهل هي في الاساس غير قابلة الفهم والادراك؟!
يعتبر البيولوجيون ان "الحي" هو كل كائن قادر على تبادل المادة والطاقة مع بيئته، وقادر ايضا على التكاثر والتطور بالانتقاء الطبيعي مع الاحتفاظ بذاتيته. انها مفارقة غريبة ان لا يتم التوصل لاكتشاف اسرار الحياة، ففي حين تتم داخل مختبرات عدة في العالم، اعادة رسم لمراحل ظهور الحياة والسعي لخلق كائن حي صغير"، ينبري عدد من رجال الدين للقول ان الحياة تبقى لغزا غير قابل للاختراق، وانه تالياً ليس لأحد الحق اعتبارها ميدانا للبحث والتمحيص.
في محاضرة القاها عام 2000، شرح البيولوجي فرنسوا جاكوب وجهة نظره في الموضوع قائلا "ان الحياة لا توجد كحقيقة مستقلة يمكن تمييزها، انها في الواقع عملية وتنظيم للمادة، ومن الممكن دراسة العملية وليس الفكرة المجردة للحياة". ويردف متابعاً انه "في الامكان ايجاد تحديد للجسم الحي او التفتيش لوضع فاصل بين الحي والجامد، لكن في المقابل ليس هناك من مادة حية، بل توجد مادة مكونة للكائنات الحية لا تتمتع بمزايا خاصة كالتي في المادة الجامدة"، بناء على ما تقدم فان الحل الوحيد لتحديد الحياة ينحصر في عرض خصائصها.


ايض وحمض نووي
للكائنات الحية ايض اي مجموعة عمليات تجعلها قادرة على التقاط العناصر الغذائية من الخارج (اطعمة، اوكسيجين للتنفس، ضوء وثاني اكسيد الكربون للتمثيل الكلوروفيلي...)، انه ايضا، اي الايض، مجموعة التحولات الكيميائية التي تتيح لتلك الكائنات الحية صنع المكونات الخاصة بها، كي تنمو وتبقى وترمي الفضلات الصادرة عنها في المحيط الخارجي. بالنسبة الى البيولوجيين، فان العنصر الاساس للكائنات الحية كان ولا يزال يتمثل بالخلية مع غلافها وجسيماتها، وان الغلاف امر ضروري لتبادل المادة وللتواصل. من جهتهم لاحظ علماء الوراثة، ان لا وجود على الكرة الارضية لكائن حي من دون حمض نووي، وهو الجزيئة الطويلة والملتفة حلزونياً والتي تملي على خلايا البشر وصفة صنع البروتينات الضرورية لاجراء التفاعلات الكيميائية التي تؤمن بقائها وبقاء الجسم المنتمية اليه.
يحدد الحمض النووي المنقوص الاوكسيجين ADN عددا كبيرا من الخصائص الفيزيائية (الجسمية) للكائن الحي ولسلوكه حتى للأمراض التي قد تعتريه. ان بناء الكائن الحي مرتبط بالحمض النووي منذ الخلية الاولى وحتى سن الرشد، مرورا بتكوين الاطراف والاعضاء. كما له دور آخر اساسي، فهو حامل الوراثة، ويذهب بعضهم حتى للادعاء أن لا حياة بدونه. فهل يمكن ان نذهب ايضا بعيدا ونحدد الحياة أنها الظاهرة التي تسمح بسرمدية الاعلام الوراثي، انها نظرية "الجينة الأنانية" لعالم الاخلاق الانكليزي ريشار داوكنز التي تعتبر الاجسام "عربات مسيرة آليا" للجينات. كما وهي ادوات بسيطة تسمح لسائر الجينات بالتكاثر.
ان الفيروسات، وهي كائنات صغيرة مكونة من مادة وراثية محوطة بأداة جزيئية، غير مصنفة كأحياء بالنسبة الى معظم البيولوجيين، وذلك لانعدام الأيض لديها، وهي تاليا عاجزة وحدها عن التكاثر وتحتاج لخلية حية لتحريك ادواتها من اجل خلق مئات الجزئيات الفيروسية الصغيرة.
في علم الأحياء، يُعتبر الجسم حياً، حين ينمو ويكبر، حتى يصبح قادراً على التكاثر، ما يحتّم عليه ان يستهلك ويخزن الطاقة ويرمي الفضلات، ويتحرك ويتسبب بدوران السوائل الداخلية. هذا التحديد اطلق العنان لتناقضات جوهرية ساقها عالم الحياة والفيلسوف جويل روسناي الذي اعتبر أن للحيّ ثلاث خصائص اساسية: الحفظ الذاتي والتكاثر الذاتي والتنظيم الذاتي. فبالنسبة الى الخاصية الاولى، هي تشمل كل ما له علاقة بالتغذية، والثانية ترتبط بنشر الحياة مع إمكان التطور، اما الخاصية الثالثة فتشمل وظائف التنسيق والمزامنة وضبط ردود الفعل.
من جهته يختصر عالم التطور جون منار سميث، الوضع بالقول "نعتبرها حية كل مجموعة افراد لديهم ميزة التكاثر والوراثة والتنوع". وبدورها تحدد وكالة "النازا" الحياة "أنها نظام مصون ذاتي قادر على التطور الدارواني (نسبة الى العالم دارون)".
رغم كل تلك التحديدات الآنفة والتي ليس من إجماع حولها، لا نزال لا نعلم ما هي هذه الظاهرة الغريبة التي تضعنا في حركة دائمة والمسمّاة الحياة.


شرارة إلهية عجيبة ومقدّسة
من المستغرب بالنسبة الى رجال الدين ان يكسّر العلماء رؤوسهم لايجاد تحديد للحياة لانها خارج اطار اساليب التفتيش العلمية، وكون سائر الاديان تقول ان الحياة تستمر من دون اي ركيزة مادية بعد الموت. لذا فان التمحيص في المادة عن اسرار الحياة سيؤول حتماً للفشل.
يقول جان ميشال ملدامه عالم اللاهوت الدومينيكي "إن الحياة الخالدة هي ابعاد نوعية لا يستطيع العلم ان يقول فيها شيئاً" لكن هذا التحديد لا يمنع الاديان ان تكون منتبهة وعلى بيان عما يقوله العلم في وظائف الحياة ونشأتها، ولو على حساب ظهور خلافات في الرأي.
يضيف جان ميشال ملدامه "إن الحياة تبقى سراً بالنسبة الى المسيحيين كما الى العلميين. فلا توجد صيغة رياضية او بيوكيميائية تقول ان الحياة هي هذا. كما وليس لدى المسيحيين أي تحديد عقائدي للحياة مع وجود تيارات متباينة".
إن التوراة او الكتاب المقدس لليهود، هي الاكثر دقة، حين ترى الحياة كشرارة الهية مستقلة عن الجسد وتسكن في الدم. أما الاديان التوحيدية التي تؤمن بإله واحد فتعتبر الحياة هبة من الله، ولذا فهي مقدسة، ولا أحد يستطيع نزعها (لا تقتل أحداً) أو وهبها او بيعها او جعلها حقلاً للتجارب. وحين يصار لدراستها تتضارب الآراء وتتباين بشأنها.
مغزى رمزي
ان تقدم العلم قد دفع بالعقيدة نحو التطور. ففي 22 تشرين الثاني 1996، أكّد البابا جان بول الثاني "أن التطورية هي اكثر من فرضية". وبالنسبة الى جان ميشال ملدامه فإن التقليد المسيحي متنبّه لما تقوله علوم الحياة، مع العلم أن ذكر الحياة في النصوص الانجيلية هو مؤرخ. كما اتت تلك النصوص على ذكر سفر التكوين. إن الاتجاه الحالي باستثناء الحركات الأكثر ارثوذوكسية هو في عدم اخذ التوراة كنص ادبي، بل كعمل رمزي مطّاط، والقراءة يجب ان تكون اكثر طراوة ومنفتحة بالنسبة الى الحياة نفسها.
وختاماً: هل تبقى الحياة سراً الى أبد الآبدين؟

رياض دكروب