في التخطي
بقلم: الارشمندريت الياس مرقص

في حياتنا مع الله موقف أساس، إذا لم يتوفر عدمت ثباتها وتزعزعت، هو - إذا جاز اختصاره بكلمة واحدة التخطي، التخطي شبه الدائم كما يتضح من الطقوس والكتاب المقدس والتصرف المسيحي والجهاد النسكي والكيان الإلهي، إذ إنها كلها تدعونا الى الانتقال الى صعيد آخر غير الصعيد العادي اليومي، الى عالم آخر.

عندما لا نتخطّى أنفسنا ونبقى على الصعيد الارضي، يسود صلاتنا غالباً وسريعاً الملل والجفاء وأحياناً اليأس. ولذلك تكون الصلاة صعبة ومتعبة عوض أن تكون مصدر حلاوة وراحة وفرح وسلام
.

في أيام الكنيسة الاولى كانت الامور جديدة وطرية وبنعمة القيامة الجديدة والخلاص الجديد والايمان الجديد، وكان المسيحيون يصلّون بابتهاج وحياة وقوة. وبهذه النعمة كان الشهداء يتحملون آلامهم بسهولة، ولا يخورون تحتها، وربما لا يشعرون بها
.

أما مجال التخطي اليوم بالنسبة الينا فهو، اذا انتبهنا، يبدو جلياً أولاً في الطقوس، فمثلاً في عيد الفصح المجيد نردّد أن المسيح قد أجازنا من الموت الى الحياة، ومن الارض الى السماء. وأننا نشرب مشروباً جيداً وأن كل شيء ربيعي جديد
...

والقداس الإلهي يدعونا الى أن نضع قلوبنا فوق وأن نرتّل نشيد الشروبيم الذين نماثلهم الى غير ذلك، ما يحثّنا على العيش منذ الآن مع الله وفي ملكوته
.
هذا والكثير من أناشيد كتاب المعزّي والتريودي والبنديكستاري تدعونا الى تبني حركة هذا التيار والانضمام اليه
.

ولنلاحظ أن اقصر الصلوات في طقوسنا مجال لتخطي أنفسنا الى فوق. ولذلك تكرّرها الكنيسة كثيراً ونحن نحسب هذا التكرار مبالغاً فيه وغير ضروري. فمثلاً تكرار صلاة الذكصا، أي "المجد للآب والابن والروح القدس"، هو لبقائنا مشدودين الى العلى، الى الثالوث المحيي. وكذلك صلاة "أبانا الذي في السماوات ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض"، وكذلك "هلمّوا نسجد"، كأن الله أمامنا، "و"يا رب ارحم" التي بها نطهّر أعماقنا، لنستطيع أن نحس بحضور الله
...

وهذا كله يتطلب انتباهاً وجهداً داخلياً لنتجاوز أنفسنا وننتقل بذهننا الى العالم الآخر
.

والكتاب المقدس لا يخلو من تذكيرنا بأننا نعيش في الخليقة الجديدة (غلاطية 15:6 و2 كورنتثوس 17:5)، وفي "الانسان الجديد" (أفسس 22:4 - 24)، وأن المسيح "أجلسنا معه في السماويات" (أفسس 2:6)، وأن "نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب" (2 كورنتثوس 8:5)، وأن نتخطى أوضاعنا السلبية بأوضاع ايجابية: "كمضلين ونحن صادقون، كمجهولين ونحن معروفون، كمائتين وها نحن نحيا، كمؤدبين ونحن غير مقتولين، كحزانى ونحن دائماً فرحون، كفقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء" (2 كورنثوس 6:8-10).


بل نرى المسيح نفسه يحثّنا على الانتقال من الصعيد الارضي الى الصعيد السماوي: "اعملوا لا للطعام الفاني، بل للطعام الباقي لحياة أبدية"، و"أقول لكم إن موسى لم يعطكم الخبز من السماء (المنّ)، لكن ابي يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء" (يوحنا 6: 27-32).

وفي تصرفنا كمسيحيين، كم ينبغي لنا أن نتخطى أنانا وراحتنا وكبرياءنا في قبول الآخرين كما هم، وعدم إدانتهم واحتمالهم بصبر وشفقة ومحبة. وليست المحبة سوى نسيان انفسنا في سبيل الاخرين، أي الخروج من أنفسنا وتخطيها. يجب علينا نحن الاقوياء "أن نحتمل أضعاف الضعفاء" (رومية 15:1).

هذا ومن البديهي حمل صليبنا في هذا المضمار. علماً بأن التجارب ذاتها هي مناسبة للتغلّب عليها والتحرّر منها، وندخل سر الخلاص بتخطيها. وقد قال القديس انطونيوس الكبير إذ لا بدّ منها للخلاص.

وجهادنا النسكيّ يستوجب التخطي الدائم: "أنسى ما وراء وأسعى الى الامام" والتجدّد المستمر والاّ فننتن. مثلاً، في تطبيق التطويبات، وهي مثلنا الأعلى: طوبى لنتجاوز أنفسنا في المسكنة بالروح والوداعة وصنع السلام والرحمة ونقاوة القلب... علماً بأن كل "وصول" الى فضيلة ما يعتبر عبادة أصنام حسب الآباء، فالفضيلة ليست غاية بذاتها، فالغاية هي امتداد دائم من دون توقّف نحو الله، فلا بد من التخطي
.

بلا تخطّ لا حياة بل توقف وموت. ومن هنا أهمية القيامة القصوى عندنا - عقيدتنا الاساسية. فبلا قيامة لا ايمان صحيح ولا حياة. الانسان مدعو الى الحياة، والتخطي اساس الحياة
.

وهذا التخطي المستمر وعلى كل الصعد بدهيّ مسيحياً، إذا تأملنا صبر الله، وتخطيه الكلي والدائم تخطياً لا يوصف، تخطياً كيانياً كما هو في الثالوث القدوس والا الله لا يكون الله
.

نحن مخلوقون على صورة الله، أي أننا أكبر من أنفسنا وتالياً يجب أن نمتد فوق أنفسنا، أن نتجاوز أنفسنا ونسترجع أصالتنا فنعود الى كياننا الحقيقي، وتالياً الى ميناء السلام والغبطة، الى الملكوت، الذي هو في داخلنا
.

هذا وبالنتيجة، فإن الايمان نفسه "أساس حياتنا" هو تخطّ وانتقال
.
تبقى كلمة واحدة: لا نفكرنّ كثيراً في التخطي أثناء الصلاة فنغرق ونعطّل صلاتنا، بل فلنصلّ ببساطة وايمان... من أعماق ضعفنا... نعم، فلنتخطَّ تخطينا
...
"
يا رب، طوبى للرجل المتوكل عليك
"...

ولكن من الضروري التنويه بأن هناك وجهاً آخر لصلواتنا الى الله، وجهاً مهماً جداً بل أساسياً هو عكس التخطي الى فوق، هو استنزال ما هو فوق الينا: "هلمّ واسكن فينا"، "ملكوت الله في داخلكم"، "سلامي أعطيكم"، "أنا فيكم وأنتم فيّ"، لأن الله معنا"، "بركة الله ورحمته معكم جميعاً"، "خذوا كلوا، اشربوا منه كلكم"، "الرب يسكب نعمته علينا"، الخ
...

لأن غاية التخطي إنما هي، بالنتيجة، أن نستنزل ملكوت الله ونعمته وبركته ورحمته الى قلوبنا
.